الدكتورة دانييلا القرعان تكتب: ماذا سيقول جلالة الملك في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية العادية عن العلاقات الأردنية السورية؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 18650
الدكتورة دانييلا القرعان تكتب: ماذا سيقول جلالة الملك في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية العادية عن العلاقات الأردنية السورية؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

قراءة استشرافية في ضوء التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة على الحدود الشمالية

مع اقتراب افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة في الثاني من تشرين الثاني 2026، يبرز الملف السوري بوصفه أحد الملفات الإقليمية التي قد تحظى باهتمام خاص في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني، ولا سيما بعد التطورات الأمنية الأخيرة في جنوب سوريا، وما رافقها من تباينات في المواقف بين عمّان ودمشق.

فالعلاقة الأردنية السورية ليست علاقة جوار جغرافي فحسب، بل علاقة تاريخية واجتماعية واقتصادية وأمنية تتداخل بها مصالح البلدين بصورة تجعل استقرار أحدهما عاملاً مؤثراً في استقرار الآخر.

وأعتقد أن جلالة الملك، سيتطرق إلى هذا الملف ويتناول العلاقة من زاوية المصالح الأردنية العليا، مع الحرص على عدم تحويل الخلافات الطارئة إلى أزمة سياسية بين البلدين، وأتوقع أن يؤكد جلالته أن حماية الحدود الأردنية مسؤولية سيادية لا تقبل التهاون، وأن الأردن لن يسمح بتحول المناطق الجنوبية السورية، خصوصاً درعا ومحيطها، إلى مصدر تهديد لأمنه واستقراره، لأن ملفات تهريب المخدرات والأسلحة، ونشاط الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، ليست مجرد مشكلات سورية داخلية، بل تحديات تمس الأمن الوطني الأردني بصورة مباشرة، وقد تكون الرسالة واضحة بأن الأردن يريد حدوداً آمنة، وأن ذلك يتطلب تعاوناً سورياً جاداً وإجراءات ميدانية ملموسة.

ولا يمكن تجاهل ما شهدته الأيام الأخيرة من تباين في المواقف بشأن الضربات الجوية الأردنية في جنوب سوريا، وما تبعها من تصريحات سورية تتعلق بالسيادة وسقوط ضحايا، وأرجح هنا أن جلالته لن يدخل في تفاصيل العمليات العسكرية أو السجالات الإعلامية، لكن سيؤكد أن الأردن لا يستهدف سوريا ولا يسعى إلى التدخل في شؤونها، وإنما يتخذ ما يراه ضرورياً لحماية أمنه من التهديدات التي تنطلق من الأراضي المجاورة. وفي الوقت نفسه، سيشدد على أهمية الحوار والتنسيق الأمني والسياسي باعتبارهما الطريق الأفضل لمعالجة الخلافات ومنع تكرارها.

وأعتقد أن هناك رسالة أخرى قد تكون حاضرة، تتعلق بما ينتظره الأردن من الإدارة السورية الجديدة، فالأردن كان من الدول التي دعمت استقرار سوريا ووحدة أراضيها، وأبدى استعداداً للتعاون معها في مختلف المجالات، لكن هذا التعاون يحتاج إلى شراكة عملية لا تقتصر على التفاهمات السياسية، وقد تكون الرسالة الملكية أن استقرار سوريا لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء مؤسسات الدولة، وبسط سيادتها على أراضيها، وضبط الحدود، ومواجهة التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب.

وعلى الرغم من التحديات الأمنية، فإن الأردن لا ينظر إلى سوريا من بوابة التهديدات وحدها، فهناك مصالح مشتركة في النقل والتجارة والطاقة والمياه، وإعادة تنشيط المعابر الحدودية، وفتح الأسواق أمام المنتجات الأردنية والسورية، وإعادة إحياء دور البلدين في حركة التجارة الإقليمية، وأتوقع أن يؤكد جلالة الملك أن الأردن يريد علاقات اقتصادية مستقرة مع سوريا، وأن أمن الحدود والتعاون الاقتصادي ليسا مسارين متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر.

وقد تحمل الرسالة الملكية تأكيداً أن الأردن يريد سوريا مستقرة وموحدة، قادرة على استعادة دورها العربي، بعيداً عن التدخلات الخارجية والصراعات التي أضعفت الدولة السورية وأثقلت كاهل شعبها، فالأردن لا مصلحة له في سوريا ضعيفة أو مضطربة، كما لا مصلحة له في توتر دائم على حدوده الشمالية.

في تقديري، قد يختصر جلالة الملك موقف الأردن من سوريا في معادلة سياسية واضحة: الأردن يريد أفضل العلاقات مع سوريا، لكن لا يستطيع أن يفصل هذه العلاقات عن أمنه الوطني، فالأخوة بين الشعبين تقتضي التعاون، وحسن الجوار يقتضي احترام السيادة، والشراكة الحقيقية تقتضي ألا تكون حدود أحد البلدين مصدر تهديد للآخر، ولا أستبعد أن يختار جلالته لغة دبلوماسية هادئة، تتجنب التصعيد مع دمشق، لكنها لا تتنازل عن الثوابت الأردنية المتعلقة بأمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب.

وفي النهاية، أعتقد أن السؤال الذي سيظل حاضراً في خلفية الخطاب هو: هل تنتقل العلاقات الأردنية السورية من مرحلة التفاهمات والوعود إلى مرحلة الثقة المتبادلة والتعاون الأمني الفعلي؟ هذا هو التحدي الحقيقي أمام البلدين، وهذا ما أتمنى أن يحمل خطاب العرش بشأنه إشارات واضحة.

ملاحظة: هذه مقالة استشرافية تسبق إذاعة الخطاب، سنعود إليها بعد الثاني من تشرين الثاني لمقارنة التوقعات بما سيقوله جلالته فعلياً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم