شهداء كنيسة حمود .. حكايات أطباء وأكاديميين وجيران جمعهم حب الحياة وفرّقتهم رصاصات الغدر

منذ 34 دقيقة
المشاهدات : 20711
شهداء كنيسة حمود ..  حكايات أطباء وأكاديميين وجيران جمعهم حب الحياة وفرّقتهم رصاصات الغدر

سرايا - لم تكن الأسماء التي تناقلها الأردنيون عقب الهجوم على كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك مجرد أسماء في قائمة الشهداء؛ فخلف كل اسم حياة كاملة، وأحلام لم تكتمل، وعائلة تنتظر عودة صاحبها، وأصدقاء لم يتخيلوا أن تتحول لقاءاتهم الأخيرة إلى ذكريات موجعة.

بين الشهداء طبيب أسنان عرفه الناس بقربه من الفقراء، وأستاذ جامعي كان يكتب عن هموم وطنه، وصيدلاني أمضى سنوات في خدمة المرضى، وطبيب شاب لم يمهله العمر ليبدأ رحلته المهنية، ومحام ووجوه اجتماعية تركت في محيطها أثرا طيبا.

وفي قرية اعتادت أن تجمع أبناءها في الأفراح والأتراح، تحول تشييع جنازة إلى مأساة، بعدما استهدف مسلحون الحاضرين، لتصبح الكنيسة التي شهدت صلوات الأجيال ومناسباتهم شاهدة على واحدة من أقسى لحظات الحزن في ذاكرة المكان.

وارتفعت حصيلة شهداء الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن إلى 9، بعد استشهاد مصابين متأثرين بجروحهما، في حين تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة المهاجمين.


طبيب الفقراء
من بين الأسماء التي أثارت حزنا واسعا، برز الدكتور خالد مخائيل مفضي العليا، المعروف بين أبناء الكرك باسم "خالد الهلسة"، وهو طبيب أسنان ارتبط اسمه بلقب "طبيب الفقراء". انتهت حياة الطبيب الذي ارتبط اسمه بتخفيف آلام الآخرين، في حادثة تركت وراءها ألما لم تستطع الكلمات احتواءه.

لم يكن اللقب صفة مهنية، بل شهادة اجتماعية حملتها كلمات من عرفوه، إذ استعاد ناعوه مواقفه الإنسانية وقربه من المرضى والمحتاجين، بعدما أمضى سنوات في ممارسة مهنته وخدمة أبناء مجتمعه. وبدا استشهاد خالد فقدانا يتجاوز أسرته، إلى أشخاص عرفوه من خلال عيادته أو سمعوا عن تعامله مع المرضى، في مدينة تتوارث فيها العائلات حكايات أطبائها ومعلميها.


حلم طبيب لم يكتمل
أما الدكتور فادي عاصم هاني الهلسة، فكانت حكايته مختلفة في تفاصيلها، ومتشابهة في قسوة نهايتها. فادي، خريج كلية طب الأسنان في جامعة الإسكندرية المصرية، كان في بداية حياته المهنية، يحمل شهادة حصل عليها بعد سنوات من الدراسة، ويستعد لبناء مستقبله قبل أن يصبح أحد شهداء الهجوم.

ونعاه اتحاد لجان الطلاب الوافدين بجامعة الإسكندرية، مستذكرا زميلا رحل في مقتبل عمره. وأعرب الاتحاد عن تضامنه مع أسرة الشهيد وأصدقائه وزملائه. فالشاب الذي أمضى سنوات يتعلم كيف يعالج آلام الناس، لم تتح له الحياة فرصة طويلة لممارسة المهنة التي اختارها، وترك خلفه مقعدا شاغرا في منزل أسرته، ومستقبلا توقف قبل أن يبدأ.



أمنيات أستاذ الجامعة
وفي الجامعة الهاشمية، خيم الحزن على زملاء الدكتور عاصم برقان، الأستاذ المشارك في قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية بكلية الآداب. ونعته رئيسة مجلس أمناء الجامعة الهاشمية، رويدا المعايطة، وأعضاء المجلس، معربين عن حزنهم لاستشهاده إثر الهجوم الذي شهدته الكرك.

وكان برقان حاضرا على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال مقالاته وتعليقاته السياسية والاجتماعية، إلى جانب تهنئة المسلمين والمسيحيين بمناسباتهم الدينية والوطنية. وبعد استشهاده، أعاد متابعون تداول منشور كتبه في مطلع العام، ضم أمنيات شخصية ووطنية، بينها أن تعود فلسطين قضية العرب الأولى، وأن يتجاوز الأردن أزمته الاقتصادية.

لكن إحدى عباراته اكتسبت وقعا أكثر حزنا بعد استشهاده، إذ كتب متمنيا "أن تنهض الكرك من محنتها، بجهد أبنائها الخيرين، لتبقى كما عرفناها عصية على الانكسار". لم يكن برقان يعلم أن كلماته ستعود إلى التداول بعد استشهاده، وأن أمنياته للكرك ستقرأ هذه المرة على وقع فاجعة جديدة أصابت مدينته.


الصيدلاني الطيب
ومن بين الشهداء أيضا الدكتور ماهر عادل الزريقات، الصيدلاني المسؤول في المستشفى الإيطالي بالكرك، الذي نعته نقابة الصيادلة الأردنيين. واستذكر نقيب الصيادلة الدكتور زيد روحي الكيلاني وأعضاء مجلس النقابة سيرته المهنية والإنسانية، وما عرف عنه من أخلاق حميدة وتفان في أداء رسالته الصيدلانية، وعلاقات طيبة مع زملائه وأبناء مجتمعه.

وفي كلمات نعيه، استعاد زملاؤه سنوات عمله وجهوده في بناء حياة كريمة لأسرته، فيما عبروا عن صدمتهم باستشهاده المفاجئ.



موت بعد الإصابة
وامتد الحزن إلى الأوساط القانونية باستشهاد المحامي مازن رسمي القسوس، الذي استشهد متأثرا بجراح أصيب بها خلال الهجوم.

واستعاد معارفه سيرته بكلمات وصفته فيها بأنه من أرقى الناس وأحسنهم خلقا، فيما أصدرت نقابة المحامين الأردنيين بيانا أدانت فيه الاعتداء على الكنيسة، وعدته انتهاكا لحرمة دور العبادة وتهديدا لأمن المجتمع.

وأكدت النقابة ضرورة مواجهة الكراهية والتعصب وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون، مشددة على أن وحدة الأردنيين أقوى من محاولات زرع الفرقة بينهم.

وأُعلن أخيرا عن وفاة طبيب الأسنان الدكتور محمد القسوس، أحد أقدم أطباء الأسنان في الأردن، متأثرا بإصابته أيضا، جراء الاعتداء الغادر الذي شهدته قرية حمود في محافظة الكرك، بعد مسيرة مهنية وإنسانية حافلة بالعطاء، عُرف خلالها بطيب سيرته وحسن سمعته، وحرصه على معالجة المرضى والمحتاجين مجانا في الزرقاء والكرك وعمّان.

ولم يكن الراحل مجرد طبيب يؤدي رسالته الإنسانية، بل كان نموذجا للتآخي والعيش المشترك الذي تجسده قرية حمود ومحافظة الكرك، إذ حمل اسم "محمد" رغم انتمائه إلى الديانة المسيحية، في دلالة إنسانية واجتماعية عميقة على القرب والمحبة والتداخل بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع الأردني.


وجوه يعرفها الجيران
وشملت قائمة الشهداء إيهاب نايف الهلسة، المعروف باسم "أبو وليام"، الذي نعاه أصدقاؤه وجيرانه بكلمات ركزت على طيب معشره ودماثة أخلاقه.

وكتب أحد معارفه أنه تعرف إليه قبل نحو تسعة أشهر، لكن تلك المدة القصيرة كانت كافية ليترك أثرا لا ينسى، مستذكرا حديثه المتكرر عن معاناة الناس وشعوره بآلامهم. وكان إيهاب، كما تصفه شهادات ناعيه، رجلا قريبا من محيطه الاجتماعي، عرفه جيرانه بحسن التعامل والاهتمام بالآخرين.

ومن الشهداء أيضا علاء خليل المصاروة، الذي ورد اسمه ضمن الذين استشهدوا في الهجوم، فيما لم تتوافر في المعلومات المنشورة تفاصيل كافية عن سيرته الشخصية أو المهنية.

أما مروان خليل سالم الخيطان الهلسة، فكان عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني، وقد ورد اسمه بين شهداء الاعتداء. ويضيف حضوره السياسي إلى قائمة الشهداء وجها آخر من وجوه التنوع الاجتماعي والفكري الذي عرفته الكرك.

ومن بين المصابين عدد من أبناء عائلة الحباشنة المسلمين، الذين حضروا للمشاركة في تشييع جثمان السيدة الراحلة وأداء واجب العزاء لأشقائهم المسيحيين، تجسيدا لقيم الأخوة والتكافل والعيش المشترك التي تميز المجتمع الأردني. وقد طالتهم يد الغدر أثناء تأديتهم هذا الواجب الإنساني.



الكرك.. مدينة التعايش
كان شاب مسيحي إسمه ثائر الكواليت قد احتفل بزفافه خلال شهر رمضان، في قرية أدر، شمال شرقي مدينة الكرك، وسط حضور المئات من أقاربه وأصدقائه وجيرانه، بعدما تحولت مأدبة الغداء إلى إفطار رمضاني جمع المسلمين والمسيحيين، في واحدة من صور الحياة التي اعتادها أهل المحافظة.

ولم يكن المشهد غريبا عن الكرك، حيث تتداخل المناسبات الدينية والاجتماعية في حياة العائلات، ويشارك الجيران بعضهم الأفراح والأحزان، في تقاليد راسخة من العيش المشترك.

ويتجاوز الاعتداء على كنيسة حمود حدود القرية؛ فالشهداء لم يكونوا مجرد أبناء طائفة أو منطقة، بل أطباء وأكاديميون ومهنيون وجيران وأصدقاء، لكل منهم حكاية ومكان في حياة الآخرين.

وبين أمنيات عاصم برقان للكرك، وعيادة "طبيب الفقراء"، وشهادة فادي التي لم يمهله العمر لاستثمارها، بقيت خلف الشهداء تفاصيل إنسانية كثيرة لا تختصرها أعداد القتلى والمصابين.

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم