د. سالم نايف الكركي يكتب: حكومات الارتجال: "أربعة أيام عمل" بلا جاهزية تُفاقِم الأزمة!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16172
د. سالم نايف الكركي يكتب: حكومات الارتجال: "أربعة أيام عمل" بلا جاهزية تُفاقِم الأزمة!
د. سالم نايف الكركي

د. سالم نايف الكركي

يتجدد الحديث في أروقة صنع القرار بين الحين والآخر عن مقترحات تمس جوهر الإدارة العامة وعصب عمل الدولة، ولعل أبرزها الطرح المتعلق بتقليص دوام الموظفين الحكوميين إلى أربعة أيام في الأسبوع، وعلى الورق يبدو الشعار براقاً ويحاكي بعض التجارب العالمية، لكنه على أرض الواقع، وفي ظل واقعنا الهيكلي الحالي، يمثل قفزة عمياء في المجهول تفتقر لأبجديات الجاهزية، وتنذر بزلزال إداري واقتصادي لن تُحمد عقباه، الأمر الذي يدعونا إلى أن نوجهها صريحة وبلا تجميل: كفاكم قرارات هوجاء خالية من أي دراسات علمية، وكفى تعاملاً مع مؤسسات الدولة كحقول تجارب تُدار بالنزوات والانطباعات السطحية، بعيداً كل البعد عن لغة الأرقام والواقع.

إن ضغط أسبوع العمل في أربعة أيام يتطلب بالضرورة جاهزية رقمية فائقة، وبنية تكنولوجية متكاملة تدير الخدمات بسلاسة، غير أن الواقع الميداني يكشف عكس ذلك تماماً، إذ لا تزال الأنظمة الحكومية تعاني من البطء، والتكرار في الانقطاع، وضعف الربط الإلكتروني والتكامل بين المؤسسات، وفي ظل هذا العجز التقني عن تقديم الخدمة بكفاءة على مدار خمسة أيام، تصبح المراهنة على تقليص الدوام لمعالجة الأزمة مجرد هروبٍ صريح إلى الأمام، ومحاولة مكشوفة لتغليف الفشل الإداري بشعارات رقمية براقة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود التكنولوجيا فحسب، بل تتجاوزها لتصدم بعمق الهيكل التنظيمي والقدرات البشرية، إذ لا تقوم المؤسسات الناجحة على أفراد معزولين بل على منظومة إدارية متكاملة، وهنا يبرز عائقان رئيسيان: الغياب الشبه تام لبرامج تأهيل وتدريب "الخط الثاني" من القيادات الإدارية القادرة على إدارة الدفة بكفاءة، فضلاً عن أن الموظف الحكومي لم يصل بعد إلى مرحلة "الموظف الشامل" القادر على تولي مهام متعددة بمرونة وشمولية، فالتخصصية المفرطة والبيروقراطية التقليدية تجعل من غياب أي موظف ليومٍ إضافي سبباً مؤكداً لتعطل كامل لدورة العمل وشلل المعاملات، فكيف تُتخذ قرارات التخفيض وجهازنا الإداري يعاني من هذا العجز الهيكلي والمؤسسي؟

ومن المفارقات العجيبة أن تؤدي سياسات "تخفيف العبء" إلى نتائج عكسية، فضغط عمل أسبوعٍ كامل في أربعة أيام سيضاعف الإجهاد على الموظف ويضر بجودة الخدمة والأدهى من ذلك، أن ظروف المعيشة القاسية ستدفع الموظف لاستغلال يوم العطلة الإضافي في البحث عن عمل آخر بالقطاع الخاص، مما يمثل ضربة قاصمة لفرص الشباب المتعطلين، ويزيد من تفاقم أزمة البطالة عبر مزاحمة الباحثين عن عمل في سوقٍ مشبع ومحاصر بالأزمات.

إن محاولة استنساخ النماذج الغربية دون توفير بنيتها التحتية وثقافتها الإدارية قرارٌ أجوف ينظر للهوامش ويغفل جوهر الإصلاح وإذا كانت المؤسسات تعجز عن إنجاز خدمات المواطنين بكفاءة في خمسة أيام، فكيف لها أن تنجزها في أربعة؟ إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتقليص الوقت على حساب المضمون، بل بإعادة هندسة العمليات، وبناء القيادات البديلة، والتمكين الرقمي الفعلي، قبل أن تتحول القرارات الارتجالية إلى عبء إضافي يثقل كاهل الدولة والمجتمع.

حفظ الله الأردن حصناً منيعاً برؤية قيادته الهاشمية، لتبقى مسيرة الوطن أطهر من أن تدنسها معادلات المصالح الضيقة، وليبقى المواطن الأردني هو الغاية والبداية والمنتهى.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم