لم يعد التاريخ حكرًا على الصحافة التقليدية، ولا على من اقتربوا من القصور وأصحاب القرار. فقد اتسعت نوافذ المعرفة، وتعددت الروايات، وأصبح من حق الأجيال أن تراجع ما قُدّم لها طويلًا بوصفه حقائق لا تقبل النقاش.
ولعل محمد حسنين هيكل من أكثر الصحفيين تأثيرًا في تشكيل الوعي السياسي العربي. رجل مفوه، واسع الثقافة، بارع في صناعة الحكاية، لا يكاد يتناول حدثًا كبيرًا إلا وكان قد التقى أحد أطرافه -وربما يدعي أكثر من ذلك- أو زار صاحبه، أو استمع إلى أسراره. والمفارقة أن كثيرًا ممن تحدث عنهم كانوا قد رحلوا، فلم تتح لهم فرصة الرد أو التصحيح، فيما تنقلت رواياته بين الوثيقة والشهادة، وأحيانًا بين «يقال» و«أعتقد».
لكن ما لا يعرفه كثيرون عن هيكل، الذي ارتبط اسمه بعبد الناصر، أن بداياته الصحفية شهدت تناوله قضية رخص البغايا، قبل أن تقذف به الأحداث إلى قلب السياسة ومراكز النفوذ. وقد كتب في مديح الملك فاروق، حتى خاطبه في مقال عام 1944 بعنوان «في يوم عيدك يا مولاي». ثم جاءت ثورة يوليو، فأصبح من أقرب الصحفيين إلى جمال عبد الناصر. وهكذا بدا الرجل في بعض كتاباته ملكيًا أكثر من الملك، ثم ناصريًا أكثر من عبد الناصر. وهي مفارقة تستحق التأمل في علاقة الصحافة بالنفوذ، وكيف تتغير لغة الكاتب حين تتغير مراكز القوة.
ولم تكن علاقته بالسادات عدائية منذ البداية، لكن الخلاف اتسع بينهما حتى جاء فبراير 1974، فأخرجه السادات من رئاسة تحرير الأهرام، وعرض عليه موقعًا استشاريًا لم يقبله. وهنا خرج هيكل من معادلة التأثير المباشر في السلطة، وإن بقي حاضرًا في الصحافة والسياسة. ثم وجد في برامجه الفضائية منبرًا واسعًا لاستعادة حضوره، وإعادة رواية تاريخ المنطقة بأسراره وصراعاته، مستندًا إلى ذاكرة شخصية واسعة وعلاقات لم يكن يسهل التحقق من جميع تفاصيلها.
ولم يكن الأردن بعيدًا عن روايات هيكل وانتقاداته؛ فالرجل الذي تناول الأردن بقراءات قاسية في بعض المحطات، لم ينصف، في تقدير أبناءه، تاريخه، وأغفل جوانب من دوره الحيوي في الأحداث العربية. لكنه لم يستطع اختزال مكانة الأردن وقيادته لدى شعبه، ولا حجب تاريخ دولة صنعت حضورها بالمواقف والتضحيات، من معركة الكرامة إلى المشاركة العسكرية في حرب أكتوبر، وما تلاهما من مسؤوليات عربية وإقليمية.
واليوم، تعود أصوات مصرية إلى مراجعة تاريخ هيكل، والبحث فيما قاله وما أغفله. والمفارقة أن الرجل الذي أمضى عقودًا يروي تاريخ أشخاص رحلوا ولم يعودوا قادرين على الرد عليه، أصبح هو الآخر موضوعًا للروايات والمساءلة بعد رحيله.
وليس في ذلك إنكار لموهبته أو مكانته الصحفية، وإنما تذكير بأن فصاحة الراوي لا تمنح روايته العصمة، وأن القرب من أصحاب القرار لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة، وأن التاريخ أكبر من ذاكرة رجل، مهما اتسعت معرفته وعلا شأنه.
ولعل مفارقة هيكل الكبرى أنه أمضى عمره يروي تاريخ الآخرين، ثم رحل، وجاء الدور على تاريخه.
فقد يستطيع الكاتب أن يحتفظ بالكلمة الأخيرة في كتابه، لكنه لا يستطيع أن يحتفظ بها في ذاكرة الشعوب.
ولعل محمد حسنين هيكل من أكثر الصحفيين تأثيرًا في تشكيل الوعي السياسي العربي. رجل مفوه، واسع الثقافة، بارع في صناعة الحكاية، لا يكاد يتناول حدثًا كبيرًا إلا وكان قد التقى أحد أطرافه -وربما يدعي أكثر من ذلك- أو زار صاحبه، أو استمع إلى أسراره. والمفارقة أن كثيرًا ممن تحدث عنهم كانوا قد رحلوا، فلم تتح لهم فرصة الرد أو التصحيح، فيما تنقلت رواياته بين الوثيقة والشهادة، وأحيانًا بين «يقال» و«أعتقد».
لكن ما لا يعرفه كثيرون عن هيكل، الذي ارتبط اسمه بعبد الناصر، أن بداياته الصحفية شهدت تناوله قضية رخص البغايا، قبل أن تقذف به الأحداث إلى قلب السياسة ومراكز النفوذ. وقد كتب في مديح الملك فاروق، حتى خاطبه في مقال عام 1944 بعنوان «في يوم عيدك يا مولاي». ثم جاءت ثورة يوليو، فأصبح من أقرب الصحفيين إلى جمال عبد الناصر. وهكذا بدا الرجل في بعض كتاباته ملكيًا أكثر من الملك، ثم ناصريًا أكثر من عبد الناصر. وهي مفارقة تستحق التأمل في علاقة الصحافة بالنفوذ، وكيف تتغير لغة الكاتب حين تتغير مراكز القوة.
ولم تكن علاقته بالسادات عدائية منذ البداية، لكن الخلاف اتسع بينهما حتى جاء فبراير 1974، فأخرجه السادات من رئاسة تحرير الأهرام، وعرض عليه موقعًا استشاريًا لم يقبله. وهنا خرج هيكل من معادلة التأثير المباشر في السلطة، وإن بقي حاضرًا في الصحافة والسياسة. ثم وجد في برامجه الفضائية منبرًا واسعًا لاستعادة حضوره، وإعادة رواية تاريخ المنطقة بأسراره وصراعاته، مستندًا إلى ذاكرة شخصية واسعة وعلاقات لم يكن يسهل التحقق من جميع تفاصيلها.
ولم يكن الأردن بعيدًا عن روايات هيكل وانتقاداته؛ فالرجل الذي تناول الأردن بقراءات قاسية في بعض المحطات، لم ينصف، في تقدير أبناءه، تاريخه، وأغفل جوانب من دوره الحيوي في الأحداث العربية. لكنه لم يستطع اختزال مكانة الأردن وقيادته لدى شعبه، ولا حجب تاريخ دولة صنعت حضورها بالمواقف والتضحيات، من معركة الكرامة إلى المشاركة العسكرية في حرب أكتوبر، وما تلاهما من مسؤوليات عربية وإقليمية.
واليوم، تعود أصوات مصرية إلى مراجعة تاريخ هيكل، والبحث فيما قاله وما أغفله. والمفارقة أن الرجل الذي أمضى عقودًا يروي تاريخ أشخاص رحلوا ولم يعودوا قادرين على الرد عليه، أصبح هو الآخر موضوعًا للروايات والمساءلة بعد رحيله.
وليس في ذلك إنكار لموهبته أو مكانته الصحفية، وإنما تذكير بأن فصاحة الراوي لا تمنح روايته العصمة، وأن القرب من أصحاب القرار لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة، وأن التاريخ أكبر من ذاكرة رجل، مهما اتسعت معرفته وعلا شأنه.
ولعل مفارقة هيكل الكبرى أنه أمضى عمره يروي تاريخ الآخرين، ثم رحل، وجاء الدور على تاريخه.
فقد يستطيع الكاتب أن يحتفظ بالكلمة الأخيرة في كتابه، لكنه لا يستطيع أن يحتفظ بها في ذاكرة الشعوب.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات