​م.صلاح طه عبيدات يكتب: "إسرائيل" بين صراع الجذور وجغرافيا الخوف

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9878
​م.صلاح طه عبيدات يكتب: "إسرائيل" بين صراع الجذور وجغرافيا الخوف
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

في عمق التاريخ الإنساني، لم تكن الأرض يوماً مجرد حيز جغرافي تُقاس أبعاده بالكيلومترات المربعة، ولا مجرد مساحة ترابية تُسَيَّرُ عليها دوريات الأمن وتُقام فوقها أبراج المراقبة. الأرض، في جوهرها الفلسفي، هي «المستقر الوجودي» الذي يتداخل فيه التراب بالذاكرة، وتصبح فيه السنون الممتدة في عمق الزمان شهادة ميلاد حية لا تُحذف بقرار، ولا تُستبدل بوثيقة.
​وعندما نتأمل المشهد الممتد على أرض فلسطين التاريخية، ونفكك بنيته العميقة بعيداً عن صخب الشعارات السياسية، نجد أنفسنا أمام مواجهة فلسفية ونفسية حاسمة بين مفهومين متناقضين تماماً للحضور الإنساني: فلسفة «الجذر والعقيدة» في مواجهة فلسفة «الوظيفة والأمن».
​أولاً: الفلسطيني.. كينونة «الذاكرة الحية» والمعنى المتجذر
​على هذه الأرض، يقف الفلسطيني متدثراً بثلاثية لا تقبل التجزئة: البيت القديم، شجرة الزيتون الضاربة في عمق التاريخ، والتوق الروحي الصافي.
​بالنسبة للفلسطيني، لم يكن القتال يوماً خياراً طارئاً أو مفاضلة بين نمطَي حياة، بل هو ضرب من «الدفاع عن أصل الوجود». إنه يقاتل لأنه لا يملك ترف "البديل"؛ فالأرض بالنسبة له ليست مشروعاً يمكن نقل رأس ماله إلى عاصمة أخرى، ولا هي شقة في مجمع حضري حديث يمكن التخلي عنها عند اندلاع الحريق. الأرض هنا هي الوالدة، والملاذ، والمدفن، والهوية التي إن شُلّت عناصرها سقط الإنسان في تيه العدم.
​هذا الانتماء الجذري يمنح العقل الجمعي الفلسطيني ما يمكن تسميته بـ «الصمود الأنثولوجي» (الوجودي)؛ حيث تتقاطع العقيدة الإيمانية مع الإرث التاريخي لتشكل درعاً نفسياً صالباً. في هذا المنظور، يتراجع الخوف من فقدان الرفاهية المادية أمام الخوف الأكبر من زوال المعنى. ولهذا السبب تحديداً، تحول المعاناة اليومية والكلفة الباهظة لدى أصحاب الأرض إلى وقود مضاعف للتمسك بالبقاء، فمن يقاتل من أجل ذاكرته وجذوره يرى في كل حجر على الأرض قطعة من روحه الذاتية.
​ثانياً: الإسرائيلي.. هشاشة «العَقْد الوظيفي» ومأزق الملاذ
​على الضفة الأخرى من هذا الصراع، يتشكل المجتمع الإسرائيلي كـ «تجمع هجرة حديث» قامت فلسفة وجوده على «وعد وظيفي» مبدئي: توفير الملجأ الآمن والمزدهر للشتات.
​غير أن هذا العقد التأسيسي يحمل في طياته بذور قلقه الفلسفي الخاص:
​الانتماء المشروط بالحماية: حين يغدو "الأمن" هو المبرر الأول والأساسي للبقاء، فإن أي اهتزاز مستدام في المنظومة الأمنية يتحول فوراً إلى "أزمة وجودية". بالنسبة للشرائح العلمانية، والنخب الاقتصادية، وأصحاب الكفاءات العالية، تصبح الدولة مجرد كيان يُقاس نجاحه بمدى قدرته على تقديم جودة الحياة والأمان. وحين يتآكل هذا الأمان تحت وطأة الحروب والاستنزاف، يبرز «جواز السفر الثاني» كخيار حقيقي، لتتحول الهجرة العكسية إلى فرار هادئ نحو مراكِز استقرار أخرى.
​شبح التمزق الداخلي: إن الانتماء في هذا الكيان ليس مساراً واحداً؛ فهو يتوزع بين يمين ديني يحاول استبدال العقد المدني بنبوءات غيبية واستيطان عقائدي، وبين شرائح حداثية ترى في هذا التحول تهديداً لنمط حياتها، فضلاً عن مجتمعات دينية متشددة (الحريديم) تعيش داخل الدولة وتقتات على ميزانياتها دون أن تعترف بالرموز القومية للكيان نفسه.
​إنها مفارقة فلسفية عميقة: كيف لكيان يمتلك أعتى أسلحة التكنولوجيا والردع العسكري، أن يظل مسكوناً بهشاشة هويته الداخلية، وبخوف دائم من غياب الأمان الذي بُني كل مشروعه عليه؟
​ثالثاً: حتمية التاريخ.. من ينتصر في حرب «النَفَس الوجودي»؟
​في المعارك العسكرية الحديثة، قد تحسم التكنولوجيا والسيطرة الجوية جولاتٍ ميدانية خاطفة. لكن في المدى التاريخي الطويل، تخضع الصراعات لقانون مختلف تماماً: قانون العاطفة الرابطة بين الإنسان وترابه.
​الإسرائيلي يخوض الحرب وهو يسأل نفسه: "هل نعيش هنا لنستمتع بالأمان، أم لنظل في ملجأ دائم يخيم عليه الخوف؟"
​بينما يخوضها الفلسطيني وهو يقينٌ بذاته: "أنا هنا لأنني كنت هنا بالأمس، وسأكون هنا غداً، لأن هذه الأرض هي أنا."
​وهنا تكمن النقطة المفصلية؛ فالأمن مفهوم طارئ يمكن أن يُفقد ويُسترد، ويمكن التفتيش عنه في شواطئ ومدن أخرى حول العالم. أما "الهوية التاريخية والعقيدة التجذرية" فمعطيات صلبة لا تقبل الترحيل، ولا تُستبدل بخيارات بديلة.
​
​إن العبرة الفلسفية الكبرى التي يستقر عليها هذا الصراع تتلخص في أن القوة القائمة على الخوف والأمن فقط هي قوة هشّة أمام الزمن؛ إذ يكفي أن تتهاوى خرافة الهدوء الدائم حتى تتفكك الرغبة في البقاء لدى مجتمع يُفكر بلغة "الخطة (ب)" والبحث عن الملاذات البديلة.
​أما المجتمعات التي تولدت من رحم الأرض، وعجنت هويتها بترابها عبر قرون طويلة، فإنها تتقن لغة الصبر الوجودي؛ لأنها تعلم يقيناً أن الغزاة، مهما تطاول بنيانهم وزادت جدرانهم، يظلون في نهاية المطاف طارئين على جغرافيا لا تعترف إلا بمن زرعها بشرط الحب، وأروى جذورها بدمه وذاكرته.
​ستظل الأرض تفضل دائماً من ينتمي إليها بـ «الروح والذاكرة»، على من يستخدمها كـ «درع وملاذ».
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم