م.صلاح طه عبيدات يكتب: اقبلني مختلفا عنك

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 15109
م.صلاح طه عبيدات يكتب: اقبلني مختلفا عنك
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

أقبلني مختلفاً عنك في منارة الوعي وجوهر الفكر، وفي نهج الحياة ومرتكزات الاعتقاد؛ فذلك هو النداء الأعمق الذي تفرضه إنسانيتنا المشتركة وسط أمواج متلاطمة من التباين والاصطدام. إن الحديث عن ظاهرة الإرهاب والتطرف ليس ترفاً فكرياً طارئاً، بل هو جرح نازف وهاجس يؤرق الضمير الإنساني بأسره. ومن الإنصاف الموضوعي والتجرد الفلسفي إقرار حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن الإرهاب والتطرف ليسا وليدي ثقافة بعينها، ولا هما حكر على دين دون سواه، بل هما آفتان عابرتان للحدود والهويات، تتسللان إلى شرايين كافة المجتمعات الإنسانية مهما تباعدت ثقافاتها أو اختلفت أديانها. وحين أقف مسلماً مؤمناً بعقيدتي، فإنني أدرك تمام الإدراك أن هناك اصطداماً بنيوي بل وتنافساً جذرياً مع المعتقدات الأخرى كاليسوعية واليهودية في مستوى التصورات العقدية الكبرى؛ غير أن هذا الاختلاف الوجودي الحاد لا يمنح أي مبرر، ولا يشرعن بأي حال من الأحوال، إلغاء الآخر أو شطبه من خارطة الوجود الإنساني لمجرد أنه يتبنى عقيدة مغايرة. لقد جاء الإسلام صريحاً وقطعياً في رفضه التام لأسلمة الناس قسراً أو إكراههم على الهداية، مستنداً إلى حقيقة كونية كبرى تفيد بأنه لا إكراه في الدين لسبب جوهري وهو أن الرشد قد بان بوضوح من الغي. ولم يكتفِ الدين الحنيف برفض الإكراه، بل أسس لفلسفة حوارية متقدمة قائمة على الإقناع والتلاقي عند المشتركات الكبرى، متوجاً ذلك بالدعوة القرآنية الخالدة للتعاليم نحو كلمة سواء. إن التعصب الديني، حين ينفجر في وجه الآخر، غالباً ما يتخذ من المقدس غطاءً براقاً بينما تحركه في الحقيقة أسباب ومصالح ترتبط باختلاف المناسبات والأحداث، وليست نابعة من جوهر الدين ذاته. و"الحروب الصليبية" التي اتشحت بشعارات دينية مقدسة برهنت بوضوح على أن أهدافها الحقيقية وبعدها الاستراتيجي كانا بعيدين كل البعد عن روح الدين، تماماً كما كانت "محاكم التفتيش" في الأندلس أداة سياسية بامتياز وظفت الغطاء الديني لتحقيق غايات سلطوية وبسط نفوذ لا علاقة له بطهارة المعتقد. وفي خضم هذا المشهد الإنساني المركب، تبرز الخصوصية الفريدة لطبيعة المجتمع الأردني العشائرية المتجذرة في عمق التاريخ وقبل تشكل الأردن السياسي؛ إذ أسهم هذا النسيج الاجتماعي المتماسك في إلغاء الكثير من الفوارق والاختلافات العقدية والضيقة، ليعزز بدوره أواصر الترابط الاجتماعي والتكافل الإنساني في صورة فريدة لا تكاد تتكرر في أي مجتمع آخر، سواء على مستوى دول الجوار أو المجتمعات البعيدة، لتغدو العشيرة حاضنة إنسانية تتسع للجميع قبل أن تفرقهم المسميات. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة صياغة الوعي التربوي وتوجيه التعليم نحو مناهج التربية الإسلامية الأصيلة، كما كانت منذ أزمنة مضت تتسم بالعمق والصفاء، تمثل ضرورة قصوى ذات أهمية بالغة؛ فهي لا تقتصر على تقديم المعرفة، بل تتيح لغير المسلمين فرصة الاطلاع والدراسة والتعرف الحي على جوهر الإسلام، وبذلك يتوطد التفاهم الإنساني وينحسر التطرف وتتلاشى ظلاله. وفي ذات السياق، فإن تمكين الجيل الناشئ من الشباب المسلم من فهم دينهم فهماً رصيناً وواضحاً، بعيداً عن مجاملات زائفة باسم التسامح المصطنع أو تشدد أعمى، يكرس بصدق احترام ما يعتقده الآخرون وما يدينون به، انطلاقاً من حقيقة الدين وفلسفته الأولى التي انبلجت بنور الوحي في قوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق". إن هذه الرحلة الإنسانية والفكرية، بكل ما تحمله من اختلافات وتحديات، تظل محكومة بنهاية حتمية ومصير واحد يغلفه العدل الإلهي المطلق، مصداقاً لقوله تعالى في ختام الرحلة الوجودية للإنسان: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون".
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم