لَيْسَ الحُضُورُ السِّيَاسِيُّ مُجَرَّدَ ظُهُورٍ فِي المَشْهَدِ، وَلَا تُقَاسُ فَاعِلِيَّةُ القِيَادَةِ بِعَدَدِ اللِّقَاءَاتِ وَالجَوْلَاتِ وَالاجْتِمَاعَاتِ، بَلْ بِمَا تَتْرُكُهُ مِنْ أَثَرٍ فِي الوَاقِعِ، وَبِمَا تُحَرِّكُهُ مِنْ قَرَارٍ، وَبِمَا تَفْتَحُهُ مِنْ آفَاقٍ لِلإِنْجَازِ. وَفِي الأُرْدُنِّ، يَبْدُو الحُضُورُ المَلَكِيُّ أَكْثَرَ مِنْ بُعْدٍ بَرُوتُوكُولِيٍّ أَوْ مَشْهَدٍ إِعْلَامِيٍّ؛ إِنَّهُ حُضُورٌ يَتَّصِلُ بِقَرَاءَةِ الوَاقِعِ، وَتَحْدِيدِ الأَوْلَوِيَّاتِ، وَتَوْجِيهِ بُوصْلَةِ العَمَلِ الوَطَنِيِّ نَحْوَ مَا يَتَقَدَّمُ بِالدَّوْلَةِ وَيَخْدُمُ المُوَاطِنَ.
وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ السُّؤَالُ الأَهَمُّ: أَيْنَ يَلْتَقِي الحُضُورُ بِالإِنْجَازِ؟ وَمَتَى يَتَحَوَّلُ الحُضُورُ المَلَكِيُّ مِنْ رِسَالَةٍ سِيَاسِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ إِلَى دَافِعٍ عَمَلِيٍّ يَنْعَكِسُ عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ؟ إِنَّ تَحَرُّكَاتِ جَلَالَةِ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي تَأْتِي فِي سِيَاقٍ إِقْلِيمِيٍّ وَدَوْلِيٍّ شَدِيدِ التَّعْقِيدِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الأَزْمَاتُ السِّيَاسِيَّةُ وَالأَمْنِيَّةُ وَالاقْتِصَادِيَّةُ، وَتَتَغَيَّرُ مَوَازِينُ القُوَّةِ وَالتَّحَالُفَاتِ بِسُرْعَةٍ لَا تَسْمَحُ لِلدُّوَلِ بِالاكْتِفَاءِ بِالمُرَاقَبَةِ أَوِ الاِنْتِظَارِ. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ البِيئَةِ، يُصْبِحُ الحُضُورُ القِيَادِيُّ أَدَاةً مِنْ أَدَوَاتِ حِمَايَةِ المَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ، وَتَثْبِيتِ المَوْقِفِ، وَتَوْسِيعِ دَائِرَةِ التَّأْثِيرِ. لَكِنَّ السِّيَاسَةَ الخَارِجِيَّةَ لَا تُقَاسُ بِالصُّوَرِ وَالاجْتِمَاعَاتِ، كَمَا أَنَّ العَمَلَ الدَّاخِلِيَّ لَا يُقَاسُ بِكَثْرَةِ الزِّيَارَاتِ المَيْدَانِيَّةِ.
المِحَكُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ تَتَرْجَمُ الرِّسَالَةُ إِلَى سِيَاسَةٍ؟ وَهَلْ تَتَحَوَّلُ التَّوْجِيهَاتُ إِلَى خُطَطٍ؟ وَهَلْ تَتَحَوَّلُ الخُطَطُ إِلَى مَشَارِيعَ؟ وَالأَهَمُّ: هَلْ تَصِلُ النَّتَائِجُ إِلَى النَّاسِ؟ هُنَا تَبْدَأُ المَسَافَةُ الحَقِيقِيَّةُ بَيْنَ الحُضُورِ وَالإِنْجَازِ. فَالقِيَادَةُ قَدْ تَضَعُ الأَوْلَوِيَّاتِ وَتَرْسُمُ الاتِّجَاهَ، لَكِنَّ تَحْوِيلَ هَذِهِ الأَوْلَوِيَّاتِ إِلَى مَخْرَجَاتٍ مَلْمُوسَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى جِهَازٍ تَنْفِيذِيٍّ قَادِرٍ، وَإِدَارَةٍ تَمْلِكُ سُرْعَةَ الاسْتِجَابَةِ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تَعْمَلُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، وَمُؤَشِّرَاتٍ تُقِيسُ مَا تَحَقَّقَ لَا مَا قِيلَ إِنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ. وَهُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الفَرْقِ بَيْنَ «الحَرَاكِ» وَ«الأَثَرِ». فَقَدْ يَكُونُ الحَرَاكُ كَبِيرًا، وَتَكُونُ الأَجِنْدَةُ مُمْتَلِئَةً بِاللِّقَاءَاتِ وَالزِّيَارَاتِ وَالمُبَاحَثَاتِ، وَلَكِنَّ الأَثَرَ يَظَلُّ ضَعِيفًا إِذَا لَمْ تَتَحَوَّلْ تِلْكَ الحَرَكَةُ إِلَى قَرَارَاتٍ وَمَسَارَاتٍ تَنْفِيذِيَّةٍ وَجَدَاوِلَ زَمَنِيَّةٍ وَمَسْؤُولِيَّاتٍ وَاضِحَةٍ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ أَيَّ قِرَاءَةٍ جَادَّةٍ لِلتَّحَرُّكَاتِ المَلَكِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَجَاوَزَ مَنْطِقَ «مَاذَا قَالَ المَلِكُ؟» إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ: «مَاذَا سَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ؟».
فَالقِيمَةُ السِّيَاسِيَّةُ لِلتَّوْجِيهِ تَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْرِيكِ المَنْظُومَةِ، وَالقِيمَةُ الإِدَارِيَّةُ لِلْقَرَارِ تَظْهَرُ فِي سُرْعَةِ تَنْفِيذِهِ، وَالقِيمَةُ الوَطَنِيَّةُ لِلإِنْجَازِ تُقَاسُ بِمَا يَصِلُ إِلَى المُوَاطِنِ مِنْ خِدْمَةٍ وَفُرْصَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَتَحَسُّنٍ فِي نَوْعِيَّةِ الحَيَاةِ. وَلَعَلَّ مِنْ أَهَمِّ مَا يُمَيِّزُ الحُضُورَ المَلَكِيَّ فِي المَشْهَدِ الأُرْدُنِيِّ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ فِي مَسَاحَةٍ وَاسِعَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ. فَفِي الخَارِجِ، يَحْضُرُ الأُرْدُنُّ بِمَوَاقِفِهِ وَمَصَالِحِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِقَضَايَا المِنْطَقَةِ، وَفِي الدَّاخِلِ، يَتَابَعُ المَلِكُ مَلَفَّاتٍ تَمَسُّ التَّنْمِيَةَ وَالاقْتِصَادَ وَالتَّعْلِيمَ وَالصِّحَّةَ وَالخِدْمَاتِ وَتَحْسِينَ بِيئَةِ الاِسْتِثْمَارِ. وَبَيْنَ المَسَارَيْنِ تَبْقَى القَاعِدَةُ نَفْسُهَا: الحُضُورُ يَكْتَسِبُ مَعْنَاهُ عِنْدَمَا يُسْهِمُ فِي صِنَاعَةِ نَتِيجَةٍ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَقَدَّمُ مَسْأَلَةُ المُتَابَعَةِ إِلَى وَاجِهَةِ المَشْهَدِ. فَالتَّوْجِيهُ القِيَادِيُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نِهَايَةَ المَسَارِ، بَلْ بَدَايَةً لِدَوْرَةٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ مِنَ العَمَلِ: تَحْدِيدُ المَسْؤُولِيَّةِ، وَوَضْعُ الجَدْوَلِ الزَّمَنِيِّ، وَتَوْفِيرُ المَوَارِدِ، وَرَصْدُ التَّقَدُّمِ، وَمُعَالَجَةُ العَقَبَاتِ، ثُمَّ قِيَاسُ الأَثَرِ. وَهَذَا هُوَ المِعْيَارُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَّجِهَ إِلَيْهِ الثَّقَافَةُ العَامَّةُ فِي قِرَاءَةِ الأَدَاءِ الحُكُومِيِّ: لَا نُرِيدُ مُجَرَّدَ مَشَاهِدَ حُضُورٍ، بَلْ نُرِيدُ حُضُورًا يُحَرِّكُ الإِنْجَازَ؛ وَلَا نُرِيدُ مُجَرَّدَ قَرَارَاتٍ، بَلْ قَرَارَاتٍ تَصِلُ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّنْفِيذِ؛
وَلَا نُرِيدُ مُجَرَّدَ مَشَارِيعَ، بَلْ مَشَارِيعَ تُغَيِّرُ حَيَاةَ النَّاسِ. إِنَّ التَّحَرُّكَ المَلَكِيَّ يَكْتَسِبُ قُوَّتَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى وَضْعِ القَضِيَّةِ فِي مَوْضِعِهَا الصَّحِيحِ، وَتَحْدِيدِ الأَوْلَوِيَّةِ، وَإِرْسَالِ رِسَالَةٍ وَاضِحَةٍ إِلَى مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ. لَكِنَّ هَذِهِ القُوَّةَ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا عِنْدَمَا تَلْتَقِي بِقُوَّةٍ تَنْفِيذِيَّةٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَوِّلَ التَّوْجِيهَ إِلَى عَمَلٍ، وَالعَمَلَ إِلَى نَتِيجَةٍ، وَالنَّتِيجَةَ إِلَى أَثَرٍ مُسْتَدَامٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ تَحَرُّكَاتِ المَلِكِ، فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ دَوْرِ القِيَادَةِ فِي ظَرْفٍ دَاخِلِيٍّ وَإِقْلِيمِيٍّ مُتَحَرِّكٍ، بَلْ عَنْ قُدْرَةِ مَنْظُومَةِ الدَّوْلَةِ عَلَى اسْتِثْمَارِ هَذَا الحُضُورِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى مُنْجَزٍ.
فَالقِيَادَةُ تَرْسُمُ الاِتِّجَاهَ، وَالحُكُومَةُ تُحَوِّلُهُ إِلَى بَرَامِجَ، وَالمُؤَسَّسَاتُ تُنَفِّذُ، وَالرَّقَابَةُ تَقِيسُ، وَالمُوَاطِنُ يَحْكُمُ فِي النِّهَايَةِ عَلَى النَّتِيجَةِ. وَإِذَا كَانَ الحُضُورُ المَلَكِيُّ يَصْنَعُ زَخَمًا، فَإِنَّ الإِنْجَازَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُ هَذَا الزَّخَمَ إِلَى آخِرِ الطَّرِيقِ. وَهُنَا تَكْمُنُ المَسْؤُولِيَّةُ الأَكْبَرُ لِلْجِهَازِ التَّنْفِيذِيِّ: أَلَّا تَبْقَى التَّوْجِيهَاتُ فِي مَرْحَلَةِ العُنْوَانِ، وَأَلَّا تَظَلَّ المَشَارِيعُ فِي مَرْحَلَةِ الوَعْدِ، وَأَلَّا تَتَحَوَّلَ المُتَابَعَةُ إِلَى مُجَرَّدِ تَقَارِيرَ دَوْرِيَّةٍ.
فَالأُرْدُنُّ، وَهُوَ يَمْضِي فِي مَسَارَاتِ التَّحْدِيثِ السِّيَاسِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ وَالإِدَارِيِّ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الشِّعَارَاتِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ إِلَى تَسَارُعِ دَوْرَةِ الإِنْجَازِ، وَتَقْلِيلِ الفَجْوَةِ بَيْنَ القَرَارِ وَالتَّنْفِيذِ، وَبَيْنَ المَشْرُوعِ وَالنَّتِيجَةِ، وَبَيْنَ النَّتِيجَةِ وَالأَثَرِ. وَفِي الخُلَاصَةِ، لَيْسَتْ قِيمَةُ الحُضُورِ فِي أَنْ يُرَى فَقَطْ، بَلْ فِي أَنْ يُحَرِّكَ؛ وَلَيْسَتْ قِيمَةُ التَّوْجِيهِ فِي أَنْ يُقَالَ، بَلْ فِي أَنْ يُنَفَّذَ؛ وَلَيْسَتْ قِيمَةُ الإِنْجَازِ فِي أَنْ يُسَجَّلَ، بَلْ فِي أَنْ يُلْمَسَ. وَبَيْنَ حُضُورِ المَلِكِ وَإِنْجَازِ الدَّوْلَةِ تَقَعُ المَسَاحَةُ الأَهَمُّ: مَسَاحَةُ المَسْؤُولِيَّةِ وَالتَّنْفِيذِ وَالمُتَابَعَةِ.
وَهِيَ المَسَاحَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَضِيقَ كُلَّمَا تَقَدَّمَتِ الخُطَطُ وَتَعَدَّدَتِ المَشَارِيعُ وَارْتَفَعَتْ تَوَقُّعَاتُ المُوَاطِنِينَ. فَالحُضُورُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي إِلَى إِنْجَازٍ يَبْقَى مَشْهَدًا، وَالإِنْجَازُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى المُوَاطِنِ يَبْقَى رَقْمًا، أَمَّا عِنْدَمَا يَلْتَقِي الحُضُورُ بِالإِنْجَازِ، فَهُنَا تَتَحَوَّلُ القِيَادَةُ إِلَى أَثَرٍ، وَيَتَحَوَّلُ الأَثَرُ إِلَى ثِقَةٍ، وَتَتَحَوَّلُ الثِّقَةُ إِلَى قُوَّةٍ وَطَنِيَّةٍ تُقَرِّبُ الدَّوْلَةَ مِنْ أَهْدَافِهَا، وَالمُوَاطِنَ مِنْ تَطَلُّعَاتِهِ.
وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ السُّؤَالُ الأَهَمُّ: أَيْنَ يَلْتَقِي الحُضُورُ بِالإِنْجَازِ؟ وَمَتَى يَتَحَوَّلُ الحُضُورُ المَلَكِيُّ مِنْ رِسَالَةٍ سِيَاسِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ إِلَى دَافِعٍ عَمَلِيٍّ يَنْعَكِسُ عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ؟ إِنَّ تَحَرُّكَاتِ جَلَالَةِ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي تَأْتِي فِي سِيَاقٍ إِقْلِيمِيٍّ وَدَوْلِيٍّ شَدِيدِ التَّعْقِيدِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الأَزْمَاتُ السِّيَاسِيَّةُ وَالأَمْنِيَّةُ وَالاقْتِصَادِيَّةُ، وَتَتَغَيَّرُ مَوَازِينُ القُوَّةِ وَالتَّحَالُفَاتِ بِسُرْعَةٍ لَا تَسْمَحُ لِلدُّوَلِ بِالاكْتِفَاءِ بِالمُرَاقَبَةِ أَوِ الاِنْتِظَارِ. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ البِيئَةِ، يُصْبِحُ الحُضُورُ القِيَادِيُّ أَدَاةً مِنْ أَدَوَاتِ حِمَايَةِ المَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ، وَتَثْبِيتِ المَوْقِفِ، وَتَوْسِيعِ دَائِرَةِ التَّأْثِيرِ. لَكِنَّ السِّيَاسَةَ الخَارِجِيَّةَ لَا تُقَاسُ بِالصُّوَرِ وَالاجْتِمَاعَاتِ، كَمَا أَنَّ العَمَلَ الدَّاخِلِيَّ لَا يُقَاسُ بِكَثْرَةِ الزِّيَارَاتِ المَيْدَانِيَّةِ.
المِحَكُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ تَتَرْجَمُ الرِّسَالَةُ إِلَى سِيَاسَةٍ؟ وَهَلْ تَتَحَوَّلُ التَّوْجِيهَاتُ إِلَى خُطَطٍ؟ وَهَلْ تَتَحَوَّلُ الخُطَطُ إِلَى مَشَارِيعَ؟ وَالأَهَمُّ: هَلْ تَصِلُ النَّتَائِجُ إِلَى النَّاسِ؟ هُنَا تَبْدَأُ المَسَافَةُ الحَقِيقِيَّةُ بَيْنَ الحُضُورِ وَالإِنْجَازِ. فَالقِيَادَةُ قَدْ تَضَعُ الأَوْلَوِيَّاتِ وَتَرْسُمُ الاتِّجَاهَ، لَكِنَّ تَحْوِيلَ هَذِهِ الأَوْلَوِيَّاتِ إِلَى مَخْرَجَاتٍ مَلْمُوسَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى جِهَازٍ تَنْفِيذِيٍّ قَادِرٍ، وَإِدَارَةٍ تَمْلِكُ سُرْعَةَ الاسْتِجَابَةِ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تَعْمَلُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، وَمُؤَشِّرَاتٍ تُقِيسُ مَا تَحَقَّقَ لَا مَا قِيلَ إِنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ. وَهُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الفَرْقِ بَيْنَ «الحَرَاكِ» وَ«الأَثَرِ». فَقَدْ يَكُونُ الحَرَاكُ كَبِيرًا، وَتَكُونُ الأَجِنْدَةُ مُمْتَلِئَةً بِاللِّقَاءَاتِ وَالزِّيَارَاتِ وَالمُبَاحَثَاتِ، وَلَكِنَّ الأَثَرَ يَظَلُّ ضَعِيفًا إِذَا لَمْ تَتَحَوَّلْ تِلْكَ الحَرَكَةُ إِلَى قَرَارَاتٍ وَمَسَارَاتٍ تَنْفِيذِيَّةٍ وَجَدَاوِلَ زَمَنِيَّةٍ وَمَسْؤُولِيَّاتٍ وَاضِحَةٍ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ أَيَّ قِرَاءَةٍ جَادَّةٍ لِلتَّحَرُّكَاتِ المَلَكِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَجَاوَزَ مَنْطِقَ «مَاذَا قَالَ المَلِكُ؟» إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ: «مَاذَا سَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ؟».
فَالقِيمَةُ السِّيَاسِيَّةُ لِلتَّوْجِيهِ تَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْرِيكِ المَنْظُومَةِ، وَالقِيمَةُ الإِدَارِيَّةُ لِلْقَرَارِ تَظْهَرُ فِي سُرْعَةِ تَنْفِيذِهِ، وَالقِيمَةُ الوَطَنِيَّةُ لِلإِنْجَازِ تُقَاسُ بِمَا يَصِلُ إِلَى المُوَاطِنِ مِنْ خِدْمَةٍ وَفُرْصَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَتَحَسُّنٍ فِي نَوْعِيَّةِ الحَيَاةِ. وَلَعَلَّ مِنْ أَهَمِّ مَا يُمَيِّزُ الحُضُورَ المَلَكِيَّ فِي المَشْهَدِ الأُرْدُنِيِّ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ فِي مَسَاحَةٍ وَاسِعَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ. فَفِي الخَارِجِ، يَحْضُرُ الأُرْدُنُّ بِمَوَاقِفِهِ وَمَصَالِحِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِقَضَايَا المِنْطَقَةِ، وَفِي الدَّاخِلِ، يَتَابَعُ المَلِكُ مَلَفَّاتٍ تَمَسُّ التَّنْمِيَةَ وَالاقْتِصَادَ وَالتَّعْلِيمَ وَالصِّحَّةَ وَالخِدْمَاتِ وَتَحْسِينَ بِيئَةِ الاِسْتِثْمَارِ. وَبَيْنَ المَسَارَيْنِ تَبْقَى القَاعِدَةُ نَفْسُهَا: الحُضُورُ يَكْتَسِبُ مَعْنَاهُ عِنْدَمَا يُسْهِمُ فِي صِنَاعَةِ نَتِيجَةٍ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَقَدَّمُ مَسْأَلَةُ المُتَابَعَةِ إِلَى وَاجِهَةِ المَشْهَدِ. فَالتَّوْجِيهُ القِيَادِيُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نِهَايَةَ المَسَارِ، بَلْ بَدَايَةً لِدَوْرَةٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ مِنَ العَمَلِ: تَحْدِيدُ المَسْؤُولِيَّةِ، وَوَضْعُ الجَدْوَلِ الزَّمَنِيِّ، وَتَوْفِيرُ المَوَارِدِ، وَرَصْدُ التَّقَدُّمِ، وَمُعَالَجَةُ العَقَبَاتِ، ثُمَّ قِيَاسُ الأَثَرِ. وَهَذَا هُوَ المِعْيَارُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَّجِهَ إِلَيْهِ الثَّقَافَةُ العَامَّةُ فِي قِرَاءَةِ الأَدَاءِ الحُكُومِيِّ: لَا نُرِيدُ مُجَرَّدَ مَشَاهِدَ حُضُورٍ، بَلْ نُرِيدُ حُضُورًا يُحَرِّكُ الإِنْجَازَ؛ وَلَا نُرِيدُ مُجَرَّدَ قَرَارَاتٍ، بَلْ قَرَارَاتٍ تَصِلُ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّنْفِيذِ؛
وَلَا نُرِيدُ مُجَرَّدَ مَشَارِيعَ، بَلْ مَشَارِيعَ تُغَيِّرُ حَيَاةَ النَّاسِ. إِنَّ التَّحَرُّكَ المَلَكِيَّ يَكْتَسِبُ قُوَّتَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى وَضْعِ القَضِيَّةِ فِي مَوْضِعِهَا الصَّحِيحِ، وَتَحْدِيدِ الأَوْلَوِيَّةِ، وَإِرْسَالِ رِسَالَةٍ وَاضِحَةٍ إِلَى مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ. لَكِنَّ هَذِهِ القُوَّةَ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا عِنْدَمَا تَلْتَقِي بِقُوَّةٍ تَنْفِيذِيَّةٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَوِّلَ التَّوْجِيهَ إِلَى عَمَلٍ، وَالعَمَلَ إِلَى نَتِيجَةٍ، وَالنَّتِيجَةَ إِلَى أَثَرٍ مُسْتَدَامٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ تَحَرُّكَاتِ المَلِكِ، فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ دَوْرِ القِيَادَةِ فِي ظَرْفٍ دَاخِلِيٍّ وَإِقْلِيمِيٍّ مُتَحَرِّكٍ، بَلْ عَنْ قُدْرَةِ مَنْظُومَةِ الدَّوْلَةِ عَلَى اسْتِثْمَارِ هَذَا الحُضُورِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى مُنْجَزٍ.
فَالقِيَادَةُ تَرْسُمُ الاِتِّجَاهَ، وَالحُكُومَةُ تُحَوِّلُهُ إِلَى بَرَامِجَ، وَالمُؤَسَّسَاتُ تُنَفِّذُ، وَالرَّقَابَةُ تَقِيسُ، وَالمُوَاطِنُ يَحْكُمُ فِي النِّهَايَةِ عَلَى النَّتِيجَةِ. وَإِذَا كَانَ الحُضُورُ المَلَكِيُّ يَصْنَعُ زَخَمًا، فَإِنَّ الإِنْجَازَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُ هَذَا الزَّخَمَ إِلَى آخِرِ الطَّرِيقِ. وَهُنَا تَكْمُنُ المَسْؤُولِيَّةُ الأَكْبَرُ لِلْجِهَازِ التَّنْفِيذِيِّ: أَلَّا تَبْقَى التَّوْجِيهَاتُ فِي مَرْحَلَةِ العُنْوَانِ، وَأَلَّا تَظَلَّ المَشَارِيعُ فِي مَرْحَلَةِ الوَعْدِ، وَأَلَّا تَتَحَوَّلَ المُتَابَعَةُ إِلَى مُجَرَّدِ تَقَارِيرَ دَوْرِيَّةٍ.
فَالأُرْدُنُّ، وَهُوَ يَمْضِي فِي مَسَارَاتِ التَّحْدِيثِ السِّيَاسِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ وَالإِدَارِيِّ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الشِّعَارَاتِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ إِلَى تَسَارُعِ دَوْرَةِ الإِنْجَازِ، وَتَقْلِيلِ الفَجْوَةِ بَيْنَ القَرَارِ وَالتَّنْفِيذِ، وَبَيْنَ المَشْرُوعِ وَالنَّتِيجَةِ، وَبَيْنَ النَّتِيجَةِ وَالأَثَرِ. وَفِي الخُلَاصَةِ، لَيْسَتْ قِيمَةُ الحُضُورِ فِي أَنْ يُرَى فَقَطْ، بَلْ فِي أَنْ يُحَرِّكَ؛ وَلَيْسَتْ قِيمَةُ التَّوْجِيهِ فِي أَنْ يُقَالَ، بَلْ فِي أَنْ يُنَفَّذَ؛ وَلَيْسَتْ قِيمَةُ الإِنْجَازِ فِي أَنْ يُسَجَّلَ، بَلْ فِي أَنْ يُلْمَسَ. وَبَيْنَ حُضُورِ المَلِكِ وَإِنْجَازِ الدَّوْلَةِ تَقَعُ المَسَاحَةُ الأَهَمُّ: مَسَاحَةُ المَسْؤُولِيَّةِ وَالتَّنْفِيذِ وَالمُتَابَعَةِ.
وَهِيَ المَسَاحَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَضِيقَ كُلَّمَا تَقَدَّمَتِ الخُطَطُ وَتَعَدَّدَتِ المَشَارِيعُ وَارْتَفَعَتْ تَوَقُّعَاتُ المُوَاطِنِينَ. فَالحُضُورُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي إِلَى إِنْجَازٍ يَبْقَى مَشْهَدًا، وَالإِنْجَازُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى المُوَاطِنِ يَبْقَى رَقْمًا، أَمَّا عِنْدَمَا يَلْتَقِي الحُضُورُ بِالإِنْجَازِ، فَهُنَا تَتَحَوَّلُ القِيَادَةُ إِلَى أَثَرٍ، وَيَتَحَوَّلُ الأَثَرُ إِلَى ثِقَةٍ، وَتَتَحَوَّلُ الثِّقَةُ إِلَى قُوَّةٍ وَطَنِيَّةٍ تُقَرِّبُ الدَّوْلَةَ مِنْ أَهْدَافِهَا، وَالمُوَاطِنَ مِنْ تَطَلُّعَاتِهِ.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات