بتول عدنان الملكاوي تكتب: ماذا لو أصبح الوقت المهدور في الأردن ثروةً وطنية قابلة للاستثمار؟

منذ 7 ساعات
المشاهدات : 31043
بتول عدنان الملكاوي تكتب: ماذا لو أصبح الوقت المهدور في الأردن ثروةً وطنية قابلة للاستثمار؟
بتول عدنان الملكاوي

بتول عدنان الملكاوي

ماذا لو أصبح الوقت المهدور في الأردن ثروةً وطنية قابلة للاستثمار؟ بقلم: بتول عدنان عمر الملكاوي شاعرة وإعلامية أردنية ليست كل الخسائر الاقتصادية أموالًا تُنفق، وليست كل الثروات أموالًا تُحصّل.



فهناك ثروة لا تظهر في الموازنات، ولا تُدرج في التقارير المالية، ولا تُقاس بحجم الإيرادات أو النفقات، مع أنها تمسّ حياة المواطنين وقدرة المؤسسات على الإنتاج؛ إنها الوقت.


كم ساعة يقضيها مواطن في مراجعة أكثر من جهة لإنجاز معاملة واحدة؟ وكم يومًا تخسر فيه منشأة صغيرة بسبب تأخر إجراء إداري؟ وكم فرصة عمل أو مشروعًا أو فكرة تتأجل لأن الطريق إلى إنجازها أطول مما ينبغي؟ هذه الأسئلة ليست دعوة إلى اختزال كل تأخير في تقصير إداري، فبعض الإجراءات ضروري لحماية الحقوق وضمان العدالة.


لكنها تفتح بابًا يستحق أن يدخل إلى النقاش الاقتصادي الأردني: ماذا لو تعاملنا مع الوقت الذي تستهلكه الإجراءات والخدمات بوصفه موردًا وطنيًا يجب قياسه، وحمايته، واسترداد ما يمكن استرداده منه؟ من رقمنة الخدمات إلى استرداد وقت الإنسان قطع الأردن خطوات في مسار التحول الرقمي، ولم يعد الحديث عن الخدمات الإلكترونية فكرة مستقبلية. فقد أعلنت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أن نتيجة المملكة في مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة ارتفعت من 63% في عام 2024 إلى 71% في عام 2025، وفق المؤشر الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا».


هذا تقدم مهم، لكنه يدفعنا إلى طرح سؤال جديد: هل نقيس نجاح الخدمة بعدد الإجراءات التي أصبحت إلكترونية فقط، أم بمقدار الوقت والجهد اللذين وفّرتهما فعليًا على المواطن وصاحب العمل؟ فالخدمة قد تنتقل من النافذة الورقية إلى الشاشة، بينما تبقى خطواتها معقدة، أو تتطلب مراجعات إضافية، أو تستدعي تقديم معلومات سبق أن قدمها المستفيد لجهة حكومية أخرى. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في تقريرها Digital Government Outlook 2026، إلى أن قياس الوقت والجهد والتكاليف التي تتحملها فئات المجتمع عند استخدام الخدمات العامة ما يزال غير موحّد في معظم دول المنظمة؛ إذ أفادت 10 دول فقط من أصل 36 بوجود آليات أو إرشادات موحّدة لقياس هذه الأعباء. وهنا تكمن الفرصة: أن ينتقل الأردن من قياس مدى رقمنة الخدمة إلى قياس قيمتها الفعلية في حياة الناس، وأن يجعل الوقت المستردّ أحد مؤشرات نجاح التحديث الإداري والاقتصادي. مقترح وطني: «مؤشر الوقت المستردّ» أقترح إطلاق برنامج وطني تجريبي تحت اسم «مؤشر الوقت المستردّ»، يهدف إلى قياس الزمن الذي يحتاج إليه المواطن أو المستثمر أو صاحب المنشأة لإنجاز الخدمات الأساسية، ثم تحديد الإجراءات التي تستهلك وقتًا يمكن توفيره دون المساس بالقانون أو جودة الخدمة. لا يحتاج هذا المقترح إلى إنشاء مؤسسة حكومية جديدة بالضرورة؛ بل يمكن أن تتولاه الجهات القائمة المعنية بتحديث القطاع العام والخدمات الحكومية، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ومؤسسات القطاع الخاص، والجامعات، وممثلي المستفيدين. ويبدأ البرنامج بثلاثة مسارات عملية: أولًا: قياس رحلة المستفيد كاملة. بدلًا من الاكتفاء بقياس المدة التي تستغرقها المعاملة داخل المؤسسة، يجري قياس الرحلة من بدايتها إلى نهايتها: الوقت اللازم لمعرفة المتطلبات، وتجهيز الوثائق، وتقديم الطلب، وانتظار الرد، واستكمال النواقص، والحصول على النتيجة النهائية. ويشمل ذلك عدد المراجعات، والوثائق المتكررة، والخطوات التي يمكن دمجها أو إلغاؤها، مع مراعاة اختلاف الحالات القانونية والفنية. ثانيًا: نشر بطاقة أداء زمنية للخدمات. تُتاح للمواطن معلومات واضحة عن متوسط مدة إنجاز الخدمة، والمدة المستهدفة، ونسبة الطلبات المنجزة ضمن الوقت المعلن، وأسباب التأخير المتكرر. ولا ينبغي أن تتحول هذه البطاقة إلى ترتيب شكلي للمؤسسات؛ بل إلى أداة تكشف مواطن الخلل وتساعد على معالجته، مع نشر النتائج بطريقة مفهومة ومتاحة للجميع، وحماية البيانات الشخصية. ثالثًا: تحويل الوقت المستردّ إلى نتائج قابلة للقياس. عندما تنجح مؤسسة في تقليل خطوات خدمة معينة، يجب ألا ينتهي النجاح عند إعلان انخفاض مدة المعاملة. بل ينبغي قياس ما ترتب عليه من نتائج: انخفاض كلفة المراجعات، وتراجع الوقت الذي يضطر أصحاب الأعمال إلى تخصيصه للمتابعة، وتحسن قدرة الموظفين على إنجاز أعمال أخرى، وارتفاع رضا المستفيدين. بهذا يصبح الوقت المستردّ مؤشرًا للأداء، لا مجرد رقم يُذكر في تقرير سنوي. كيف تتحول الساعات إلى قيمة اقتصادية؟ لنفترض، على سبيل المثال التوضيحي لا الإحصائي، أن خدمة تستخدمها عشرة آلاف منشأة سنويًا تتطلب من كل منشأة ست ساعات من العمل والمتابعة، وأن إعادة تصميمها خفّضت العبء إلى ساعتين. هذا يعني استرداد أربعين ألف ساعة سنويًا من وقت أصحاب المنشآت والعاملين فيها. لكن القيمة الاقتصادية لا تُحسب بضرب الساعات في أجر افتراضي ثم اعتبار الناتج وفرًا نقديًا مؤكدًا؛ فجزء من الوقت قد يُستخدم في أعمال أخرى، وقد لا يتحول كله إلى إنتاج إضافي. لذلك ينبغي قياس الاستخدام الفعلي للوقت المستردّ، والتكاليف التي انخفضت، والنتائج التي تحققت. ومع ذلك، فإن المثال يوضح كيف يمكن لتعديل إجرائي واحد أن يترك أثرًا يتجاوز حدود المؤسسة التي نفذته، خصوصًا عندما تتكرر الخدمة على نطاق واسع. ويمكن تطبيق المنهج نفسه على إجراءات تأسيس المنشآت، وتجديد التراخيص، والخدمات التي تتطلب التنسيق بين أكثر من جهة، شريطة اختيار الخدمات المناسبة لكل تجربة. أما المواطن، فلا ينبغي أن تُقاس الفائدة التي حصل عليها بالدقائق وحدها؛ فقد تعني له مراجعة أقل أجرة نقل موفّرة، ويوم عمل لم يخسره، وقدرة أكبر على رعاية أسرته أو متابعة تعليمه أو تطوير مهاراته. من الوقت المستردّ إلى فرص جديدة يمكن أن يتجاوز أثر البرنامج تحسين الخدمات إلى إعادة التفكير في طريقة استثمار القدرات البشرية. فإذا انخفضت الأعمال الروتينية المتكررة داخل المؤسسات، وأُعيد تصميم الإجراءات بفاعلية، فقد يصبح بالإمكان توجيه جزء من الجهد الوظيفي إلى مهام أكثر قيمة، مثل معالجة الطلبات المعقدة، وتحسين جودة الخدمة، والتواصل مع المستفيدين، وتحليل البيانات، وتطوير الحلول. وهنا يجب التمييز بين توفير الوقت وإلغاء الوظائف؛ فالهدف ليس تقليص فرص العمل، بل رفع قيمة العمل نفسه. كما أن إدخال التكنولوجيا لا ينبغي أن يحرم كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو من يواجهون صعوبة في استخدام الخدمات الرقمية من حقهم في الحصول على الخدمة بسهولة. لذلك يجب أن يصاحب البرنامج مسارٌ لتطوير مهارات الموظفين، وقنوات مساعدة بشرية، وقياس مدى استفادة الفئات المختلفة، حتى لا تتحول الكفاءة الرقمية إلى عبء جديد على من يحتاجون إلى الدعم. ويمكن للجامعات الأردنية أن تؤدي دورًا عمليًا في هذا المشروع من خلال فرق بحثية تدرس رحلات المستفيدين، وتحلل أسباب التأخير، وتقترح إعادة تصميم الإجراءات، ثم تقيس أثر التعديلات بعد تطبيقها. وبهذا تتصل المعرفة الأكاديمية بمشكلات حقيقية، وتتاح للطلبة فرصة المشاركة في تطوير حلول قابلة للتطبيق. كيف نبدأ دون إنشاء أعباء جديدة؟ لا يحتاج الأردن إلى إطلاق مشروع ضخم دفعة واحدة لإثبات جدوى الفكرة. يمكن البدء بمرحلة تجريبية تمتد ستة أشهر، تُختار فيها مجموعة محدودة من الخدمات وفق معايير واضحة، منها كثرة الاستخدام، وتعدد الخطوات، وتكرار الشكاوى المتعلقة بالمدة، وإمكانية قياس النتائج. في الشهر الأول، تُجمع بيانات خط الأساس وتُرسم رحلة المستفيد لكل خدمة. وفي الشهرين الثاني والثالث، تُحدّد الخطوات غير الضرورية أو المتكررة، وتُراجع المتطلبات التي يمكن تبسيطها ضمن الأطر القانونية. ثم تُطبّق التحسينات خلال الشهرين الرابع والخامس، قبل تخصيص الشهر السادس لتقييم النتائج ونشر تقرير مستقل يوضح ما تحقق وما لم يتحقق. ويجب أن تتضمن التجربة مؤشرات محددة مسبقًا، مثل متوسط زمن الإنجاز، وعدد المراجعات المطلوبة، ونسبة الطلبات المكتملة من المرة الأولى، وكلفة الحصول على الخدمة، ورضا المستفيدين، ومدى سهولة الوصول إليها. بعد ذلك، يُتخذ قرار التوسع بناءً على الأدلة، لا على الانطباعات أو الوعود. وإذا لم تحقق خدمة ما تحسنًا حقيقيًا، تُراجع أسباب الإخفاق بدل تقديمها بوصفها قصة نجاح. أما التمويل، فيمكن أن يعتمد في البداية على الموارد المتاحة ضمن برامج تحديث الخدمات، وعلى إعادة ترتيب الأولويات، بدل افتراض الحاجة إلى موازنة مستقلة أو نظام تقني مكلف قبل إثبات الجدوى. الثروة التي تبدأ من احترام الإنسان لا يُقاس تقدم الدول بحجم ما تنفقه على التطوير وحده، بل بقدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى تغيير يشعر به الناس في حياتهم اليومية. وقد تنجح مؤسسة في رقمنة جميع معاملاتها، لكنها لن تحقق التحول الذي نريده إذا بقي المستفيد يواجه الخطوات نفسها في صورة إلكترونية. وقد تنجز جهة عددًا كبيرًا من الطلبات، لكنها لا تكون قد حققت الكفاءة الكاملة إذا كان الوصول إلى الخدمة يتطلب وقتًا وجهدًا لا يتناسبان مع طبيعتها. لهذا، فإن «مؤشر الوقت المستردّ» ليس بديلًا عن التحول الرقمي أو تحديث القطاع العام، بل مقترح لاستكمالهما من زاوية تضع وقت الإنسان في قلب التقييم. والسؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس فقط: كم خدمة رقمنّا؟ بل أيضًا: كم ساعة استطعنا أن نعيدها إلى حياة الناس؟ وكم عبئًا أزلنا عن أصحاب الأعمال؟ وكم فرصة أتحناها لأن يصبح الوقت الذي كان يُستهلك في الانتظار وقتًا يُستثمر في الإنتاج والتعلم والعمل؟ فربما لا يحتاج الاقتصاد الأردني إلى موارد جديدة في كل مرة؛ ربما يحتاج، إلى جانب ذلك، إلى أن يتوقف عن إهدار بعض الموارد التي يملكها بالفعل. وأولها وقت الإنسان.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم