ماهر البطوش يكتب: أموال الناس تحت ستار الاستثمار

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 10330
ماهر البطوش يكتب: أموال الناس تحت ستار الاستثمار
ماهر البطوش

ماهر البطوش

وراء كل مبلغ يُجمع من الناس حكاية تعب، ووراء كثير من المدخرات سنوات من العمل والحرمان وتأجيل الاحتياجات. فالمواطن الذي يضع أمواله في مشروع يَعِدُه بأرباح مغرية، لا يغامر برقم في حساب فحسب، بل يضع جزءاً من مستقبله ومستقبل أسرته بين أيدي الآخرين. وقد تكون تلك الأموال حصيلة عمر من العمل، أو مدخرات متقاعد يستند إليها في مواجهة أعباء الحياة، أو مبلغاً جمعته أسرة أملاً في تعليم أبنائها وتحسين ظروفها. وحين تُستغل هذه الآمال لاستقطاب أموال الناس، تتحول الثقة من أساس للتعامل إلى مدخل للخطر، ويصبح التحقق قبل تحويل المال ضرورة لا يجوز الاستهانة بها.

وفي سياق قراءتنا التحليلية لقانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 تبرز المادة (22) لتسلط الضوء على صور من الأنشطة المالية التي تُمارس عبر الوسائل الرقمية، وتستوجب المساءلة الجزائية متى تحققت شروط التجريم الواردة في النص. فالمسألة لم تعد محصورة في شركة معلومة المقر أو مكتب يستقبل المراجعين؛ إذ يمكن أن تبدأ بإعلان جذاب، أو صفحة إلكترونية احترافية، أو مجموعة تتناقل قصص الأرباح، أو محفظة إلكترونية تستقبل تحويلات أشخاص جمعتهم الرغبة في تنمية أموالهم.

وتتناول المادة أفعالاً تشمل الدعوة إلى المسابقات أو الترويج لها، وإنشاء المواقع الإلكترونية أو إدارتها أو الإشراف عليها، ونشر المعلومات عبر الوسائل الرقمية، وإدارة المحافظ الإلكترونية، إذا جرى ذلك بهدف تلقي الأموال من الجمهور أو جمعها بقصد استثمارها أو إدارتها أو توظيفها أو تنميتها دون الترخيص من الجهات المختصة في الأحوال التي يتطلب فيها القانون ذلك. ولا يعني هذا أن كل نشاط استثماري إلكتروني جريمة، أو أن استخدام المحفظة الإلكترونية بحد ذاته فعل مخالف؛ فالعبرة بتوافر الأفعال والشروط التي حددها القانون، ومدى مشروعية النشاط الذي تُستخدم تلك الوسائل لخدمته.

تخيّل أن إعلاناً يعد الناس بعوائد مرتفعة، ويعرض صوراً لأرباح مزعومة، ثم يدعوهم إلى تحويل أموالهم إلى محفظة إلكترونية. يبدأ أحدهم بمبلغ محدود، ثم يشجع أصدقاءه وأقاربه على المشاركة، وتتسع دائرة المحوّلين مع انتشار الإعلان وتزايد الثقة به. وبعد فترة يكتشف بعضهم أنهم لا يستطيعون استرداد أموالهم، وأن المظاهر التي أقنعتهم لم تكن دليلاً كافياً على سلامة النشاط. فعدد المتابعين ليس شهادة موثوقية، وتكرار الإعلان لا يجعله مشروعاً، وشهادات الأرباح المتداولة لا تغني عن التحقق من هوية الجهة ومشروعية عملها.

وقد قرر المشرّع للمخالفة التي تنطبق عليها المادة (22) الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (15000) خمسة عشر ألف دينار، فضلاً عن الحكم برد تلك الأموال. ويجمع الجزاء بذلك بين الحبس والغرامة والرد، بما يترتب عليه من مسؤولية جزائية والتزام مالي وفقاً للحكم. ورد الأموال هنا ليس تفصيلاً هامشياً؛ بل يرتبط مباشرة بالحقوق المالية التي يستهدف النص حمايتها، مع بقاء التنفيذ الفعلي للرد خاضعاً لظروف القضية وإجراءاتها.
لكن الوقاية لا تبدأ في قاعة المحكمة، بل قبل أن تضغط على زر التحويل. اسأل عن هوية الجهة التي تجمع الأموال، وتحقق من الترخيص الذي يتطلبه القانون لنشاطها لدى الجهة المختصة، ولا تجعل الوعود بأرباح سريعة أو الضغوط الزمنية سبباً للتسرع. وإذا ساورك الشك، فاحتفظ بالإعلانات والمراسلات وأسماء الحسابات وإيصالات التحويل، وأبلغ الجهات المختصة بدلاً من الاكتفاء بالتعليقات أو التحذيرات على منصات التواصل.

إن أهمية المادة (22) لا تقف عند حدود العقوبات التي تقررها، بل تمتد إلى ترسيخ الوعي بأن حماية المدخرات تبدأ بالتحقق، وأن الثقة في التعاملات الرقمية لا تُبنى على الوعود البراقة أو مظاهر النجاح، وإنما على التأكد من هوية الجهة ومشروعية نشاطها. فقبل أن تسأل عن مقدار الربح الذي قد تحققه، اسأل عمّن يطلب أموالك، وهل يحق له ممارسة هذا النشاط وفقاً للقانون؛ لأن دقائق من التحقق قد تحمي سنوات من التعب، وقراراً متأنياً اليوم قد يجنبك خسارة مدخرات يصعب تعويضها غداً. فالوسائل الرقمية لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة، وأموال الناس ليست مجالاً للمغامرة بثقتهم؛ لذلك، لا تجعل بريق الربح يعميك عن حقيقة من تضع بين يديه أموالك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم