د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: من يهاجم الكنيسة يهاجم المسجد: الوعي ورص الصفوف أقوى رد على الإرهاب

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8595
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: من يهاجم الكنيسة يهاجم المسجد: الوعي ورص الصفوف أقوى رد على الإرهاب
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في الكرك، حيث يعرف الناس معنى الجيرة، وتتعانق الأفراح والأتراح بين أبناء المحافظة، جاء الرصاص غادرًا إلى جنازة، فحوّل لحظة الوداع إلى فاجعة. أيُّ ذنبٍ اقترفه المشيّعون؟ وأيُّ ذنبٍ اقترفته كنيسة حمود؟ لم يكونوا إلا أهلًا يودّعون فقيدتهم، فإذا بالجريمة تمتد إلى أناس آمنين في ساعة حزنهم.

ومن يطلق النار على كنيسة، ويستبيح دم أردني فيها، لا يصون دم الأردني في مسجد أو شارع أو أي مكان. فالإرهاب، حين يعميه فكره، لا يرى في الإنسان مواطنًا له حق وحرمة، بل ضحية يختارها ليبث الخوف، ويزرع الفرقة، ويمتحن صلابة المجتمع. وقد أسفر الهجوم، وفق أحدث الحصائل المنشورة، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعين، فيما تواصلت التحقيقات لكشف ملابساته ودوافعه.

تلك الكنيسة مكان عبادة لمواطنين أردنيين، وحرمتها مصونة؛ والاعتداء عليها اعتداء على حقهم في العبادة والأمان، وعلى المواطنة التي تجمع أبناء الوطن. وفي تاريخنا الإسلامي عهود تؤكد صون حقوق المسيحيين، من العهد المنقول عن النبي ﷺ لنصارى نجران، إلى العهدة العمرية التي أمّن فيها عمر بن الخطاب أهل إيلياء على كنائسهم.

وما جرى في كنيسة حمود أوجع كل أردني؛ أوجع المسلم كما أوجع المسيحي، وأصاب في الصميم كل من يرى في حرمة الدم وكرامة الإنسان أصلًا لا يُساوَم عليه. كلنا حمود، وكلنا أصابتنا هذه الفاجعة.

وهنا لا بد من النظر إلى الخطر الأوسع: فالفكر المتطرف قد يصبح هدفًا للاختراق أو التجنيد أو التوظيف من جهات إقليمية ودولية، وقد تتحول جماعاته وأفراده إلى أدوات في صراعات تتجاوزهم. والنتيجة، في كل الأحوال، واحدة: إضعاف الدول العربية، وتمزيق مجتمعاتها، وإشعال الشك بين أبنائها، بما يخدم كل مشروع يسعى إلى إنهاك المنطقة واستنزافها.
وفي هذه اللحظة، نستذكر رجال الأمن الذين وقفوا في وجه الإرهاب، وبذلوا أرواحهم دفاعًا عن الناس والوطن:
وللجريمة ما تتركه في النفوس بعد انقضاء دويّها؛ خوف قد يلازم الناجين، وقلق يثقل أسر الضحايا، ووجع يصيب مجتمعًا كاملًا. ومن الوفاء للضحايا أن نصون كرامتهم، وألا نتداول صورهم أو الأخبار غير الموثقة، وأن نساند ذويهم ونتيح الدعم النفسي والاجتماعي لمن يحتاج إليه. كما أن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين التطرف والمرض النفسي، أو نشخّص مرتكبي الجرائم عن بُعد؛ فالتطرف مسار فكري واجتماعي معقد، ومواجهته تكون بالتربية الواعية، والفكر المستنير، والخطاب الديني المسؤول، وسيادة القانون.

الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي. هؤلاء السفهاء، أيًّا كان الدين الذي ينتسبون إليه، لا يمثّلون دينًا؛ فمشكلتهم في نفوسهم وانحراف تفكيرهم. يظهر أمثالهم في كل زمان ومكان، ويتخذون من الدين ستارًا لاستباحة الدماء. ومن يقتل مرة ولا يردعه ضمير أو قانون، يهون عليه بعد ذلك كل دم. فلا تجعلوا أفعالهم وقودًا للفتنة؛ فالوعي ووحدة الناس هما الردّ الأقوى.


د. زيد إحسان الخوالدة — أكاديمي متخصص في علم النفس السريري، وكاتب في الشأن العام

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم