عمر الدريني يكتب: المجلس البرلماني الطلابي حين يكتشف الطالب أن صوته مسموع

منذ 6 ساعات
المشاهدات : 4915
عمر الدريني يكتب: المجلس البرلماني الطلابي حين يكتشف الطالب أن صوته مسموع
عمر الدريني

عمر الدريني

يوم الخميس 22-10-2026 في كل مدرسة طالب لديه فكرة لم يقلها، وآخر يحمل ملاحظة يؤجل طرحها، وثالث يعتقد أن الحديث لن يغير شيئًا، فيختار الصمت بدل المحاولة، قد لا يلاحظ أحد هذه التفاصيل الصغيرة، لكنها تكشف جانبًا مهمًا من الحياة المدرسية: ليس كل طالب يجد الطريق نفسه للتعبير عن رأيه، وليس كل من يصمت خاليًا من الأفكار، وأحيانًا لا يحتاج هذا الطالب إلى أكثر من فرصة يشعر فيها أن ما يقوله يستحق الاستماع.


هنا تتضح القيمة الإنسانية للمجلس البرلماني الطلابي. فإلى جانب دوره التنظيمي والانتخابي، يمكن أن يمنح الطلبة مساحة للتعبير عن احتياجاتهم وملاحظاتهم، ويعلمهم أن المشاركة لا تتطلب أن يكون الإنسان الأعلى صوتًا أو الأكثر جرأة، قد تبدأ التجربة بكلمة مترددة في اجتماع، أو باقتراح بسيط لتحسين جانب من الحياة المدرسية، ثم تنمو الثقة مع الوقت حين يجد الطالب أن رأيه نوقش باحترام، حتى إن لم يُنفذ كما اقترح. إن الإصغاء إلى الطالب ليس مجاملة تربوية، بل جزء من بناء شخصيته.


فالإنسان الذي يشعر بأن صوته مسموع يتعلم أن يعبر عن احتياجاته بصورة أوضح، وأن يشرح وجهة نظره، وأن يتحمل مسؤولية ما يقترحه. وفي المقابل، فإن تجاهل الآراء بصورة متكررة قد يدفع بعض الطلبة إلى الاعتقاد بأن المشاركة مجرد إجراء لا أثر له.


لذلك فإن الفرق بين مجلس طلابي مؤثر وآخر محدود الأثر لا يظهر في يوم الانتخابات وحده، بل في نوع العلاقة التي تنشأ بعده بين الطلبة وممثليهم وإدارة المدرسة. ولا يعني الاستماع إلى الطلبة الموافقة على كل ما يطلبونه.


فالمدرسة مؤسسة تربوية لها أنظمتها وإمكاناتها ومسؤولياتها، وبعض المقترحات قد يحتاج إلى تعديل أو تأجيل أو رفض لأسباب واضحة.


لكن الطريقة التي يُشرح بها القرار مهمة بقدر أهمية القرار نفسه. حين يتلقى الطالب تفسيرًا محترمًا، فإنه يتعلم أن الاختلاف لا يعني الإهانة، وأن القرار المسؤول قد لا يطابق رغبة الجميع. أما حين يُقابل سؤاله بالاستخفاف، فقد يخسر فرصة للتعلم والثقة معًا. ومن هنا، فإن نجاح المجلس الطلابي يحتاج إلى أكثر من اختيار ممثلين.


يحتاج إلى قنوات واضحة لاستقبال المقترحات، وإلى اجتماعات منتظمة بقدر ما تسمح به ظروف المدرسة، وإلى آلية لمتابعة الموضوعات المطروحة. كما يحتاج إلى أعضاء يتعلمون تدوين الأفكار، وترتيب الأولويات، والتمييز بين المشكلة الفردية والقضية التي تمس عددًا أكبر من الطلبة. بهذه الممارسات يتحول الصوت من شكوى عابرة إلى مشاركة منظمة.


ومن المهم ألا تقتصر المشاركة على الطلبة المعروفين بجرأتهم أو تفوقهم أو قدرتهم على الحديث أمام الآخرين. فلكل طالب تجربته الخاصة، وقد تكون لدى الطالب الهادئ ملاحظة لا ينتبه إليها زملاؤه الأكثر كلامًا. لذلك يمكن للمجلس أن يشجع طرقًا متنوعة للتعبير، مثل استقبال المقترحات المكتوبة، أو تخصيص وقت للاستماع إلى الطلبة، أو تنظيم نقاشات حول قضايا محددة.


فالمشاركة العادلة لا تعني أن يتحدث الجميع بالطريقة نفسها، بل أن تتاح لهم فرص مناسبة لإيصال آرائهم. وتبقى مسؤولية أعضاء المجلس كبيرة؛ لأنهم لا يمثلون أنفسهم وحدهم. عليهم أن يستمعوا إلى زملائهم، وأن ينقلوا الأفكار بأمانة، وألا يقدموا وعودًا لا يملكون تنفيذها. كما ينبغي أن يتقبلوا النقد، وأن يدركوا أن اختلاف الطلبة معهم لا ينتقص من مكانتهم. فالممثل الجيد ليس من يضمن رضا الجميع، بل من يتعامل مع مطالبهم بجدية ووضوح. قد لا تبدو هذه التفاصيل إنجازات كبيرة في سجل المدرسة، لكنها تترك أثرًا في طريقة نظر الطالب إلى نفسه وإلى الآخرين. فحين يكتشف أن صوته مسموع، يتعلم في الوقت نفسه أن عليه أن يسمع غيره.


وحين يرى أن فكرته نوقشت باحترام، يصبح أكثر استعدادًا لاحترام أفكار الآخرين. ليس الهدف أن يتحدث كل طالب طوال الوقت، بل ألا يشعر أي طالب بأن الصمت هو خياره الوحيد. وعندما تصبح المدرسة مكانًا يجد فيه الطلبة مساحة آمنة للتعبير، فإن المجلس البرلماني الطلابي يؤدي واحدة من أعمق وظائفه: أن يساعد الإنسان على اكتشاف قيمة صوته، وعلى فهم أن هذه القيمة تزداد حين يستخدمها بمسؤولية واحترام.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم