فيصل تايه يكتب: حين تسبق التفاهمات صندوق الاقتراع .. من يحسم رئاسة مجلس النواب؟

منذ 9 ساعات
المشاهدات : 13265
 فيصل تايه يكتب: حين تسبق التفاهمات صندوق الاقتراع ..  من يحسم رئاسة مجلس النواب؟
فيصل تايه

فيصل تايه

مع افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة هذا اليوم ، وخطاب العرش الذي يستهل به جلالة الملك أعمالها، تتجدد الأسئلة حول طبيعة التفاهمات النيابية وحدود تأثيرها في اختيار رئيس مجلس النواب.

ليست المشكلة أن تتفق الكتل النيابية أو تتحالف أو تتفاوض على مواقع المكتب الدائم؛ فهذا حقها ومن طبيعة العمل السياسي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التفاهمات إلى ما يشبه إعلاناً مسبقاً للنتائج، وعندما يبدو أن صندوق الاقتراع لم يعد سوى محطة أخيرة لاستكمال ما جرى ترتيبه خارج قبة البرلمان.

ما يجري اليوم في مجلس النواب يستحق التوقف، ليس بسبب أسماء المرشحين وحدها، بل بسبب الطريقة التي باتت تُدار بها الاستحقاقات النيابية. فما أُعلن وتداولته الأوساط النيابية بشأن تفاهمات بين كتل لتوزيع مواقع المكتب الدائم، بما فيها رئاسة المجلس ونائبا الرئيس ومساعداهما، يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل نحن أمام توافق سياسي يهيئ لانتخابات تنافسية، أم أمام تفاهمات قد تضيق مساحة المنافسة قبل أن يبدأ الاقتراع؟

ولنكن واضحين؛ المسألة ليست اعتراضاً على ترشيح سعادة الدكتور إبراهيم الطراونة، ولا انتقاصاً من حق سعادة السيد مجحم الصقور أو سعادة السيد سليمان الزبن في خوض المنافسة. فلكل نائب حقه في الترشح، ولكل كتلة حقها في اختيار مرشحها والتوافق مع غيرها. لكن اختيار الكتلة لمرشح لا يعني أن بقية النواب فقدوا حقهم في المنافسة، ولا أن الترشح خارج التفاهمات أصبح خروجاً على الإجماع. فالكتل تستطيع أن تتفق، لكنها لا تستطيع أن تجعل اتفاقها بديلاً عن قرار المجلس.

وهنا بيت القصيد: ما قيمة التعددية داخل المجلس إذا أصبح الاختلاف في الرأي يُنظر إليه باعتباره خروجاً على التوافق؟ وما معنى العمل الحزبي إذا تحولت الكتل، عند كل استحقاق، إلى طاولات لتوزيع المواقع، بدلاً من أن تكون منصات للتنافس على البرامج والأفكار والرؤى؟

وللمسألة وجه دستوري وقانوني لا يجوز تجاوزه. فالمادة 69 من الدستور الأردني تنص صراحة على أن ينتخب مجلس النواب، في بدء الدورة العادية، رئيساً له لمدة سنة شمسية واحدة، ويجوز إعادة انتخابه. وهذا النص يجعل انتخاب الرئيس مسؤولية المجلس نفسه، لا نتيجة ملزمة لتفاهمات الكتل.

ثم يأتي النظام الداخلي ليحدد آليات ممارسة هذا الحق؛ فالمادة 34 تنص على أن جميع عمليات الانتخاب في المجلس تجري بالاقتراع السري، فيما تحدد المادة 14 آلية الفوز برئاسة المجلس؛ إذ يُشترط حصول المرشح على الأكثرية المطلقة للحاضرين إذا زاد عدد المرشحين على اثنين، أما إذا كان المرشحان اثنين فقط فيُعتبر فائزاً من يحصل على الأكثرية النسبية، وإذا تساوت الأصوات تُجرى القرعة بينهما. كما يحدد النظام إجراءات الإشراف على الاقتراع والفرز، ويتيح لمندوبي المرشحين مراقبة العملية.

بمعنى آخر، الدستور قرر أن المجلس ينتخب رئيسه، والنظام الداخلي وضع القواعد التي تنظم هذا الانتخاب وتضمن إجراءه وفق الأصول. وليس في التفاهم المسبق بين الكتل مخالفة قانونية بحد ذاته، لكن جوهر العملية يقتضي أن يبقى حق كل نائب في الترشح، وحقه في التصويت بحرية، مصونين. وأي ضغط أو تدخل يمس حرية الاقتراع، إذا ثبت، يطرح مسألة تستوجب النظر والمساءلة وفق الأصول. فالفرق كبير بين توافق سياسي مشروع، ومحاولة تحويل هذا التوافق إلى نتيجة مفروضة على المجلس.

والأمر الذي يستحق النقاش أيضاً هو الرسالة التي تصل إلى المواطن. فهو يسمع عن تفاهمات على الرئاسة والنائبين والمساعدين، لكنه لا يسمع بالقدر نفسه عن تفاهمات على برنامج تشريعي، أو أولويات رقابية، أو خطة واضحة لتحسين أداء المجلس. فهل أصبحت المواقع هي نقطة الالتقاء الأسهل بين الكتل، بينما تبقى البرامج والقضايا الوطنية موضع اختلاف؟

لا أحد يعترض على أن يصل الدكتور إبراهيم الطراونة أو السيد مجحم الصقور أو او السيد سليمان الزبن، أو أي مرشح آخر، إلى رئاسة المجلس. فالمنافسة حق، والتوافق حق، لكن شرعية الوصول لا تُستمد من عدد الكتل التي اتفقت على الاسم، وإنما من أصوات النواب وفق الأصول الدستورية والنظام الداخلي.

اليوم وعند إعلان النتيجة، سيكون السؤال الأهم: هل عكست النتيجة إرادة النواب، أم اكتفت بتثبيت ما رسمته التفاهمات مسبقاً؟ قد يفوز مرشح التوافق، وقد تذهب الأصوات في اتجاه آخر؛ وفي الحالتين، يبقى المعيار هو احترام حق المجلس في الاختيار.

فالكتل تتفاوض، وهذا حقها، لكن البرلمان هو الذي ينتخب. وأي توافق لا يترك مجالاً للمنافسة ولا يتسع للاختلاف، لا يصح أن يُقدَّم باعتباره إجماعاً نيابياً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم