اسمعوا حكاية طبيب الفقراء .. قصة الدكتور محمد القسوس الذي خرج لإنقاذ مريض الساعة 3 فجراً، ورحل في حادثة غادرة أبكت الاردن

منذ 48 دقيقة
المشاهدات : 37059
اسمعوا حكاية طبيب الفقراء ..  قصة الدكتور محمد القسوس الذي خرج لإنقاذ مريض الساعة 3 فجراً، ورحل في حادثة غادرة أبكت الاردن

سرايا - في الزرقاء، وقبل سنوات طويلة، وتحديداً عند الساعة الثالثة فجراً، كان شاب أردني يُدعى عامر الحباشنة يتلوّى من ألم في أحد أضراسه، حتى لم يعد قادراً على النوم، فهاتف صديقه الطبيب مستنجداً: «دكتور، ترى أنا متألم!».


جاءه الرد سريعاً: «عامر، هيني جايك!».

لم يتردد الطبيب، ولم يطلب منه الانتظار حتى الصباح، بل توجه إلى منزله، واتصل به قائلاً: «هيني عندك على الباب، انزل آخذك بسيارتي».

أخذه إلى العيادة، لكن المفارقة أن الطبيب، من شدة استعجاله لإنقاذ صديقه من الألم، نسي مفتاح العيادة! فما كان منه إلا أن اتصل بزوجته أم يوسف طالباً منها إحضاره، فجاءت بالمفتاح، ومضت الحكاية التي تختصر الكثير من شخصية رجل لم يكن الألم بالنسبة إليه مجرد حالة طبية، بل وجع إنسان يستحق أن يجد من يقف إلى جانبه.

ذلك الطبيب هو الدكتور محمد يوسف القسوس، أحد أقدم وأبرز أطباء الأسنان في مدينة الزرقاء، الذي عرفه أهلها بلقب لم يأتِ من فراغ: «طبيب الفقراء».

لم يكن اللقب مجرد وصف يتناقله الناس، بل حكاية عمر طويل من الرحمة والعطاء، ومن مواقف تركت أثرها في نفوس المرضى وأسرهم.

كان الدكتور محمد يعالج من لا يملك أجرة العلاج، ويسامح المحتاج بحسابه، ويمنح الدواء لمن يعجز عن شرائه من جيبه الخاص. وإذا لم يتوافر الدواء لديه، لم يكن يتردد في الذهاب إلى الصيدلية وإحضاره بنفسه.

وتروي الصيدلانية بشرى الصرارية جانباً من تلك الحكاية، قائلة إنه كان يتصل بها ويقول: «دكتورة بشرى، الجماعة هذول حسابهم عندي».

لم يكن ذلك موقفاً عابراً أو استثناءً في مسيرته، بل سلوكاً تكرر على امتداد سنوات تعاملها معه.

هكذا فهم الدكتور محمد مهنته؛ رسالة إنسانية قبل أن تكون مصدراً للرزق، وواجباً تجاه الناس قبل أن تكون حسابات مالية. عاش عمره وهو يخفف آلام مرضاه، ولم يجعل ضيق الحال حاجزاً بين المحتاج والعلاج.

ولم تكن تلك الرحمة محصورة في عيادته، بل كانت حاضرة في بيته أيضاً، وفي علاقته بزوجته وأبنائه.

تتحدث عنه زوجته أم يوسف بكلمات تختصر سنوات من المحبة والعشرة، فتقول: «محمد رفيقي، حبيبي، أنا عشت معاه، حياتي معاه، ودللني!».

لكن الحياة التي جمعتهما بكل تفاصيلها وذكرياتها، كان على موعد معها يوم الجمعة الماضي مشهد لم يكن في الحسبان؛ مشهد تحوّل فيه يوم عائلي عادي إلى فاجعة ستظل حاضرة في الذاكرة.

كان الدكتور محمد وزوجته في طريقهما إلى محافظة الكرك لأداء واجب العزاء. وخلال الطريق، وحين لاحظ الوقت، قال لها بهدوء: «خلينا نطلع شوي شوي، قزدرة، معنا وقت!».

واصلا رحلتهما معاً، يتبادلان الحديث والقصص، وتوقفا عند منطقة القطرانة لاحتساء القهوة، قبل أن يكملا الطريق إلى وجهتهما.

وصل الزوجان، وأوقف الدكتور محمد سيارته، ثم نزلا وسارا معاً. توجه الطبيب للسلام على الرجال، فيما دخلت زوجته وجلست تنتظره، معتادةً أن يدخل بعدها ويجلس إلى جانبها كما كان يفعل دائماً.

تقول أم يوسف إنها ظلت تنظر حولها وتنتظر دخوله، ولم يخطر ببالها أن تلك اللحظات ستكون الأخيرة التي تراه فيها قبل أن تنقلب حياتهما رأساً على عقب.

فجأة، دوّى صوت ارتطام قوي. ظنت في البداية أن باباً قد سقط، ولم تتوقع أن يكون ما حدث أكبر من ذلك بكثير. لكن سرعان ما سمعت أصوات إطلاق النار، وشاهدت الزجاج يتناثر، لتدرك أن الصوت الذي سمعته كان صوت رشاش.

في لحظات، اختلطت الأصوات، وسادت الفوضى، ولم تعد تعرف أين تقف أو ماذا يحدث حولها.

أما الدكتور عمر، شقيق الدكتور محمد، فقد شاهد أحد الرجال يسقط أرضاً، قبل أن تعم حالة من الهلع، ويسارع الموجودون إلى الاحتماء والنزول إلى الأرض.

كان الدكتور محمد إلى جانب شقيقيه عمر وخالد، وسط تلك اللحظات القاسية التي لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي بهذه الفاجعة.

وبعد توقف إطلاق النار، خرجت أم يوسف تبحث بعينيها عن زوجها، فشاهدت عمر يناديها: «تمارة، تمارة، هي محمد!».

أسرعت نحوه، وقلبها يسبق خطواتها، وسألته: «محمد، إيش؟».

حاول أن يطمئنها قائلاً: «لا، لا، لا، ولا إشي، بس إجري!».

لكن المشهد الذي رأته كان مختلفاً عن الكلمات التي سمعتها. كانت أمام واقع موجع، ودماء زوجها على يديها، في لحظات لم تكن مستعدة لها، ولم تتخيل يوماً أن تعيشها.

وتقول بحرقة: «دمه ظل على إيدي!».

نُقل الدكتور محمد بواسطة سيارة الإسعاف، ورافقتْه زوجته، متشبثة بالأمل بأن يعود إليها كما عرفته دائماً؛ الرجل الذي شاركها العمر والبيت والتفاصيل الصغيرة.

وفي المستشفى، عاش أبناؤه ساعات عصيبة وهم ينتظرون أي خبر يطمئنهم على والدهم. وعندما وصل أحد أبنائه ودخل إلى غرفة العناية الحثيثة، كان المشهد الذي واجهه قاسياً إلى درجة أنه يقول إنه لن ينساه طوال حياته؛ فقد شاهد والده غائباً عن الوعي.

وفي اليوم التالي، قرابة الساعة الثالثة والنصف، بدأ ضغط الدكتور محمد يرتفع إلى مستوى أفضل، فتنفس أفراد العائلة الصعداء قليلاً، وتسلل إليهم الأمل بأن تتحسن حالته ويتجاوز تلك المحنة.

خرج ابنه باتجاه الكافتيريا لإحضار بعض الطعام للحاضرين الذين أمضوا ساعات طويلة في المستشفى، لكنه لم يكد يصل حتى تلقى اتصالاً من أفراد أسرته يطلبون منه العودة فوراً.

عاد مسرعاً، ليجد أن والده قد فارق الحياة.

انطفأ الأمل، وانتهى الانتظار، وبدأت رحلة أخرى من الألم؛ رحلة العيش بعد فقدان أب لم يكن مجرد فرد في العائلة، بل كان سندها وملاذها وركناً أساسياً في حياتها.

ومنذ رحيله، تحاول أم يوسف أن تستوعب غياب رفيق عمرها، فتقول بعبارة تختلط فيها المرارة بالمحبة: «تركني وراح وخلص، الله يسامحه!».

أما ابنه، فيصف حجم التغيير الذي أصاب حياتهم بعد الفقد، قائلاً إن الدنيا تبدلت، وإنهم وصلوا إلى مرحلة ستتغير معها حياتهم كلها، وعليهم أن يتعلموا كيف يعيشون بعد خسارة سندهم.

لم يكن رحيل الدكتور محمد يوسف القسوس خسارة لعائلته وحدها، بل فقداناً لرجل ارتبط اسمه في ذاكرة كثيرين بالرحمة والإنسانية، ولطبيب لم يكن يقيس قيمة الإنسان بما يملكه، بل بما يحتاج إليه من مساعدة.

فثمة مرضى لن ينسوا يوماً أنه سامحهم بحساب العلاج، ومحتاجون سيبقون ممتنين لدواء دفع ثمنه من جيبه، وأشخاص سيذكرون أنه لم يتأخر عنهم حين اشتد بهم الوجع.

ومن بينهم صديقه عامر الحباشنة، الذي لم يتركه يتألم وحيداً عند الثالثة فجراً، بل خرج من منزله، وقاده بسيارته إلى العيادة، لأن صديقه كان بحاجة إليه.

يا لها من مفارقة موجعة؛ رجل قضى عمره يخفف آلام الناس، ويسهر إلى جانب مرضاه، ويمنح المحتاجين من وقته وماله، يرحل تاركاً خلفه ألماً كبيراً في قلوب كل من عرفوه وأحبوه.

رحل طبيب الفقراء في حادثة غادرة وآثمة، تاركاً زوجة فقدت رفيق عمرها، وأبناء فقدوا سندهم، وأهلاً وأصدقاء ومرضى سيظل اسمه حاضراً في ذاكرتهم، لا بسبب مهنته وحدها، بل بسبب إنسانيته التي سبقت كل شيء.

رحل الجسد، لكن الحكايات التي تركها وراءه ستبقى شاهدة على رجل جعل من الطب رسالة، ومن الرحمة نهجاً، ومن مساعدة الناس قيمة لا تُقدّر بثمن.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم