سرايا - من عتبة العنوان «منحدرات سحيقة»، يشرع الروائي علي القيسي في حفر خندق سردي غائر، ليكشف لنا عن ندوب الواقع وتعرجات الذاكرة الأردنية عبر سبعين عاما من الضجيج والصمت. فالرواية بشكلها الأخير؛ غادرت فكرة الحكايات العابرة، وأمست محضنا لتحولات الهوية، وصراع الإنسان مع زمكانية الجغرافيا.
يبني القيسي روايته على محور الذاكرة الرعوية التي ترفض الانصياع لمنطق المدينة الغريب. إن شخصية (عماد) هي الوجه الآخر لذلك الطفل القروي الذي يسكننا جميعا؛ ذلك الذي حملته في الجنوب أول سيارة دخلت القرية قبل سبعين عاما، وظل مسكونا بصوت «بابور الكاز» وأصالة «سراج الزيت» في زمن «الهواتف الذكية» والصخب التكنولوجي المفتعل. الرواية على صغرها؛ ترصد بعين مجتمعية ابتلاع المدينة لهدوء القرى، وكيف تحولت «عمّان» من «قرية كبيرة» تعج بـ»عنبر أبوسلامة» و»بائع الترمس»، إلى غابة من الإسمنت الفاقد للروح. والعودة في نهاية الرواية إلى القرية ليست نكوصا، إنها فعل مقاومة أدبي، ينتصر فيه السارد للفطرة الأولى ضد فسق المدنية الذي شوه الروح الإنسانية وجعلها رهينة للاستهلاك. ينتقل بنا القيسي في سرده المتقطع ليربط المصير الشخصي بالمصير الوطني... في قصة «أشرف وسناء»، نرى كيف يلتحم جرح حزيران بنصر الكرامة. سناء، الفتاة النابلسية بسمرتها الساحرة، تمثل الضفة التي لا تغيب عن الوجدان، بينما يمثل أشرف الرغبة في لم الشتات العاطفي والوطني. يبرع المؤلف في تصوير مشاعر جيل كامل عاش الهزيمة والنصر معا؛ حيث ارتدت الروح بعد معركة الكرامة الخالدة.
إن هذا الحب الجامعي الذي نمى على وقع المدافع، يؤكد أن الحب في منحدرات القيسي السحيقة؛ ضمادة لجراح النكسة، وبحث عن نصيب قد يقتله القدر أو -ربما- تحييه الإرادة الصلبة.
يتجلى نضج الرؤية عند القيسي في ملاحقة مرايا الخوف الإنساني. في فصل «التهديد الكوني»، يضعنا السارد أمام مرآة عارية؛ حين يقترب الموت على شكل (مذنب) يهدد الأرض، عندها؛ تتساقط الأقنعة الزائفة. فيعترف التاجر بغشه، والزوجة بخيانتها، ويلجأ الجميع للاستغفار خوفا من المجهول الذي سارعت وكالة «ناسا» بإعلانه خطرا عابرا وتلاشى! هذا المشهد السريالي يظهر بأن الأخلاق في المدينة باتت مرهونة بالخوف من العقاب، لا بالضمير الحي.
كما نرى صراع «عماد» مع وصمة المرض النفسي، حيث تعكس الرواية تخلف الوعي الاجتماعي الذي يرى في العلاج النفسي عارا وجنونا! بينما هو في الحقيقة ترمم لتلك المنحدرات السحيقة في جوانية الذات التي أرهقتها صدمات الفقد (موت الأم) وحوادث الغور الدامية. لا يتورع علي القيسي عن كشف عورات المهن في مجتمع مادي بحت. إن المقارنة بين «سامي الميكانيكي» الذي يغش في قطع الغيار، وبين «الطبيب الباطني» الذي يمتص جيب المريض بتحاليل وهمية؛ هي صرخة نقدية لاذعة. يقول القيسي بلسان بطله: «أنت وقعت مع طبيب غشاش مادي متآمر». في هذا الموضع تتحول الرواية من محض سرد لقصص منفصلة؛ إلى بيان أخلاقي يحذر من ضياع الأمانة، التي هي عماد المجتمع.
الرواية تدين التحول القيمي الذي جعل الربح السريع هو الإله المعبود، سواء في مكاتب العقارات، أو في عيادات الأطباء الذين باعوا ميثاق «أبقراط» عند أول خروج عن الإنسانية. وعلى الرغم من هذه السطوة الجمالية، إلا أن «منحدرات سحيقة» لم تخل من بعض العثرات التي يقتضي النقد الموضوعي التوقف عندها؛ فهي تبرز كجزر سردية منعزلة أحيانا، مما جعل البناء الروائي يميل إلى التشظي الحكائي الذي يقترب من كونه مجموعات قصصية متجاورة، وهذا التدفق المتقطع قد يربك القارئ الباحث عن وحدة المسار الدرامي الواحد. كما أن النزعة الوعظية والمباشرة أطلت برأسها في حوارات عماد، مما جعل اللغة تغادر ضفاف التخييل الأدبي لتقع في فخ الإرشاد الاجتماعي المباشر.
أضف إلى ذلك أن بعض النهايات القدرية، كموت «فوزي» المفاجئ، جاءت كإملاء درامي لتسريع حسم الصراع، مما فوت على القارئ متعة التصعيد النفسي للشخصية.. هذه الخدوش على جدار النص، إنما تدل على أن القيسي كان مسكونا بالصدق أكثر من شغفه بالتقنيات الشكلية المتكلفة. يغوص السارد في غياهب الحب الصامت. حب «عماد» لجارته، وحب السائق «طارق» لزوجة المدير، هما نماذج للخراب العاطفي الذي يسببه الوهم.
إن طارق الذي بنى قصورا من رمال ظنا منه أن لطف السيدة هو عشق، يسقط في فخ الواقع القاسي حين تصفعه الحقيقة شاتمة بالسؤال: «ماذا فعلت يا حقير؟!». يستخدم الكاتب أغاني «أم كلثوم» (أروح لمين؟ وهجرتك) لتكون ترياقا لعذاب هؤلاء المحرومين. إنه الحب الذي لا يعرف المنطق، حيث يعيش العشاق في سكر أبدي، يكتمون مشاعرهم خوفا من فساد المتعة، أو ارتطاما بجدار الطبقية والواقع المرير الذي لا يرحم الغرباء والفقراء. في هذا الجزء، يرصد القيسي طفرة الأراضي في سبعينيات القرن الفائت، كيف صنعت ثروات ودمرت نفوسا.
أيضا، موت «فوزي» بطلقة طائشة، يمثل قمة «التراجيديا» في ثوب أردني؛ حيث يسقط البطل في أوج نجاحه..! تتجلى قيم «الأمانة» في شخصية عماد الذي يسلم الأرباح للورثة، بينما يبرز انحراف «ريان» المهندس في النوادي الليلية كإشارة تحذيرية لضياع الجيل الثاني في زحام المال والمتع الزائفة بعيدا عن كدح الآباء. تنتهي الرواية بقرار عماد العودة إلى القرية، وهي نهاية مجازية لانتصار الروح النقية على غابة الأسمنت. إنها صرخة رجل سبعيني يقول للعالم: «سئمت ضيق الشقق وزيف المدينة».
إن رواية «منحدرات سحيقة» للروائي علي القيسي هي بمنزلة وثيقة أدبية شجاعة، تقف بين خندق الذاكرة ومعول الحاضر. لقد نجح كاتبها في أن يجعل من البؤس شعرا، ومن الخيبة رواية، ومن المنحدرات السحيقة طريقا نحو النور والوعي. إن هذا النوع من الروايات، الذي يتجلى في «منحدرات سحيقة»، لا يعد تدوينا لوقائع عابرة، بقدر ما أحسبه رواية الكينونة التي تنبش في جيولوجيا الزمن لتستخرج لؤلؤ الذاكرة من محار النسيان. نحن هنا أمام جنس أدبي يمزج بين «الرواية السيرية» و «الملحمة الاجتماعية»، البطل فيها ليس فردا، وهو قادر على التحول إلى ذاكرة جمعية تمشي على قدمين. تكمن جدوى كتابة هذا النوع من الأدب في قدرته على رتق الشروخ التي خلفتها الحداثة المشوهة في جسد القيم؛ فالمبدع لا يكتب ليسلي، إنه يسعى لترميم الإنسان الذي تهشم بين مطاحن المادة وزيف المدينة.
إنها الكتابة التي تقف على الحافة بين شاعرية المكان وقسوة التحولات، حيث يتحول النص إلى مغناطيس يجذب شظايا الهوية المبعثرة بين أزقة المدينة وتلال القرية.. نحن أمام سرد وجداني يرفض أن يكون صدى للمألوف، لأنه الصرخة الرخيمة في وجه كل هذا الغياب، هي صرخة تبني من الحروف معارج للخلاص الروحي! إن جدوى هذا الفن تتجلى في كونه السد المنيع ضد طوفان التشييء، فهو يعيد للأشياء هيبتها الأولى، ويجعل من المسافة بين الأنا والآخر جسرا معلقا بين الرؤيا والواقع، تماما كما تتراقص القصيدة بين الصمت والبوح، لتعلن أن الرواية هي الشعر حين يخلع أوزانه ليرتدي ثوب السرد والحياة.
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
الأردن اليوم
غضب عارم على كاتب إماراتي بسبب اتهامه للأردنيين بالتعاطف مع إيران أكثر من دول الخليج
منذ 4 أيام
03
04
آخر الأخبار
أخبار فنية
فن
شريهان تهنئ منى زكي بتكريمها في مهرجان الجونة بجائزة الإبداع الفني
منذ 40 دقيقة
فن
رهنت منزلها للبيع .. يسرا تشيد بتضحيات إلهام شاهين من أجل الفن
منذ 10 ساعات
فن
إبراهيم الحربي يكشف عن ملامح دوره في مسلسل "تحت الأرض"
منذ 10 ساعات
فن
كاظم الساهر يحتفل بعيد ميلاد نجله وسام برسالة مؤثرة
منذ 12 ساعة
فن
محمود ياسين يروي تفاصيل صادمة عن إصابة والدته آيات أباظة بالسرطان
منذ 13 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
طرابزون "يسرب" مفاجأة محمد صلاح الجديدة (صورة)
منذ 45 دقيقة
رياضة
بطولة إسبانيا: برشلونة يواصل عروضه القوية وأتلتيكو يخطف انتصارا سابعا
منذ 9 ساعات
رياضة
الوحدات يحسم قمة الحسين بهدف دون رد
منذ 11 ساعة
رياضة
ليفربول يقلب خسارته من برنتفورد المنقوص إلى فوز بثنائية
منذ 12 ساعة
رياضة
الفيصلي يهزم الرمثا 4-1 ويعزز صدارته لدوري المحترفين
منذ 13 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
عمرها ألف عام .. عملة نادرة تكشف أسرار الفايكنج في إسكتلندا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
طاهٍ فنلندي يحطم رقمًا قياسيًا بشرب نصف لتر صودا في 3.2 ثانية
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
تحذير من ارتداء "الكروكس" لساعات طويلة .. إليك الأسباب
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
أحرقه وطعنه ثم ألقاه بالشارع .. أب يعذب طفله بوحشية في العراق
منذ 9 ساعات
منوعات من العالم
طلاء سام في وجبات الأطفال .. فضيحة حضانة صينية تنتهي بالسجن المؤبد
منذ 12 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات