أوكرانيا تفتح جبهة جديدة .. تشكيك في شرعية روسيا الأممية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 23582
أوكرانيا تفتح جبهة جديدة ..  تشكيك في شرعية روسيا الأممية

سرايا - في تحرك يتجاوز حدود المواجهة العسكرية والدبلوماسية التقليدية مع موسكو، يبرز مسعى أوكراني يستهدف التشكيك في شرعية استمرار روسيا الاتحادية عضواً في الأمم المتحدة، وفي أحقيتها بشغل المقعد الذي ورثه الاتحاد السوفياتي السابق، بما في ذلك العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي.

ووفقاً لما كشفته مجلة «فورين بوليسي» في مقال نشره الصحفي لوك ماكغي، تعمل مجموعة من الخبراء الأوكرانيين، تضم دبلوماسياً سابقاً رفيع المستوى، على بلورة مسار قانوني وسياسي للطعن في الأساس الذي استندت إليه موسكو لتولي موقع الاتحاد السوفياتي داخل المنظمة الدولية.

وتستند المبادرة إلى سؤال قانوني يبدو، للوهلة الأولى، تقنياً وتاريخياً، لكنه يحمل تداعيات سياسية واسعة: هل انتقلت عضوية الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة إلى روسيا بصورة قانونية مكتملة، أم أن عملية الانتقال جرت من دون استيفاء الإجراءات التي يفرضها ميثاق المنظمة؟

الجذور القانونية للأزمة

تعود القضية إلى تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، حين تحولت جمهورياته الخمس عشرة إلى دول مستقلة، وبرزت مسألة تحديد الدولة التي ستتولى حقوق الاتحاد السابق والتزاماته الدولية.

وكان الاتحاد السوفياتي يتمتع بوضع استثنائي داخل الأمم المتحدة، إذ امتلك ثلاثة مقاعد، هي مقعد الاتحاد السوفياتي ومقعدا الجمهوريتين الأوكرانية والبيلاروسية، فضلاً عن كونه أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن.


وعقب انهيار الاتحاد، لم تتقدم روسيا بطلب عضوية جديد للأمم المتحدة، بل سلكت مساراً مختلفاً يقوم على اعتبار نفسها الدولة المستمرة للاتحاد السوفياتي.

ففي 24 ديسمبر/كانون الأول 1991، بعث الرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسين رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أعلن فيها استمرار عضوية الاتحاد السوفياتي في المنظمة، بما يشمل مقعده في مجلس الأمن، باسم الاتحاد الروسي.

ولم تواجه هذه الخطوة اعتراضاً رسمياً من الدول الأعضاء، الأمر الذي أتاح لموسكو الاحتفاظ بالمقعد السوفياتي دون المرور بإجراءات قبول دولة جديدة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

وهنا تحديداً تكمن نقطة الارتكاز في التحرك الأوكراني، فإذا كان الاتحاد السوفياتي قد تفكك إلى دول مستقلة، فإن روسيا، بحسب الحجة التي يتبناها الفريق الأوكراني، لم تكن مجرد دولة غيّرت اسمها، وإنما دولة نشأت في إطار التحولات التي أعقبت انهيار كيان اتحادي سابق، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الأساس القانوني الذي سمح لها بالاستحواذ المباشر على عضويته ومقعده الدائم.

وتشير المجلة إلى أن مؤسسة «فيليب أورليك» الأوكرانية تقف وراء جانب من هذا التحرك، وأن الفريق يضم شخصيات دبلوماسية، من بينها الممثل الأوكراني السابق لدى الأمم المتحدة فولوديمير يلتشينكو، الذي يرى أن استمرار عضوية روسيا لا يستند إلى أساس قانوني سليم.

لماذا عاد الملف إلى الواجهة الآن؟

لا ينفصل هذا التحرك عن الحرب الروسية الأوكرانية، لكنه ينقل المواجهة إلى ميدان مختلف، يتمثل في شرعية التمثيل داخل المؤسسات الدولية.

فروسيا لا تستمد نفوذها في مجلس الأمن من قوتها العسكرية والاقتصادية فحسب، بل من امتلاكها حق النقض «الفيتو»، الذي يتيح لها تعطيل القرارات التي لا تتوافق مع مصالحها، بما في ذلك القرارات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.


ومن هذا المنطلق، فإن التشكيك في شرعية المقعد الروسي يمثل محاولة لإعادة فتح ملف طالما اعتُبر محسوماً سياسياً، رغم أن ظروف انتقاله عام 1991 لم تخضع لمسار قبول عضوية جديد بالمعنى الإجرائي المعتاد.

وتتمثل أهمية المبادرة أيضاً في أنها تسعى إلى تحويل النقاش من إدانة السياسات الروسية أو المطالبة بمحاسبة موسكو على الحرب، إلى مساءلة الإجراءات التي منحتها موقعاً مؤثراً في بنية النظام الدولي منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وبذلك، لا تقتصر المسألة على أوكرانيا وروسيا، بل تمس طبيعة قواعد العضوية والخلافة الدولية.

عقبات تواجه المبادرة

على الرغم من جاذبية الطرح من الناحية القانونية والسياسية، فإن تحويله إلى إجراء عملي يواجه عقبات كبيرة.

أولى هذه العقبات أن روسيا لم تحصل على مقعدها بمعزل عن موافقة المجتمع الدولي، فغياب الاعتراض الرسمي على رسالة يلتسين، وقبول الدول الأعضاء باستمرار التمثيل الروسي، أسهما في تكريس واقع قانوني وسياسي استمر منذ عام 1991.

كما أن أوكرانيا نفسها كانت من بين الدول التي قبلت آنذاك اعتبار روسيا الدولة الخلف للاتحاد السوفياتي، وهو موقف ارتبط، وفقاً لما أورده تقرير «فورين بوليسي»، بترتيبات تحمل موسكو بموجبها الديون السيادية السوفياتية، بما أتاح للجمهوريات المستقلة حديثاً الانطلاق من دون تحمل تلك الأعباء المالية.

وهذا الجانب يضع كييف أمام معضلة قانونية وسياسية، فكيف يمكنها الطعن اليوم في ترتيب سبق أن قبلت به في سياق تسوية انهيار الاتحاد السوفياتي؟

أما العقبة الثانية فتتعلق بحسابات الدول الغربية نفسها، فبعض الدبلوماسيين والمسؤولين المطلعين على المبادرة، وفقاً للمجلة، أبدوا مخاوف من أن يؤدي طرح القضية أمام الحلفاء إلى استنزاف رصيد سياسي ودبلوماسي تحتاج إليه أوكرانيا في ملفات أخرى، خصوصاً في ظل تزايد إرهاق بعض المجتمعات الأوروبية من استمرار الحرب، وما قد تحمله الاستحقاقات الانتخابية من تحولات في المواقف السياسية تجاه موسكو وكييف.

ويضاف إلى ذلك أن أي محاولة لإعادة النظر في المقعد الروسي قد تفتح نقاشاً أوسع بشأن بنية مجلس الأمن وامتيازات أعضائه الدائمين، وهي مسألة شديدة الحساسية بالنسبة إلى القوى الكبرى التي تستفيد من النظام القائم.

هل يمكن فعلياً إخراج روسيا من الأمم المتحدة؟

تبدو الإجابة مرتبطة بالفارق بين إثارة الشكوك القانونية وإحداث تغيير مؤسسي فعلي.

فحتى لو نجحت أوكرانيا في إقناع عدد من الدول بأن انتقال المقعد السوفياتي إلى روسيا لم يستوفِ الإجراءات القانونية المطلوبة، فإن ترجمة ذلك إلى قرار ملزم ستصطدم بتعقيدات ميثاق الأمم المتحدة وتوازنات القوى داخل المنظمة.

وتبرز هنا مسألة مهمة وهي ان إخراج روسيا من المنظمة الدولية ليس هو نفسه سحب مقعدها الدائم في مجلس الأمن؛ فالمادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة تنظم طرد دولة من العضوية بشروط وإجراءات محددة، تتطلب توصية من مجلس الأمن وقراراً من الجمعية العامة.

أما تعديل تركيبة مجلس الأمن أو تغيير العضوية الدائمة فيرتبط بإجراءات تعديل الميثاق، التي تتطلب تصديق جميع الأعضاء الدائمين في المجلس.

وهذا يعني أن أي مسار يستهدف إنهاء الوجود الروسي في المنظمة أو حرمان موسكو من موقعها الدائم سيواجه عقبات إجرائية وسياسية مختلفة، وليس مجرد إثبات وجود ثغرة في إجراءات عام 1991.

في المقابل، لا تخلو الحجة الأوكرانية من أساس تاريخي يستحق النقاش؛ فقد سبق أن أثار قانونيون ودبلوماسيون مسألة اختلاف التعامل الدولي مع تفكك الاتحاد السوفياتي عن التعامل مع تفكك يوغوسلافيا السابقة، ففي الحالة الأخيرة، لم يُسمح لجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، التي ضمت صربيا والجبل الأسود، بالاستمرار تلقائياً في عضوية الدولة السابقة، بل طُلب منها تقديم طلب عضوية جديد.

غير أن المقارنة ليست متطابقة، إذ اختلفت ظروف التفكك السياسي وطبيعته، كما حظي انتقال المقعد السوفياتي إلى روسيا بقبول دولي واسع، وهو ما يمنح موسكو حجة قوية للدفاع عن الوضع القائم.

ما الذي تريده كييف من وراء هذه الخطوة؟

لا ينبغي قياس المبادرة الأوكرانية فقط بمدى قدرتها على انتزاع المقعد الروسي، وإنما أيضاً بما يمكن أن تحققه من نتائج سياسية ودبلوماسية حتى في حال تعثرها.

فمجرد إعادة طرح القضية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من شأنه أن يضع الدول الأعضاء أمام نقاش بشأن سلامة الإجراءات التي اعتمدت عام 1991، ومدى اتساق استمرار الامتيازات الروسية مع قواعد المنظمة الدولية.

وتسعى المبادرة، وفقاً لما تنقله «فورين بوليسي»، إلى إحراج الدول التي قد تتجنب مناقشة القضية بدعوى استحالة تغيير الوضع القائم، من خلال تقديمها باعتبارها مسألة إجرائية وقانونية، وليست بالضرورة مواجهة مباشرة مع روسيا بشأن الحرب.

ويعكس هذا التوجه محاولة أوكرانية لتوسيع أدوات الضغط على موسكو، وعدم حصر المواجهة في الدعم العسكري والعقوبات الاقتصادية والمفاوضات السياسية، بل الانتقال إلى ساحة الشرعية الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف.

كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن مدى ملاءمة النظام الدولي الحالي للتعامل مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة.

ويرى خبراء أن القيمة الأساسية لهذه المبادرة لا تتوقف على النتيجة النهائية التي قد تصل إليها، بل في قدرتها على إعادة طرح سؤال جوهري: هل ينبغي أن تظل ترتيبات دولية نشأت في ظروف سياسية استثنائية بمنأى عن المراجعة، حتى عندما تصبح محل نزاع قانوني وسياسي؟

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم