أ.د. سلطان المعاني يكتب: اليوم الأول في سنة التفرغ العلمي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11297
أ.د. سلطان المعاني يكتب: اليوم الأول في سنة التفرغ العلمي
أ.د. سلطان المعاني

أ.د. سلطان المعاني

بدأتْ سنةُ التفرغ العلمي، ووجدتُني أمام صباحٍ أملكُ وقتَه، وأتردّدُ قليلاً في معرفة ما أصنعُ به. اعتدتُ طوالَ سنواتٍ أن يستقبلني اليومُ بواجباته، وأن أعرفَ وجهتي قبل أن أغادرَ الفراش؛ محاضرةٌ تنتظر، وطلبةٌ، وأوراقٌ تحتاجُ إلى قراءة، وشؤونٌ يستدعي بعضُها بعضاً، حتى يصيرَ الوقتُ موزّعاً قبل أن يبدأ. هذا الصباحُ متّسعٌ على نحوٍ يبعثُ الراحةَ والحيرةَ معاً، كأنّ امتلاكَ الساعات يحتاجُ إلى تمرينٍ بعد عمرٍ من تسليمها للعمل.
بدأتُ العملَ التدريسيَّ عامَ 1982، ومضتْ أربعةٌ وأربعون عاماً تعلّمتُ خلالها كيف أتهيّأُ للآخرين، وأحفظُ مواعيدَهم، وأستجيبُ لما تقتضيه مسؤوليّتي تجاههم. دخلتْ أجيالٌ قاعاتِ الدرس، وغادرتْ إلى حياتها، وبقيتُ أجدّدُ استعدادي لجيلٍ آخر. تغيّرتْ وجوهٌ وأمكنةٌ ومناهجُ، وتراكمتْ في داخلي أعمارٌ من التعليم والتعلّم، وصارَ العملُ جزءاً من طريقتي في فهم نفسي، حتى اقترنتْ راحتي أحياناً بشعوري أنّني أنجزتُ ما يكفي لاستحقاقها.
تتيحُ سنةُ التفرغ فرصةً للعمل في جامعةٍ أخرى، وتجربةِ بيئةٍ أكاديميةٍ مختلفة، وإقامةِ صلاتٍ جديدةٍ في البحث والتدريس. اخترتُ أن أتركَ هذا الاحتمالَ جانباً. أشعرُ برغبةٍ في أن أبقى قريباً من نفسي، وأن أمنحَها بعضَ الوقت الذي طالما أجّلتُه. يكفيني الآن أن أستيقظَ على مهل، وأقرأَ حتى أشبعَ من القراءة، وأغلقَ الكتابَ حين أشاء، وأخرجَ للمشي في ساعةٍ يختارُها مزاجي.
ربّما دفعني تعبٌ متراكمٌ إلى استقبال هذا الاستحقاق بهذه اللهفة. وربّما بلغَ شيءٌ من الاحتراق الوظيفي مبلغَه في النفس، فصرتُ أحتاجُ إلى مسافةٍ أستعيدُ فيها قدرتي على الإقبال. يصعبُ أحياناً تعيينُ اللحظة التي يتحوّلُ فيها الشغفُ إلى جهدٍ نحافظُ به على صورتنا المعتادة. يستمرُّ الإنسانُ في أداء عمله، ويظلُّ قادراً على العطاء، بينما تتراجعُ حصّتُه من البهجة شيئاً فشيئاً. يكتشفُ مقدارَ تعبه عندما تتاحُ له فرصةُ التوقّف، ويجدُ أنّه كان يحملُ أكثرَ ممّا شعر.
أحملُ معي إلى هذه السنة كتباً تنتظرُ أن تُكتب، وبحوثاً تحتاجُ إلى استكمال، وأفكاراً ظلّتْ موزّعةً بين الأوراق والذاكرة. أعرفُ تلك الرغبةَ التي تدفعني إلى ملء الفراغ بمشروعٍ جديد، وأعرفُ سهولةَ أن أضعَ لنفسي برنامجاً أشدَّ ازدحاماً من برنامج الجامعة. لذلك أحاولُ هذه المرّة أن أُبقيَ في اليوم فسحةً تتّسعُ لما يحدثُ عفواً؛ حديثٍ يطول، أو زيارةٍ مؤجّلة، أو جلوسٍ هادئٍ يمرُّ فيه الوقتُ من غير أن أطالبَه بحصيلة.
ستكونُ الكتابةُ معي، فهي من أقربِ ما أحبُّ، وأرجو أن تستعيدَ في هذه السنة شيئاً من حرّيّتها الأولى. أريدُ أن أكتبَ لأنّ فكرةً استوقفتني، وأن أتتبّعَ سؤالاً لأنّه أثارَ فضولي، وأن أسمحَ لنصٍّ بأن ينضجَ على مهل. علّمتني المواعيدُ كثيراً من الانضباط، وأشتهي الآن أن أرى ما تمنحُه المهلةُ للفكر، وما يفعله صفاءُ النفس باللغة.
قد أسافرُ أيضاً. ما زالتْ في النفس رغبةٌ في مدنٍ أعرفُها وأخرى أتمنّى رؤيتَها، وفي إقامةٍ تمنحُ المكانَ وقتاً كي يصيرَ مألوفاً. أودُّ أن أجلسَ في مقهى، وأراقبَ المارّة، وأمشيَ في شارعٍ فرعيٍّ لأنّ شجرةً عند نهايته استوقفتني. كم مرّةً عبرتُ مدينةً وأنا منشغلٌ بما جئتُ لإنجازه، ثمّ عدتُ منها بذاكرةٍ تختزنُ قاعةً وفندقاً وطريقاً إلى المطار؟ لعلّ هذه السنة تمنحني فرصةَ الإقامة في الرحلة نفسها.
أفكّرُ كذلك في جسدي الذي رافقَ هذا العمرَ كلَّه، واحتملَ ساعاتِ الجلوس، والسفر، والقلق، والاستيقاظَ المبكّر، وتأجيلَ الراحة. أحتاجُ إلى أن أُحسنَ الإصغاءَ إليه، وأن أمنحَه عنايةً منتظمةً، وأن أتعاملَ مع حاجته إلى الهدوء بجدّيّةٍ تشبهُ جدّيّتي في الوفاء بمواعيد العمل. يستحقُّ هذا الرفيقُ القديمُ أن أتذكّرَه قبل أن يضطرَّ إلى لفت انتباهي بالألم.
أكتبُ هذه الكلمات في أوّل السنة، وأعرفُ أنّ العاداتِ الطويلةَ ستأتي معي إلى الغد. قد أعودُ إلى ازدحامي المألوف، وأرفعُ سقفَ ما أنتظرُه من نفسي، وأؤجّلُ الراحةَ إلى ما بعد إنجازٍ آخر. لهذا أريدُ أن أحتفظَ بشيءٍ من وضوح هذا الصباح: لقد عملتُ طويلاً، وأحببتُ ما عملتُ، وأحتاجُ الآن إلى قسطٍ من الراحة، وإلى وقتٍ أعيشُه بانتباهٍ أكبر إلى نفسي.
آثرتُ أن أجرّبَ، وأن ألتفتَ إليَّ أوّلاً. آملُ أن أفعلَها هذه المرّة.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم