يوسف الطورة يكتب: عبث إسرائيلي .. الجنوب السوري وخطوط الأردن الحمراء

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13550
يوسف الطورة يكتب: عبث إسرائيلي ..  الجنوب السوري وخطوط الأردن الحمراء
يوسف الطورة

يوسف الطورة

ما تشهده الساحة السورية وتحديدا في الجنوب يعيد إلى الواجهة خطاب الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما حمله من رسائل سياسية وأمنية تجاوزت حدود المنبر الدولي، لتصل إلى دوائر صنع القرار الإقليمي، وفي مقدمتها تل أبيب.

حينها كان السؤال الأهم كيف ستقرأ إسرائيل الرسائل الأردنية؟ وهل ستتعامل معها باعتبارها موقفاً سياسياً يضاف إلى سلسلة المواقف الأردنية، أم ستدرك أنها تعكس تحولا في طريقة تعريف عمان لمصالحها الاستراتيجية وخطوطها الحمراء، وأن أمنها الوطني لم يعد قابلا للفصل عن التحولات الجارية في محيطها الجغرافي؟.

الأردن يراقب ما يجري حوله بعين المصالح والأمن القومي، وأن ثمة تطورات في الجنوب السوري تستدعي قراءة مختلفة، خصوصا مع تزايد المؤشرات على محاولات إعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي في المنطقة.

لا يمكن النظر إلى ما يجري في جنوب سوريا باعتباره شأناً سورياً داخلياً محضاً، فالجغرافيا هنا تفرض نفسها على حسابات الأمن الإقليمي وتضع الأردن في قلب أي تحولات قد تطال السويداء ودرعا والحدود المشتركة.

وثمة مخاوف متزايدة من أن تسعى إسرائيل إلى توسيع نفوذها العسكري والاستخباراتي في الجنوب السوري، مستفيدة من الانقسامات الداخلية والتعقيدات الأمنية، بما قد يؤدي إلى نشوء مناطق نفوذ منفصلة أو كيانات ذات طابع شبه مستقل، تفرض واقع جغرافي وأمني جديد.

ولعل المؤشرات الميدانية عن تعزيز الحضور الإسرائيلي في محيط السويداء، وتطوير قدرات المراقبة والاستطلاع، بالتوازي مع تحركات عسكرية، في مشهد يفتح فرضية احتمالات التصعيد وإعادة ترتيب موازين السيطرة في المنطقة.

لكن السؤال الذي يفترض التوقف عنده، هل تقتصر الحسابات الإسرائيلية على السويداء، أم أن الأمر يتصل بمشروع أوسع لإعادة هندسة الجنوب السوري، بما يشمل درعا ومحيط الحدود الأردنية؟.

إن خطورة هذا السيناريو لا تكمن في تغيير موازين القوى داخل سوريا لوحدها، وإنما في التداعيات التي يمكن أن تنتج عنه على الأردن، سواء من خلال فرض واقع أمني جديد على حدوده الشمالية، أو احتمالات النزوح والتهجير، أو نشوء مناطق نفوذ مسلحة يصعب ضبطها.

ولذلك فإن الحديث عن درعا ليس تفصيلاً جغرافياً في المشهد السوري، وإنما يتعلق بمنطقة تمثل امتداد مباشر للأمن الوطني الأردني، وأي محاولة لتغيير واقعها السكاني أو الأمني أو الجغرافي ستنعكس على حسابات عمان.

الأردن لا يتعامل مع سوريا باعتبارها دولة معادية، ولا ينطلق في سياسته تجاه دمشق من منطق المواجهة، وإنما من إدراك بأن استقرار سوريا ووحدة أراضيها يشكلان مصلحة أردنية مباشرة.

لكن هذا الموقف لا يعني أن عمان يمكنها تجاهل التحولات التي قد تنتج عن الفوضى أو الانقسام أو تمدد التنظيمات المسلحة، خصوصا إذا تحولت هذه التحولات إلى تهديد مباشر للحدود والمصالح الاستراتيجية.

وتتعدد الملفات التي تجعل مستقبل الجنوب السوري قضية بالغة الحساسية بالنسبة للأردن، أولها الملف الأمني وما يرتبط به من نشاط التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، وما يمكن أن ينتج عن انهيار السيطرة الأمنية من تهديدات عابرة للحدود.

وثانيها الملف المائي إذ إن أي تغيير في السيطرة على الأحواض والموارد المائية في الجنوب السوري، أو إعادة ترتيب إدارتها واستخدامها، قد يضيف تعقيدات جديدة إلى أزمة المياه الأردنية، في بلد يواجه واحدة من أشد أزمات الشح المائي عالميا.

أما الملف الاقتصادي فيتصل بمستقبل حركة التجارة والنقل والطاقة والربط الإقليمي، إذ إن تفكيك الجغرافيا السورية أو نشوء مناطق نفوذ متباينة يضعف فرص التكامل الاقتصادي بين البلدين، ويعيد رسم مسارات المصالح التجارية واللوجستية.

ولا يقل الملف الديموغرافي خطورة، فاندلاع مواجهات واسعة أو فرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب السوري قد يفضي إلى موجات نزوح إضافية باتجاه الأردن، بما يضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها المملكة.

كما أن امتداد الفوضى إلى مناطق أخرى، وربما ارتباطها بمسارات اضطراب أوسع في المنطقة يضع الأردن أمام تحديات أمنية لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداث منفصلة.

بمعنى آخر لا تتعلق القضية بحدود جغرافية فقط، وإنما بمنظومة متكاملة من المصالح الأمنية والمائية والاقتصادية والديموغرافية، وأي خلل في أحد مكوناتها يمكن أن ينعكس على بقية الملفات.

في خضم هذه الحسابات تبرز مفارقة سياسية يتوجب التوقف عندها، إذ لم تمض سوى أربعة أيام على إعلان عمان ودمشق التوجه نحو الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، حتى وضعت التطورات العسكرية في الجنوب السوري هذا المسار أمام اختبار أمني وسياسي بالغ الحساسية.

فالتقارب الأردني السوري لم يكن مجرد إعلان سياسي أو رغبة في تحسين العلاقات الثنائية، وإنما استند إلى مصالح مشتركة في مقدمتها استقرار الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتصدي لشبكات تهريب المخدرات والأسلحة، وإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي.

لكن التطورات الأخيرة كشفت أن الانتقال من التفاهم السياسي إلى التنسيق العملي يواجه تحديات معقدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحدود التحرك العسكري، وتقدير طبيعة التهديدات، وآليات التعامل مع التنظيمات المسلحة داخل الأراضي السورية.

والأهم أن البلدين رغم اتفاقهما على خطورة الإرهاب وضرورة مواجهته، يواجهان سؤالا يتعلق بكيفية إدارة هذه المواجهة، وحدود المسؤوليات والتنسيق، بما يحفظ سيادة الدولة السورية، ولا يسمح في الوقت ذاته بتحول أراضيها إلى مصدر تهديد لجيرانها.

فعمان لا تريد أن تتحول مواجهة التهديدات الأمنية إلى سبب لتقويض مسار التقارب مع دمشق، لكنها في المقابل لا تستطيع التعامل مع المخاطر العابرة للحدود باعتبارها شأناً مؤجلاً إلى حين اكتمال التفاهمات السياسية.

إن الرسالة الأردنية واضحة الشراكة مع سوريا مصلحة استراتيجية، ومواجهة الإرهاب مصلحة مشتركة، وحماية الأمن الوطني الأردني مسؤولية لا يمكن التنازل عنها.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن حادثة الاعتداء على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، فالحادثة أعادت ملف التطرف والإرهاب إلى واجهة النقاش الأمني الأردني، ودفعت إلى إعادة النظر في طبيعة التهديدات التي يمكن أن تنتقل من بؤر الاضطراب الإقليمي إلى الداخل الأردني.

وهنا تتضح أهمية الربط بين الأمن الداخلي وما يجري على الجانب الآخر من الحدود، فالمخاطر لا تبدأ بالضرورة عند الحدود ولا تنتهي عندها، وإنما قد تتشكل في بيئات مضطربة، ثم تتحول إلى تهديدات مباشرة للدول المجاورة.

السؤال الذي يعود الآن كيف ستتعامل إسرائيل مع هذه المعادلة الأردنية؟، تدرك تل أبيب أن الأردن يمثل جزءاً أساسياً من البيئة الأمنية المحيطة بها، وأن استقرار المملكة ليس تفصيلاً هامشياً في حساباتها الإقليمية.

وفي المقابل فإن أي محاولة لفرض وقائع جغرافية أو ديموغرافية جديدة في جنوب سوريا قد تضع العلاقات الأردنية الإسرائيلية أمام تحديات تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية.

فالأردن لا ينظر إلى الجنوب السوري باعتباره ساحة بعيدة يمكن الاكتفاء بمراقبة تطوراتها، وإنما باعتباره امتداد مباشر لأمنه ومصالحه.

ومن هنا فإن أي تحرك إسرائيلي يؤدي إلى تكريس منطقة نفوذ عسكري أو أمني على مقربة من الحدود الأردنية، أو يفتح الباب أمام تهجير السكان وتغيير الواقع الجغرافي، سيضع عمان أمام معادلة مختلفة.

ولا يعني ذلك أن إسرائيل تتجه إلى مواجهة مباشرة مع الأردن، لكن أدوات الضغط السياسي والإعلامي، ومحاولات توظيف الخلافات الإقليمية، قد تصبح جزء من المشهد إذا تباينت الحسابات بشأن مستقبل الجنوب السوري.

ولهذا فإن أي تصعيد سياسي أو إعلامي يستهدف الموقف الأردني يستحق القراءة ضمن سياقه الإقليمي، دون افتراض وجود ارتباط مباشر بين كل حملة إعلامية وتطور ميداني، أو القفز إلى استنتاجات لا تسندها الوقائع.

لقد اعتادت إسرائيل التعامل مع المواقف الأردنية من خلال القنوات الدبلوماسية والاحتجاجات السياسية، لكن خطاب نيويورك حمل تأكيداً على أن المصالح الأردنية المباشرة والأمن القومي والخطوط الحمراء تشكل محددات أساسية في السياسة الأردنية.

وهذا ما يستوجب أن تدركه تل أبيب، أن الأردن لا يبحث عن مواجهة لكنه لن يتعامل مع أي محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا المحيطة به باعتبارها مسألة لا تعنيه.

ما يحدث في الجنوب السوري يضع الأردن أمام اختبار، لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع دمشق أو مراقبة التحركات الإسرائيلية، وإنما بكيفية حماية منظومة مصالحه الاستراتيجية في منطقة تتغير خرائط النفوذ فيها بسرعة.

فالمملكة لا تريد حرباً مع تل أبيب، ولا تسعى إلى مواجهة مع دمشق، ولا ترى في انهيار الدولة السورية أو تفكك أراضيها مصلحة لها.

لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بواقع إقليمي جديد يهدد حدودها أو يفتح الباب أمام التهجير أو يضع مواردها المائية ومصالحها الاقتصادية أمام مخاطر إضافية.

كان خطاب نيويورك في أحد أبعاده تأكيداً على أن عمان تقرأ ما يجري حولها من منظور استباقي، وأن أمنها لا يبدأ من حدودها الجغرافية، وإنما من طبيعة التحولات التي تتشكل في محيطها.

أما الشراكة الاستراتيجية مع دمشق، فهي اليوم أمام اختبار يتطلب ترجمة التفاهمات السياسية إلى تنسيق أمني حقيقي، يحفظ سيادة سوريا ويمنع تحول أراضيها إلى مصدر تهديد للأردن.

في المحصلة قد تكون المعركة في الجنوب السوري، لكن تداعيات الجغرافيا لن تتوقف عند الحدود السورية، وما يجري في السويداء ودرعا قد يرسم ملامح بيئة إقليمية جديدة سيكون الأردن أحد أكثر الأطراف تأثرا بها.

لم يعد الجنوب السوري مجرد امتداد جغرافي ملاصق للأردن وإنما بات جزءاً من معادلة أمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية.

فالمرحلة المقبلة لا تقتصر تحدياتها على حماية الحدود واحتواء التهديدات الأمنية، وإنما تمتد إلى إدارة العلاقة مع دمشق، والتعامل مع الحسابات الإسرائيلية، والحفاظ على الثوابت الأردنية دون التفريط بها أو الانجرار إلى مواجهة لا يسعى إليها الأردن.

فالجغرافيا التي يعاد تشكيلها في الجنوب السوري لن تبقى تداعياتها داخل الحدود السورية، ومن يعبث بمستقبل هذه المنطقة لا يستطيع تحييد الأردن عن نتائج ما يجري فيها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم