فيصل تايه يكتب: بيان "المركز الوطني للمناهج" .. دفاعٌ مشهود وأثر مفقود

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 5614
فيصل تايه يكتب: بيان "المركز الوطني للمناهج" ..  دفاعٌ مشهود وأثر مفقود
فيصل تايه

فيصل تايه

الدفاع عن المناهج الوطنية، كما جاء في بيان المركز الوطني لتطوير المناهج في أعقاب الجريمة الإرهابية الأخيرة، موقف مشروع تقتضيه الموضوعية والإنصاف؛ فلا يجوز إدانة المناهج بأحكام متسرعة، أو تحميلها مسؤولية مواجهة الانحراف والتطرف استناداً إلى صور مجتزأة أو اقتباسات مبتورة، بعيداً عن سياقها العلمي والتربوي. فالحكم العادل يبدأ بقراءة المحتوى كاملاً، وفهم أهدافه، والاحتكام إلى الأدلة لا الانطباعات.

لكن الدفاع عن المناهج، مهما كانت مشروعيته، لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته. فالسؤال الأهم ليس فقط: ماذا تقول الكتب؟ بل: ماذا تترك في عقول الطلبة ووجدانهم وسلوكهم؟ فبين القيمة التي تُكتب في المنهج، والقيمة التي تتحول إلى قناعة وممارسة، مسافة لا يختصرها النص وحده، وإنما تردمها التربية الحقيقية.

قد يتضمن الكتاب قيم التسامح واحترام الاختلاف والتفكير الناقد والمواطنة المسؤولة، لكن أثر هذه القيم يظل مرهوناً بكيفية تقديمها داخل الصف. فالطالب لا يتعلم الحوار بمجرد أن يقرأ عنه، بل حين يُتاح له أن يمارسه، ولا يكتسب التفكير الناقد بحفظ تعريفه، بل حين يتعلم فحص الأفكار والأدلة، والتمييز بين الاختلاف المشروع وخطاب التحريض، وبين الانتماء الواعي والتعصب. فالقيم لا تُرسّخ بالتلقين وحده؛ بل بالتجربة والممارسة والقدوة.

وهنا تتقدم مسؤولية المعلم، لا باعتباره ناقلاً للمعلومات فحسب، بل شريكاً في تشكيل الوعي، وتتقدم معها مسؤولية المؤسسة التعليمية في إعداد المعلمين، وتطوير الممارسات الصفية، وتفعيل الإشراف التربوي بوصفه أداة للتطوير والمساندة، لا مجرد متابعة إدارية. والمطلوب ألا نكتفي بالسؤال عمّا أُنجز من المقررات، بل أن نسأل عمّا تحقق من تعلم، وما إذا كانت القيم التي يتضمنها المنهج قد وجدت طريقها إلى تفكير الطالب ومواقفه وسلوكه.

وهذا يستدعي مراجعة تربوية مستمرة تستند إلى الأدلة، وتطوّر أدوات التقييم والتدريب والمتابعة الميدانية. فمراجعة الأداء ليست انتقاصاً من المنجز، كما أن الدفاع عنه لا يقتضي تحصينه من النقد. بل إن قوة المؤسسات التعليمية تظهر في قدرتها على حماية ما تحقق، والاعتراف بما يحتاج إلى تطوير، وتحويل الملاحظات إلى خطوات عملية قابلة للقياس.

ومع ذلك، فإن بناء الوعي وترسيخ الاعتدال والتسامح والمواطنة الصالحة لا يمكن أن يُختزل في المدرسة أو وزارة التربية والتعليم؛ فهو مسؤولية وطنية تتكامل فيها أدوار مؤسسات الدولة والمجتمع، من المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية ودائرة الإفتاء العام ودائرة قاضي القضاة، إلى الجامعات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والإعلامية، فضلًا عن الأسرة ورجال الفكر والدين. فحين تتكامل الرسائل التربوية والدينية والاجتماعية والثقافية، تتعزز فرص بناء وعي يحترم الإنسان، ويقاوم الكراهية، ويواجه التطرف بالفهم والحجة والمسؤولية.

ولا يعني هذا تحميل مؤسسة بعينها مسؤولية جريمة ارتكبها فرد، أو القفز من فعل إجرامي إلى إدانة منظومة كاملة بلا دليل. بل يعني التمييز بين المسؤولية عن الجريمة، وهي مسؤولية مرتكبها، والمسؤولية الوطنية الأوسع عن بناء بيئة فكرية وتربوية تحصّن المجتمع من الأفكار التي تبرر العنف وتسوّغ الكراهية.

ومن هنا، لا ينبغي أن تتحول المناهج إلى متهم جاهز عقب كل حادثة، كما لا ينبغي أن يصبح الدفاع عنها حاجزاً يحول دون تقييم أثرها. فالموضوعية ليست في الانحياز إلى الاتهام أو الدفاع، بل في الاحتكام إلى الدليل، والانتقال من الجدل حول النصوص إلى العمل على النتائج.

إن قيمة أي منهج لا تُقاس بما تحمله صفحاته وحدها، بل بما يسهم في بنائه من وعي، وما يعززه من قيم، وما ينعكس منه على سلوك المتعلم. وهذا هو التحدي الذي يستحق أن تتضافر من أجله المؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية والثقافية ، بعيداً عن ردود الفعل المؤقتة، وبمنهج يربط التخطيط بالتطبيق، والقيم بالأثر، والمسؤولية بالمحاسبة والتطوير.

بقي ان أقول ان الدفاع عن المناهج دفاعٌ مشروع، أما بناء الجسر الذي ينقل قيمها إلى عقول الطلبة ووجدانهم وسلوكهم، فهو الاستحقاق الذي لا يجوز أن يبقى معلّقاً.
والله الموفق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم