سلطان المعاني يكتب: الوعي الموزع

منذ 5 ساعات
المشاهدات : 18706
سلطان المعاني يكتب: الوعي الموزع
أ.د. سلطان المعاني

أ.د. سلطان المعاني

يعيش الإنسان اليوم تحولًا عميقًا في علاقته بعقله وذاكرته والعالم المحيط به، حتى أصبح السؤال عن موضع الوعي أكثر تعقيدًا مما كان عليه في الماضي. فقد اعتدنا أن ننظر إلى العقل باعتباره مركز التفكير والتذكر واتخاذ القرار، وأن ننسب إليه ما ينتجه الإنسان من معرفة وتصورات وأحكام. غير أن تاريخ التجربة الإنسانية يكشف عن امتداد متواصل للقدرات المعرفية خارج الجسد، بدأ بالأدوات والعلامات واللغة، واتسع بالكتابة والمؤسسات، ثم بلغ مع الثورة الرقمية مستوى أصبحت فيه الآلات تشارك الإنسان في تنظيم معرفته وتوجيه انتباهه وترجيح اختياراته.
بدأت الحكاية يوم وضع الإنسان علامة على صخرة ليهتدي بها إلى طريق، أو رسم حيوانًا على جدار كهف، أو ابتكر رمزًا يحتفظ من خلاله بخبرة أراد نقلها إلى الآخرين. كان يودع شيئًا من ذاكرته في العالم المحيط به، ويمنح الأشياء قدرة على حمل المعنى بعد غيابه. وحين ظهرت الكتابة اتسعت هذه القدرة، وأصبحت المعرفة قابلة للانتقال بين الأجيال والأمكنة، واستطاعت المجتمعات الاحتفاظ بما يتجاوز قدرة الأفراد على التذكر. وهكذا أخذ العقل الإنساني يمد حضوره في الأشياء التي يصنعها، ويستعيد منها ما يحتاج إليه في فهم العالم وتنظيم حياته.
وتطور هذا الامتداد مع نشوء المدن والمؤسسات والتعليم، فأصبحت المعرفة موزعة بين الأشخاص والوثائق والمكتبات والخبرات المتراكمة. وكان الفرد يستعين بما أنتجه الآخرون ليكمل ما يعرفه، ويعتمد على أنظمة اجتماعية وثقافية توفر له المعلومات وتساعده في اتخاذ القرارات. وقد أصبح العقل، من هذه الزاوية، جزءًا من شبكة واسعة تتفاعل فيها الخبرة الفردية مع الذاكرة الجماعية والأدوات التي صنعها الإنسان عبر تاريخه الطويل.
وتمنح التقنيات الحديثة هذا الامتداد أبعادًا أكثر تعقيدًا. فالهاتف الذي نحمله يحتفظ بأسماء الأشخاص وأرقامهم ومواعيدنا وصورنا ورسائلنا ومسارات تنقلنا. ومحركات البحث تستعيد معلومات غابت عن الذاكرة، والمنصات الرقمية تقترح ما نقرأه ونشاهده ونتابعه، بينما تشارك أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات وصياغة الأفكار وإنتاج النصوص. وأصبح الإنسان يعتمد في كثير من أعماله اليومية على منظومات رقمية تتداخل مع تفكيره وذاكرته واختياراته.
ويظهر التحول الأكثر إثارة حين تنتقل التقنية من حفظ المعرفة واسترجاعها إلى التأثير في ترتيب اهتمامات الإنسان وتشكيل تصوراته. فالخوارزمية التي تختار الأخبار والصور والمقاطع المعروضة أمامه تشارك في تحديد المجال الذي يرى العالم من خلاله. وقد يعتقد الفرد أن اهتماماته تنبع كاملة من ميوله الخاصة، بينما تكشف عاداته الرقمية عن تأثير متبادل بين رغباته السابقة والمحتوى الذي يتكرر عرضه عليه. وهكذا يغدو الانتباه نفسه مجالًا للتفاعل بين الإنسان والمنظومات التي تتعلم من سلوكه وتعيد توجيهه.
ويكشف هذا الواقع عن صورة جديدة يمكن تسميتها «الوعي الموزع»، حيث تتوزع بعض وظائف التفكير والذاكرة والانتباه بين الإنسان والأدوات التي يستعين بها. وتبقى التجربة الذاتية للوعي مرتبطة بأسئلة أعمق تتعلق بالشعور والإدراك والإحساس بالذات. أما التحول الذي نعيشه فيظهر بوضوح في اعتماد الإنسان المتزايد على وسائط خارجية تشارك في إنتاج معرفته وتنظيم نشاطه العقلي. وتكمن أهمية هذا المفهوم في إدراك أن الأدوات التي صنعناها لتوسيع قدراتنا أصبحت تشارك في تشكيل عاداتنا وطريقتنا في النظر إلى الأشياء.
ويستدعي هذا التحول مراجعة مفهوم الحرية. فقد أصبح الإنسان يمتلك إمكانات هائلة للوصول إلى المعلومات، لكنه يواجه تدفقًا متواصلًا من المثيرات والاقتراحات التي تستحوذ على وقته وانتباهه. وقد يتحول اتساع المعرفة المتاحة إلى عبء حين تتراجع قدرته على التأمل والتركيز والاختيار. وتكتسب الحرية هنا معنى يتجاوز امتلاك الوسيلة التقنية إلى القدرة على التحكم في حضورها، وتحديد ما يستحق الانتباه، وحماية المساحة الداخلية التي يستطيع الإنسان فيها مراجعة أفكاره بعيدًا عن الإلحاح المستمر للشاشات.
وتتسع المسألة لتشمل العلاقات الإنسانية. فقد أصبح حضور الآخرين في حياتنا مرتبطًا بما تعرضه الوسائط الرقمية من أخبارهم وصورهم ومواقفهم. وقد نعرف عن شخص بعيد تفاصيل يومه، بينما تغيب عنا مشاعر إنسان يجلس إلى جوارنا. وتعيد هذه المفارقة تشكيل معنى القرب والبعد، وتطرح سؤالًا عن طبيعة العلاقات التي نبنيها حين تتوسطها أنظمة تختار ما يصل إلينا من حياة الآخرين. وربما كانت إحدى نتائج الوعي الموزع أن الإنسان أصبح أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر حاجة إلى استعادة حضوره المباشر في تفاصيل حياته.
وتظهر أبعاد أخرى لهذا التحول في التعليم والثقافة والعمل. فقد أصبحت المعرفة متاحة بقدر غير مسبوق، وأصبح الوصول إليها أسرع من القدرة على استيعابها أحيانًا. وقد يمتلك الفرد وسائل متقدمة للبحث والتحليل والكتابة، لكنه يظل محتاجًا إلى القدرة على التمييز والنقد وبناء الأحكام المستقلة. فامتلاك المعلومة يختلف عن فهمها، وسرعة الوصول إلى الإجابة تختلف عن القدرة على صياغة السؤال. وتظل قيمة المعرفة مرتبطة بما تحدثه في طريقة تفكير الإنسان، وفي قدرته على فهم ذاته والآخرين.
ويعيدنا الوعي الموزع إلى قضية أعمق في تاريخ الإنسان، تتعلق بالعلاقة بين القوة والمسؤولية. فقد وسعت الأدوات قدراته الجسدية والمعرفية، وكانت كل أداة جديدة تعيد تنظيم جانب من حياته. أما الأدوات الراهنة فقد بلغت من التعقيد ما يجعلها تؤثر في تفكيره واختياراته أثناء استعمالها. وأصبح من الضروري أن يدرك الإنسان طبيعة هذا التأثير، وأن يراجع علاقته بالوسائط التي تحيط به، وأن يحتفظ بقدرته على الاختيار الواعي داخل عالم تزداد فيه إمكانات التوجيه والتأثير.
ويظل السؤال الأهم متعلقًا بمستقبل الإنسان في هذا العالم المتشابك. فقد أصبح قادرًا على تخزين ذاكرة هائلة خارج دماغه، واستدعاء معرفة تتجاوز خبرته الفردية، والاستعانة بأنظمة تشاركه في أداء أعمال فكرية معقدة. وتبقى القيمة الأعمق لهذا التطور مرتبطة بقدرته على تحويل تلك الإمكانات إلى وعي أكثر نضجًا ومسؤولية.
ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن الإنسان كلما وسع عقله خارج جسده، ازدادت حاجته إلى العودة إلى نفسه، وأن يستعيد قدرته على الصمت والتفكير والتأمل بعيدًا عن ضجيج العالم. فقد تمنحه التقنية ذاكرة أوسع ومعرفة أسرع، وتظل حكمة استعمالهما مرتبطة بوعيه بما يريد أن يعرفه، وبما يختار أن يحتفظ به من حريته الداخلية. وهنا يبرز السؤال الذي سيلازم الإنسان في مستقبله القريب: إلى أي مدى نستطيع أن نبقى أصحاب أفكارنا واختياراتنا، ونحن نعيش في عالم يشاركنا التفكير ويقترح علينا كيف نرى أنفسنا والآخرين؟

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم