ديوان سعد الدين شاهين يبيِّن لنا مرحلة ما بعد اكتمال القمر

منذ 4 ساعات
المشاهدات : 10033
ديوان سعد الدين شاهين يبيِّن لنا مرحلة ما بعد اكتمال القمر

سرايا - في تَعْلِيلة أي ديوان عرب ينطلق هرج ومرج كثير.. وبهذه التغريبة الشعرية التي يطلقها الشاعر سعد الدين شاهين بعد عشرة دواوين سابقة، تُستثارُ في أذهاننا مشاعر كثيرة، أريد في عجالة أن أتأمل منها بعض السطور المدهشة، والتي يبدأها على الصفحة الخامسة بقوله إنه قد فقد القمر، وما يزال يترقبه كل يوم وكل شهر وكل عام، ليكتمل على سفوح قريته عرتوف غرب مدينة القدس، وهنا نفهم أن «ما بعد اكتمال القمر» هو عودة القدس وكل ما هو غربها، لنصل إلى ما قاله الشاعر محمود درويش: «هذا البحر لي.. هذا السماء الرطب لي..» ويقول شاهين أنه كسائر أطفال فلسطين ولد كبيراً، ذلك لأن صرخته الأولى لم تكن كسائر الولادات، بسبب الخروج من بطن أمه، بل لرعب الخروج من فلسطين، وهذا يوضح أن صرخة الولادة ليست بذات الرعب، مقارنة بصرخة التشريد من فلسطين.

وفي الصفحة التاسعة «توطئة لزرقاء اليمامة» يقول: «في ليلة السبعين كدنا نموت. ننتظر اكتمال البدر.. فنفهم أنه بعد مرور أكثر من سبعين سنة على الاحتلال مات الكثيرون وبقي «من ينتظر وما بدلوا تبديلا» وكلهم ملتفتون في ظلام الليل التفاتَةً طويلة إلى الوراء.. إلى الأرض التي أُخرجوا منها تحت ضربات المترليوز وبراميل الطائرات البريطانية المنتصرة في الحرب العالمية. يلتفتون إلى الوراء طويلاً رغم أن محمود درويش قال:

«لا ينظرون وراءهم ليودعوا منفى، فأمامهم منفى وقد ألفوا الطريق.» فنجد أن فلسطين شاهين يلتفتون إلى الأرض التي شردوا منها، بينما فلسطينيو درويش لا ينظرون وراءهم.. ويجمع ما بين الناظر وعدم الناظر عمى ألوان يصنعه الاحتلال..

وفي صفحة 10 يقول شاهين: «ستعود أسراب الحمام لعشها الممتد من سفح الجليل لغورها والنهر يهدر «.. لم يعد النهر يهدر يا صديقي.. لقد جففوا مياهه، ونقضوا منه حتى الحجارة، كي لا يضرب المُهجرون بها أعداءهم، بعد أن شلّحوهم أسلحتهم بقوة أسلحتهم، كما يطالبون المقاومة بتسليم أسلحتها هذه الأيام.

وفي صفحة 12 يقول: «إني أعوذ بنور وجهك من صديق غادر.. أما عدوي فالمعارك بيننا دول وتترى: «وفي هذا ما فيه من عذاب وقوف الأخ والصديق الغادر في وجه مقاومتنا، والذي هو أبشع بكثير من العدو الذي نقاومه. وهذا توضيح معلن عن وقوف إخوة فلسطينيين وعرب أعداء لتحررنا، ببشاعة أكثر من جبروت الأعداء الغاصبين، ولا مجال لذكرهم فهم كُثرُ. والشاعر هنا كسائر بني وطنه يحلم بالعودة، ويتألم لمزيد من النكبات، إذ تلحق بالنكبة، النكسة، ثم الوكسة، والفكسة، ثم الانتفاضة، والانفجار الطوفاني الأقصى الذي أغرق الدنيا، إذ يقول: «كم من النكبات يلزم يا زرقاءنا حتى نعود؟» إنه يجلس على باب الأحزان ويعُدّ.. ويُشَبِّهُ شاهين نكبة فلسطين بنكبة مريم العذراء، وهي تشاهد ابنها المسيح مصلوباً فوق الصليب، بقوله في صفحة 13:

«فما صدقوك أو تركوك لكن شبّهوا لك إن بقيت.. بميتة فوق الصليب ونكبة العذرا.» ويقصد: لا صدقوك، ولا تركوك.. هؤلاء الواقفين بزي إخوة وعرب لم يَصْدُقوا المساعدة، وحتى لم يتركوا الفلسطيني يقاوم بأظافره.. بل وقفوا ضده، متعاونين مع العدو.

إن عودة الفلسطيني إلى وطنه أشبه بالوليد الذي يُحب أن يعود إلى خِباء البيت.. إلى رحم أمه.. إلى الوطن.. كي يشم رائحة الفناء المعطر بالزيت والبخور والقمر الجميل.» ولكنه يكتشف أن لا نخلة حوله، ليهزها فيتساقط التمرا»، وذلك كما هزت مريم المجدلية جذع النخلة فتساقط عليها رطباً جَنِيّأ. «لا زمزم ليفيض كي نسقي ونشرب منه حصرا» حتى هاجر زوجة إبراهيم التي سعت بين الصفا والمروة، وجدت في النهاية ماءً شربت وأسقت منه إسماعيلها.. ونحن نعرف أن العدو الأول لهاجر كانت ذات القربى؛ سارة زوجة إبراهيم الأولى، ومشاعر الشاعر اليوم تواجه ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة. تلك التي أوضحها طرفة بن العبد، بقوله: «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهندِ».. فبقيت متوارثة في جيناتنا. هذا هو وضع الفلسطيني كما يرسمه سعد الدين شاهين.

إن هذا الديوان عبارة عن نواح شعري يصور عذابات الفلسطيني خارج وطنه إذ يقول في صفحة 17: «يا والدي كم من وليد في القماط نجا من حتفه فاستوطن القبرا.. كم من صبيٍّ جره ماء الشريعة في النزوح، ولم يكن للنهر جسرا.. كانت بقايا من حطامٍ يعبرون عليه قسرا»

والكلمات لا تحتاج للشرح ولا للتفسير، إذ أن ما حصل للفلسطينيين يشبه المثل القائل:

«أحمد جبر؛ من بطن أمه للقبر.» الذي نجا من حتفه في القماط، ولكن النكسة جعلته يستوطن القبر..كان الناس يعبرون نهراً بلا جسر.. إذ يسيرون عَرَجاً على بقايا من حطام جسر يعبرون عليه قسراً.. قسراً بسبب البارود الذي ينفخهم به الأعداء المحتلون.. في بعض السجون العربية ينفخون المساجين السياسيين هواءً تنفجر به أمعاؤهم، وعلى جسر العودة ينفخهم العدو بأحدث الأسلحة الأوروبية الأمريكية.. لماذا كل هذا العذاب خُصص للفلسطينيين دون غيرهم من بني البشر؟ لماذا لم يذهب شعب الله المحتار إلى غابات بعيدة كل البعد عن الكرة الأرضية، فيسكنوا كوكباً آخر فيرتاحون ويُريحون، لماذا كل هذا التلوث البيئي السام؟

ويستمر النواح الشعري في هذا الديوان إذ يقول شاهين: «قالوا لنا: سنعود، فامتد المدى، لا سيف يسندنا ولا بشرى.» إنهم يكذبون علينا، ويعدوننا بالعودة، ولكننا لا نشاهد بين أيديهم سيفاً يسندنا ولا بشرى تبشرنا.. وهذا يذكرني بمسرحية عبثية ليوجين يونسكو بعنوان «التحيات» يصور فيها رجلاً تاه في الصحراء، فعطش وجاع لدرجة قريبة من الموت.. ولكن هذا الرجل التائه خرَّ مغشياً عليه، وبعد لأي أفاق على جماعة أخذوه فشرّبوه وأطعموه فعاش.. فطلبوا منه خدمتهم مقابل إنعاشه وخدمته.. فخدمهم وخدمهم واستمر يخدمهم إلى أن طلب منهم العودة إلى بلاده، فلم يسمحوا له، واستمر يحاول العودة وهم يمنعونه مطالبين بحقوقهم مقابل إحيائه.. واستمر على هذا الحال إلى أن انتهت حياته ومات.. يبدو أن الفلسطيني سيبقى يخدم أي صحراء تطؤها قدماه، ويستمر يأكل ويشرب إلى أن يموت.. فنعود ونقول: «هذا قدر الله.. هذه رزقة الله» وفي روايتي «حرمتان ومحرم» الصادرة عن روايات الهلال المصرية، وعن دار الفارابي اللبنانية، قالت امرأة فلسطينية: «كل يوم يستشهد لنا ثلاثة شهداء، سبعة شهداء، ثلاثة عشر شهيداً، تسعة وتسعون شهيد.. ولكن لماذا يا ربي لا ترزقنا إلا بالشهداء..» ونفس الكلام يكتبه شاعرنا سعد الدين المحزون بعدم القدرة على العودة.

وإذا سأل أحدهم: «ماذا بعد اكتمال القمر؟» يجد سعد الدين يجيبه قائلاً في صفحة 21: «قالوا إذا اكتمل الضياء بأنه بدرٌ، سينبىء بالقيامة.» إنه يرى أن القيامة ستقوم ما بعد اكتمال القمر. والقيامة ستتم على كل أرض أقاموا في مداخلها صليباً.. كالذي صلبوه في ظهر المسيح» إنهم يقيمون في كل أرض صليباً، وفي كل قرية صليباً على شكل حاجز عسكريٍ، إذ بلغ عدد الحواجز والعوائق العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة حسب د. مصطفى البرغوثي نحو1300 حاجز وعائق، ونقطة إغلاق وبوابة عسكرية فكيف ستستمر هذه الحياة الخانقة؟ لا بد أن تقوم المقاومة.. وعلى إثرها ستحصل العودة. والبدر-اكتمال القمر- هنا هو ما سينبئ بالقيامة..

وفي صفحة 25 من الديوان يقول شاهين: «تتناوب الأنفاق في طرقاتنا.. نفق بأوله مفاوز من سخام.. نفق على كل الجهات مقاصلٌ نُصبت لمن لم يرتضوا ذلّ الخيام..» ولكن هل رضي المحتل بهذه الخيام؟ إنه ليل نهار يمطر الخيام بمتفجراته التي يرسلها له الغرب، زنة كل قنبلة منها طناً، وطنّين، فهل يحتمل قماش الخيمة الآيل للذوبان وزن قنبلة من ذوات الطن؟ قماش خيمة قد يثقبه إصبع صبي تائه يسير وحيداً شريداً في الطريق بعد أن فقأت قنبلة الطن أرواح عائلته كلها فلم يبق إلا هو وحده يركض في طرقات النفايات لا شريك له..

ويضيف: «كيف السبيل لمن يغادر عتبة الدار العلية أن يعود ولا يضام.» يقول: «عتبة الدار» وهل بقيت دار في غزة لتكون لها عتبة؟ كنت قد كتبت في روايتي الأولى «عذبة» أن: « محتلاً عجوزاً معقوف الأنف محى مدينة حيفا بممحاة، فلم تعد هناك حيفا. هل معقول أن يمحوا حيفا؛ المدينة العظيمة الراسخة الجبال.» وأنا أقول لشاهين: وهل بقيت عتبات دار ليعود إليها من بقي حياً ولم يمت تحت الركام؟

وفي صفحة 25 يقول:»لا صلح لا استسلام.. ولا حتى اعترافاً بالعدى..» وأنا أرى أن عبارة (لا تصالح) التي قالها الشاعر أمل دنقل لم تكن في مكانها..نعم لم تكن.. فأنت تصالح من تعاديت معه وقد كنتما جيران وأصحاب أو أصدقاء.. ولكن كلمة «تصالح» لا تنطبق على عدو غريب جاء من (لا بلاد)، ليأخذ أرضك ووطنك، ويطردك خارج الجغرافيا والتاريخ. الصلح يتم عادة بين من كانوا أصدقاء، بهدف إعادة المياه إلى مجاريها.. ولا صلح مع من يحتل الأرض ويجرف أبناءها ويهدم بيوتهم ويقتلع أشجارها وزيتونها.. لقد أخطأ الشاعر أمل دنقل الذي أحبه، وأصاب الأديب ممدوح عدوان في عبارته «لا تصالح» التي أتت في مكانها، في وصية كليب بن ربيعة لأخيه الزير سالم (المهلهل) وهو يحتضر بعد أن غدر به جساس بن مُرّة. فالمصالحة ممكنة بين العرب، ولكنها غير ممكنة مع عدو لا يفهم سوى فعل القتل.

وفي صفحة 33 يقول: «فأطلقت الرصاصة.. لم تصب إلا جروحي.» وفعلاً فلقد أطلق المقاومون الفلسطينيون الرصاصة على الأعداء المحتلين، فوجدوها لم تصب إلا أجسادهم المجروحة.. وجدوا أعداءهم رابضين في خنادقهم، يصيبونهم في جروحهم.. هذا هو قدر الشعب الفلسطيني، أن يرى أعداءه بين ظهرانيه.

وفي هذا الديوان كما في سائر دواوينه العشر السابقة يعتبر شعر التفعيلة للشاعر سعد الدين من الشعر غير الملتزم بقافية موحدة أو حرف واحد طوال القصيدة، إذ تتنوع القوافي وتتخفف للإيقاع، كما معظم الشعراء المبدعين العرب الحاليين الذين استسهلوا كتابة النصوص الشعرية تحت باب التفعيلة أو الشعر الحر.. فما دام التوجه العام هكذا فليكن، رغم أنني ما زلت أرنو إلى ذلك الشعر العربي الأصيل، الذي أبدعه امرؤ القيس والمتنبي والجواهري وغيرهم من الشعراء الذين أسسوا لنا شعراً عربياً متميزاً عن أشعار شعراء العالم.. فجاء جيل آخر منذ منتصف القرن الماضي يستسهل كتابة النصوص الشعرية التي نجحت في توصيل المعنى الذي يريد الشاعر توصيله، ولكنه ليس بالنغم المُشنِّف للأذن العربية الذي اعتاد على الشعر العربي الأصيل.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم