د.محمد صبحي العايدي يكتب: الاعتراف بوجود التطرف شرط لتفكيكه

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9469
د.محمد صبحي العايدي يكتب: الاعتراف بوجود التطرف شرط لتفكيكه
د.محمد صبحي العايدي

د.محمد صبحي العايدي

في الآونة الآخيرة وبعد حادثة الكرك المشؤومة سمعت بعض المحللين في مداخلات إعلامية ينكرون وجود فكر متطرف بيننا، مدعين أن التطرف محصور بداعش فقط، كما أنه خلط بين التطرف الذي هو فهم بشري، وبين الإسلام الذي هو وحي إلهي، فحينما نقول إن بين المسلمين من يحمل فكرًا متطرفًا، فإننا نحمّل أصحاب هذا الفكر مسؤولية فهمهم، ولا نحمّل الإسلام مسؤولية انحرافهم، أما تنزيه المسلمين جميعًا عن التطرف، بدعوى تنزيه الإسلام، فهذا خلط بين كمال المرجعية وقصور المنتسبين إليها، ومنح التأويل البشري حصانة لا يستحقها.


لهذا، هناك سؤال أسبق من سؤال الجريمة وهو: كيف تشكلت الأفكار التي جعلت هذا الإنسان يرى إقصاء الآخرين وتكفيرهم عبادة، والاعتداء عليهم نصرةً لله؟ فالجريمة ينفذها شخص محدد، لكن تبريرها قد ينمو في خطاب يتداوله كثيرون، بعضهم لا يدرك النتائج التي تنتهي إليها مقدماته.


إن اختزال التطرف في داعش يحجب جانباً أساسياً من المشكلة، فداعش أحد أوجه التطرف الوحشي، لكنها ليست كل التطرف؛ بل هي تجسيد مسلح لمنظومة تكفيرية، وقد يوجد شخص خارج تنظيمها يرفض عنفها، لكنه يلتقي معها في مقدمات تكفر بها المجتمعات والدول والأفراد، وإن كنا لا نساوي بين الرافض للسلاح، والمستبيح للدماء في الجريمة والمسؤولية، لكنه يوجب نقد الأفكار المشتركة حيث تثبت؛ فرفض حمل السلاح، لا يكفي لتصحيح الفكرة التي تتيح تسويغها.
وموضع الخلل ليس مجرد الحديث عن الحاكمية أو الولاء والبراء، بل في توظيف هذه المفاهيم في الأحكام التي تبنى عليها، فعندما تدعي جماعة بعينها أو فرد أن فهمه هو حكم الله، ثم يجعل مخالفة فهمه خروجًا عن حكم الله، هنا يتحول صاحبه إلى موزع لصكوك الإيمان والكفر، وينتقل من تخطئة الفعل إلى تكفير صاحبه، ومن التكفير إلى إسقاط حقوقه وإباحة الاعتداء عليه.
والفقه المنضبط يميّز بين المعصية والكفر، وبين الحكم على القول والحكم على الشخص المعيّن، وبين النص وفهمه وتنزيله، وشروط الأحكام وموانعها، والمآلات واختلاف الوقائع، أما العقل المتطرف فيختصر هذه المسافات في قفزة واحدة: من خالف تصوري للشريعة فقد خالف الله، وخرج من الجماعة المستحقة للولاء.
ويمكن تمييز ثلاثة مستويات للمشكلة: تطرف يجمع بين الفكر التكفيري وحمل السلاح؛ وتطرف يحتفظ بمقدمات تكفيرية مع رفض العمل المسلح؛ وفكر انتقائي يطبق التشدد على عامة الناس، ثم يعطل مقدماته عند التعامل مع مصلحته، أو خوفاً من السلطة، وهذا الأخير يحتاج إلى سؤاله عن انسجامه مع نفسه، فقد يكون لديه مراجعة ناقصة، أو اضطراباً معرفياً.
والمتأثرون بهذه الأفكار ليسوا بمنزلة واحدة؛ فمنهم من يتبنى منظومة متكاملة، ومنهم من يحمل أفكارأ تلقاها من داعية أو مقطع أو درس، دون إدراك نتائجها، وليس من العدالة مساواة الجميع، كما أن من الخطأ ترك الأفكار المبعثرة حتى تتجمع في عقل مغلق، والتفكيك يحتاج إلى تعليم وحوار يختلفان باختلاف عمق الاقتناع، كما يحتاج إلى تشخيص يميز بين منظري هذه التيارات ومن يرددها بلا وعي أو فهم لمآلاتها.
فقد سمعت البعض يقول ها هو الكيان الصهيوني يوظف الدين في مشروعه السياسي، فلم لا نفعل مثلهم، ولكن لا يصح اتخاذ هذا الفعل ذريعة لاستنساخ منطقه عندنا، لأننا نواجه الاحتلال بسبب اغتصاب الأرض والعدوان والتهجير، وهو لا يملك سردية مقعنة لوجوده كمحتل، فيستخدم الدين كأداة لشرعنة مشروعه، ولذا لا نجعل الهوية الدينية أياً كانت سببًا لعداوته أو استباحته، فالقرآن يربط الإذن بالقتال بوقوع الظلم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، وأي خطاب يجعل دين الإنسان مسوغًا للاعتداء عليه ندينه للسبب نفسه.
وعلى هذا الأساس تفهم المراجعة التي دعا إليها جلالة الملك، مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، يستدعي نقاشًا جادًا في جذور المشكلة، من مراجعة الفهم والخطاب والتربية، إلى الكشف عن مسارات احتكار الحقيقة، إلى مراجعة التأويل الذي ينتج الإقصاء والتكفير، أما اتهام كل من طالب بالمراجعة بأنه يستهداف العقيدة، فيغلق السؤال قبل بحثه، ويضع الاجتهادات البشرية في مقام الثوابت، فهذا مرفوض.
المراجعة تبدأ بالاعتراف بأن بيننا أفكاراً متطرفة، وأن هناك من ينتجها، وهناك من يرددها دون وعي، وحماية الدين والمجتمع تقتضي كشفها ومناقشتها قبل أن تجد من يحمل لها السلاح.
*الباحث في الفكر الإسلامي
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم