عمر الدريني يكتب: حين يصفّق الأصدقاء للغرباء

منذ 1 يوم
المشاهدات : 26094
عمر الدريني يكتب: حين يصفّق الأصدقاء للغرباء
عمر الدريني

عمر الدريني

ليس مؤلمًا دائمًا أن يتقدم عليك شخص آخر؛ فقد تتقبل نجاحه، وتتعلم من تجربته، وتواصل طريقك من دون أن تشعر بأن خسارته شرط لربحك، الأصعب أحيانًا أن ترى صديقًا يصفق بحرارة لنجاح إنسان لا يعرفه جيدًا، ثم يمر على إنجازك كأنه لم يره، لا تستطيع أن تجزم بما في قلبه، لكن المقارنة تفرض نفسها: لماذا بدا فرحًا هناك، وبدا صامتًا هنا؟ وهل تغيرت الصداقة، أم أننا اكتشفنا جانبًا لم نكن نراه؟ تستحق هذه اللحظة قراءة أعمق من اتهام سريع بالغيرة، فالناس لا يتفاعلون مع الإنجازات بالطريقة نفسها، وقد تكون هناك أسباب لا نعرفها: علاقة قديمة، أو موقف خاص، أو اختلاف في طبيعة الخبر، أو ببساطة منشور ظهر أمامه في لحظة مناسبة، لكن تكرار المشهد، مع وجود علاقة وثيقة ومعرفة حقيقية بما بذله الصديق، قد يثير سؤالًا مشروعًا عن قدرة بعض العلاقات على استيعاب نجاح الطرف الآخر.


في الصداقة الصحية، لا يحتاج أحد الطرفين إلى أن يتراجع كي يشعر الآخر بقيمته. ينجح أحدهما، فيجد الآخر في نجاحه دليلًا على أن الطريق ممكن، لا تهديدًا لمكانته، أما حين تختلط الصداقة بالمنافسة الخفية، فإن الإنجاز يتحول إلى اختبار للترتيب: من وصل أولًا؟ من حظي بالاهتمام؟ من صار اسمه متداولًا؟ عندها لا يعود السؤال كيف نكبر معًا، بل كيف أحافظ على صورتي إذا تقدم صاحبي خطوة أمامي؟ وتزيد المنصات الرقمية حساسية هذه المقارنة؛ فهي لا تعرض النجاح وحده، بل تعرض ردود الفعل عليه أيضًا، يمكننا أن نرى من هنأ، ومن أعاد النشر، ومن كتب كلمات طويلة، ومن اكتفى بالمشاهدة، ما كان في الماضي شعورًا عابرًا قد يصبح الآن قائمة مرئية من الشواهد التي نظن أنها تكشف مواقف الناس. لكن هذه القائمة لا تعرض القلوب، ولا تشرح دوافع أصحابها، ولا تمنحنا حق تحويل كل اختلاف في التفاعل إلى دليل إدانة. مع ذلك، لا ينبغي أن نستخدم الغموض الرقمي ذريعة لتجاهل السلوك الواضح.


إذا كان صديقك يقلل من إنجازك كلما تحدثت عنه، أو يبحث عن عيب في كل خطوة تخطوها، أو يبدل الموضوع حين يراك سعيدًا، ثم يبالغ في الثناء على الآخرين أمامك، فقد لا تكون المشكلة في غياب الإعجاب وحده. هنا نحتاج إلى النظر في طبيعة العلاقة نفسها: هل تسمح لك بأن تكون ناجحًا من دون اعتذار؟ وهل تستطيع أن تشارك فرحك من غير أن تشعر أنك تستفز أحدًا بمجرد أنك تقدمت؟ وفي المقابل، علينا أن نفحص حساسية المقارنة داخلنا. ربما لا نريد من أصدقائنا أن يفرحوا لنا فحسب، بل نريد أن يكون فرحهم بالطريقة التي نتخيلها، وبالقدر الذي نراه مناسبًا. وربما نقرأ صمتهم من خلال تجاربنا السابقة، أو ننتظر من كل شخص أن يعبر عن المودة علنًا، مع أن بعض الناس يفضلون التهنئة الخاصة أو لا يجيدون التعبير أمام الآخرين. الإنصاف يبدأ حين نفرق بين سلوك مؤذٍ متكرر وبين توقع لم نخبر أحدًا به. والصداقة ليست عقدًا يلزم الطرفين بالتصفيق لكل إنجاز، لكنها أيضًا ليست مساحة يُضطر فيها الإنسان إلى إخفاء نجاحه حفاظًا على مشاعر الآخر. من حقنا أن نشارك أفراحنا، ومن حق أصدقائنا أن تكون لهم مشاعرهم المعقدة، لكن لا يحق لأحد أن يحول تلك المشاعر إلى انتقاص أو تحقير أو محاولات مستمرة لإفساد اللحظة. يستطيع الإنسان أن يشعر بوخزة مقارنة عابرة ثم يتجاوزها؛ النضج ليس غياب الغيرة تمامًا، بل ألا نجعلها تتحكم في تصرفاتنا. وربما كان السؤال الأهم ليس: لماذا صفق صديقي للغريب؟ بل: ماذا يحدث بيننا عندما ينجح أحدنا؟ هل نتبادل الخبرة ونفتح الطريق لبعضنا، أم نتعامل مع كل تقدم بوصفه اقتطاعًا من نصيب الآخر؟ وهل نملك الشجاعة لنقول إننا شعرنا بالخذلان، بدل أن نختبر بعضنا عبر المنشورات والرسائل غير المباشرة؟ لا نحتاج إلى أصدقاء يصفقون لنا في كل مرة، ولا إلى جمهور يثبت أننا الأفضل؛ نحتاج إلى أصدقاء لا يضيقون بنا حين نتقدم، ولا يجعلوننا ندفع ثمن فرحنا. فالتصفيق للغريب قد يكون مجاملة عابرة، أما القدرة على الفرح لنجاح القريب، حتى حين يوقظ فينا أسئلة صعبة عن أنفسنا، فهي واحدة من العلامات الهادئة التي تكشف نضج الصداقة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم