"مدرسة الكرك "
نحن أبناء هذه الأرض،
نعرف دروبها في الصيف والشتاء،
وفي الفرح والأسى،
ونعرف أهل الطيب والنخوة
قبل أن نطرق الأبواب!
عهدنا الكرك عمرًا،
وما سألنا الجار عن دينه يومًا.
وإلى قرية حمود البعيدة السهول،
يشد الكركيون الرحال
كلما نادى فرح أو حزن،
فيأتيها الأصدقاء والمؤازرون
آمنين،
يدخلونها بسلام،
ويخرجون منها بالدعاء.
كانوا يودعون امرأة من أهلنا،
النساء داخل الكنيسة يبكين،
والرجال في الساحة من الدينين،
وقفوا يؤدون الواجب:
واجب الحضور،
فالحضور في بيوتنا نصف العزاء،
يرى الحزين وجوهنا به ، فيعرف أنه ليس وحده.
وفي لحظات الخشوع تمزق الصمت بازير الرعب،
ورصاص يستهدف الحضور...
من أي أرض جاء هذا الغدر؟
أي أم أنجبته،
وأي بيت ما علمه أن للجنازة حرمة
وأن للميت كرامة .
تسعة، رحلوا، ماتوا، قضوا، استشهدوا...
لا نقولها كما تقال في نشرة الأخبار،
تقال كما يقال اسم الأخوة وابناء العم،
حين لا يجيب النداء:
يا فلان...
يا فلان...
تسعة أسماء
نعرف آباءهم، أجدادهم، أمهاتهم، بالاسم،
ونذكر أي الأعراس حضرنا معًا،
وأي القبور وقفنا عندها معًا!
عشرات جرحوا،
مسلمون ومسيحيون،
ولم يسأل أحد الدم عن هويته،
سال على بلاط الكنيسة
أحمر... وما عرف غير الأردن عنوانًا!
فأي رجولة تشهر السلاح على جنازة؟
أي جبن يحتاج إلى ميت
ليختبئ خلفه؟
يا كرك،
يا قلعة علمت الصخر
أن الوقوف أصعب من السقوط،
جرسك ومئذنتك جاران،
يتبادلان الصباح
كما يتبادل الجيران رغيف الخبز.
وتريدون أن تقنعوا الكرك بأنها غريبة على نفسها؟
جربوا أن تقنعوا الجبل بأن يمشي!
وجربوا أن تسألوا الخبز في الطابون:
لأي دين أنت ؟
وجربوا أن تطلبوا من الريح
أن تهب على المئذنة وتتخطى الجرس!
وجربوا أن تطلبوا من الشمس إذنًا
قبل أن تشرق على سطح جار لأنه
لا يشبهكم في الدين!
كما عهدناه، هب ملكنا إلى الجرح.
لم ينتظر بيانًا،
ولم يرسل لجنة،
ولم يكتب "نتابع بقلق".
ذهب إلى حمود،
إلى الأسرة،
إلى الجرحى،
والغبار بعد لم يهدأ، والدم ما لبث أن يجف.
وقف حيث يتردد الواقفون،
وقال بلسان هذه الأرض:
"بنورجيهم"
كلمة واحدة،
وفيها وعد دولة
لا تضيع حقًا
ولا تنام على ثأر.
وجاءت الأيام الثلاثة،
والأعلام تنحني للحزن،
والأردن كله يترقب،
كانت أم تجلس في أحد بيوت حمود عند العتبة منذ الفجر،
عيناها على الطريق،
لا تسأل عن بيان ولا عن مؤتمر،
تسأل بعينيها سؤالًا واحدًا:
هل من خبر؟
كانت ابنة تضم صورة أخيها إلى صدرها،
وتعد الساعات على أصابعها،
وكان أب ينظر إلى الساعة كل دقيقة والوقت يمشي ثقيلًا...
وعيون الأجهزة لم تعرف النوم لكي تأتي بالخبر اليقين.
وقبل أن ينتصف نهار اليوم الثالث
كان المتهمون في قبضة الأسود!
فاسألوا الظلام الذي راهن
على تلك الساعات
كيف خسر رهانه
قبل أن ترفع الأعلام!
واسالوا تجّار الشّقاق، وسماسرة الدم:
هل ظننتم أن الرصاص يفرق بين الاهل و يمحو التاريخ؟
أردتم سورًا بين الجرس والمئذنة؛ فوقف الجميع في صف واحد!
جئتم تفتشون في البيت عن شق،
فوجدتم كتفًا على كتف.
هذا بيت واحد،
سقف واحد،
فإن هزّهُ خطب ازداد أساسه رسوخًا.
ولو جمعتم رصاص الأرض كله
ما ثقبتم رغيفًا نقتسمه!
لكننا نملك الكلمات
ولا نملك الرجوع،
ففي ذلك البيت في حمود كرسيٌ لن يجلس عليه صاحبه ومكانٌ لن يملأه غيره،
والقصيدة، مهما علا صوتها،
لا تعيد أحدًا.
فيا أيها الأردنيون،
ثقوا بأنفسكم،
ثقوا بملك فزع إلى الجرح،
وبأجهزة سهرت وأنجزت.
تعلموا من الكرك،
فهي المدرسة التي لم تغلق بابها يومًا:
علمتنا معنى الشجاعة حين تقف ويتراجع المرجفون،
علمتنا الكرم عندما يقسم الرغيف ولو كان الأخير...
وعلمتنا الموقف الذي لا يكتب في بيان،
بل بالكتف التي تسند كتفًا حين تميل.
سيبقى الأردنيون خلف مليكهم على قلب رجل واحد،
لا يتركون للفتنة ثغرة،
يحرسون بيوت الله كلها،
يسقطون خطاب الكراهية
في المدرسة والمنبر والشاشة
قبل أن يتحول إلى فعل و غدر ،
يوقظون الغافل،
ويحاسبون المحرض،
ويسدون كل باب يدخل منه الشر،
حتى لا تعرف حمود، ولا أي جزء عزيز مثلها،
هذا اليوم من جديد.
أما الليلة...
فحمود وقرى الكرك كلها ستشب النار لقوة الظيفان ..
ويقسم الزاد على الجميع،
ويبقى للغائب كرسيه.
وغدًا ،حين يصحو الصباح على الكرك،
سيتبادل الجرس والمئذنة
التحية كعادتهما،
وعناقًا دافئًا بين الجار والجار ، وبين الأخ واخيه.
نحن أبناء هذه الأرض،
نعرف دروبها في الصيف والشتاء،
وفي الفرح والأسى،
ونعرف أهل الطيب والنخوة
قبل أن نطرق الأبواب!
عهدنا الكرك عمرًا،
وما سألنا الجار عن دينه يومًا.
وإلى قرية حمود البعيدة السهول،
يشد الكركيون الرحال
كلما نادى فرح أو حزن،
فيأتيها الأصدقاء والمؤازرون
آمنين،
يدخلونها بسلام،
ويخرجون منها بالدعاء.
كانوا يودعون امرأة من أهلنا،
النساء داخل الكنيسة يبكين،
والرجال في الساحة من الدينين،
وقفوا يؤدون الواجب:
واجب الحضور،
فالحضور في بيوتنا نصف العزاء،
يرى الحزين وجوهنا به ، فيعرف أنه ليس وحده.
وفي لحظات الخشوع تمزق الصمت بازير الرعب،
ورصاص يستهدف الحضور...
من أي أرض جاء هذا الغدر؟
أي أم أنجبته،
وأي بيت ما علمه أن للجنازة حرمة
وأن للميت كرامة .
تسعة، رحلوا، ماتوا، قضوا، استشهدوا...
لا نقولها كما تقال في نشرة الأخبار،
تقال كما يقال اسم الأخوة وابناء العم،
حين لا يجيب النداء:
يا فلان...
يا فلان...
تسعة أسماء
نعرف آباءهم، أجدادهم، أمهاتهم، بالاسم،
ونذكر أي الأعراس حضرنا معًا،
وأي القبور وقفنا عندها معًا!
عشرات جرحوا،
مسلمون ومسيحيون،
ولم يسأل أحد الدم عن هويته،
سال على بلاط الكنيسة
أحمر... وما عرف غير الأردن عنوانًا!
فأي رجولة تشهر السلاح على جنازة؟
أي جبن يحتاج إلى ميت
ليختبئ خلفه؟
يا كرك،
يا قلعة علمت الصخر
أن الوقوف أصعب من السقوط،
جرسك ومئذنتك جاران،
يتبادلان الصباح
كما يتبادل الجيران رغيف الخبز.
وتريدون أن تقنعوا الكرك بأنها غريبة على نفسها؟
جربوا أن تقنعوا الجبل بأن يمشي!
وجربوا أن تسألوا الخبز في الطابون:
لأي دين أنت ؟
وجربوا أن تطلبوا من الريح
أن تهب على المئذنة وتتخطى الجرس!
وجربوا أن تطلبوا من الشمس إذنًا
قبل أن تشرق على سطح جار لأنه
لا يشبهكم في الدين!
كما عهدناه، هب ملكنا إلى الجرح.
لم ينتظر بيانًا،
ولم يرسل لجنة،
ولم يكتب "نتابع بقلق".
ذهب إلى حمود،
إلى الأسرة،
إلى الجرحى،
والغبار بعد لم يهدأ، والدم ما لبث أن يجف.
وقف حيث يتردد الواقفون،
وقال بلسان هذه الأرض:
"بنورجيهم"
كلمة واحدة،
وفيها وعد دولة
لا تضيع حقًا
ولا تنام على ثأر.
وجاءت الأيام الثلاثة،
والأعلام تنحني للحزن،
والأردن كله يترقب،
كانت أم تجلس في أحد بيوت حمود عند العتبة منذ الفجر،
عيناها على الطريق،
لا تسأل عن بيان ولا عن مؤتمر،
تسأل بعينيها سؤالًا واحدًا:
هل من خبر؟
كانت ابنة تضم صورة أخيها إلى صدرها،
وتعد الساعات على أصابعها،
وكان أب ينظر إلى الساعة كل دقيقة والوقت يمشي ثقيلًا...
وعيون الأجهزة لم تعرف النوم لكي تأتي بالخبر اليقين.
وقبل أن ينتصف نهار اليوم الثالث
كان المتهمون في قبضة الأسود!
فاسألوا الظلام الذي راهن
على تلك الساعات
كيف خسر رهانه
قبل أن ترفع الأعلام!
واسالوا تجّار الشّقاق، وسماسرة الدم:
هل ظننتم أن الرصاص يفرق بين الاهل و يمحو التاريخ؟
أردتم سورًا بين الجرس والمئذنة؛ فوقف الجميع في صف واحد!
جئتم تفتشون في البيت عن شق،
فوجدتم كتفًا على كتف.
هذا بيت واحد،
سقف واحد،
فإن هزّهُ خطب ازداد أساسه رسوخًا.
ولو جمعتم رصاص الأرض كله
ما ثقبتم رغيفًا نقتسمه!
لكننا نملك الكلمات
ولا نملك الرجوع،
ففي ذلك البيت في حمود كرسيٌ لن يجلس عليه صاحبه ومكانٌ لن يملأه غيره،
والقصيدة، مهما علا صوتها،
لا تعيد أحدًا.
فيا أيها الأردنيون،
ثقوا بأنفسكم،
ثقوا بملك فزع إلى الجرح،
وبأجهزة سهرت وأنجزت.
تعلموا من الكرك،
فهي المدرسة التي لم تغلق بابها يومًا:
علمتنا معنى الشجاعة حين تقف ويتراجع المرجفون،
علمتنا الكرم عندما يقسم الرغيف ولو كان الأخير...
وعلمتنا الموقف الذي لا يكتب في بيان،
بل بالكتف التي تسند كتفًا حين تميل.
سيبقى الأردنيون خلف مليكهم على قلب رجل واحد،
لا يتركون للفتنة ثغرة،
يحرسون بيوت الله كلها،
يسقطون خطاب الكراهية
في المدرسة والمنبر والشاشة
قبل أن يتحول إلى فعل و غدر ،
يوقظون الغافل،
ويحاسبون المحرض،
ويسدون كل باب يدخل منه الشر،
حتى لا تعرف حمود، ولا أي جزء عزيز مثلها،
هذا اليوم من جديد.
أما الليلة...
فحمود وقرى الكرك كلها ستشب النار لقوة الظيفان ..
ويقسم الزاد على الجميع،
ويبقى للغائب كرسيه.
وغدًا ،حين يصحو الصباح على الكرك،
سيتبادل الجرس والمئذنة
التحية كعادتهما،
وعناقًا دافئًا بين الجار والجار ، وبين الأخ واخيه.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات