سرايا - "يقع باطلًا كلُّ اتفاق على قمار أو رهان". هذا نص البند الرابع من المادة 946 في قانون المعاملات المدنية الإماراتي الجديد، الذي بدأ العمل به في الأول من يونيو 2026 وحلّ محل قانون 1985 بكامله. ومع ذلك تحمل شركات في الدولة تراخيص اتحادية لليانصيب وللألعاب عبر الإنترنت والمراهنات الرياضية.
ولا تناقض في ذلك. فالإمارات لم تُبح القمار إباحة عامة، وإنما أبقت المنع في قانونيها المدني والجنائي، وفتحت داخله استثناءً ضيقًا لا يدخله أحد إلا بترخيص من هيئة اتحادية واحدة. ويمتد هذا الاستثناء بشروطه من الشركات المشغّلة إلى مورّديها، ثم إلى حسابات المستخدمين والأموال التي تمر بها.
المنع باقٍ في القانونين المدني والجنائي
خصّص قانون المعاملات المدنية لسنة 1985 للقمار والرهان المواد من 1012 إلى 1021، وفيها أحكام بطلان هذه العقود واسترداد ما دُفع فيها، بحسب تنبيه قانوني نشره مكتب المحاماة Greenberg Traurig في 20 يناير 2026. وذهب التنبيه إلى أن القانون الجديد لم ينقل شيئًا من هذه الأحكام، وبعد يومين عنون موقع SiGMA المتخصص في قطاع الألعاب خبره بأن الإمارات أزالت القمار والرهان من قانونها المدني الجديد.
غير أن النص المنشور على البوابة الرسمية للتشريعات لا يؤيد هذه القراءة كلها. فالباب المفصّل اختفى فعلًا، لكن المبدأ انتقل إلى فصل قصير عنوانه "المسابقة"، يجيز أن يلتزم بالجائزة بعض المتسابقين أو طرف من خارجهم، ولا يجيز أن يلتزم بها المتسابقون جميعًا. وفي ذيل ذلك الفصل جاء البند الرابع المشار إليه.
ولا يسمّي القانون الجديد التراخيص التي تصدرها الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية، لكنه يضع في مادته الرابعة قاعدة للعلاقة بين النصوص: النص العام اللاحق لا يلغي النص الخاص ولا يعدّله إلا إذا نص التشريع على ذلك صراحة، ويُعمل بالنص الخاص فيما يتعارض فيه مع العام. وللألعاب التجارية تشريعها الخاص منذ عام 2022.
أما المنع الجنائي فعلى حاله. فقانون الجرائم والعقوبات، النافذ منذ 2 يناير 2022، يعاقب في مادته 461 من يلعب القمار بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تزيد على 50 ألف درهم، ويعاقب في المادة 462 من يفتح محلًا للقمار أو يديره بالسجن المؤقت مدة لا تزيد على عشر سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 ألف درهم، فيما تقضي المادة 463 بمصادرة المال والأدوات وإغلاق المكان.
وتوقّع التنبيه نفسه تعديلات محدودة على قانون العقوبات، وربما على قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، لمواءمتهما مع تنظيمات الهيئة. لكن نص قانون العقوبات المنشور على البوابة الرسمية، كما كان في 13 أكتوبر 2026، ما زال يحمل هذه المواد.
هيئة اتحادية واحدة ترخّص، وأول أثر لاختصاصها تضييق السوق
وذلك التشريع الخاص هو المرسوم بقانون اتحادي رقم 30 لسنة 2022 في شأن تنظيم الألعاب التجارية، كما تذكر الهيئة على موقعها، وإن كان الإعلان الرسمي عن إنشائها قد جاء في 3 سبتمبر 2023. ومن مقرها في أبوظبي تنفرد الهيئة بترخيص اليانصيب والألعاب عبر الإنترنت والمراهنات الرياضية ومنشآت الألعاب الأرضية في الدولة كلها، وبالإشراف عليها.
وتقول الهيئة إن ممارسة هذه الأنشطة أو تسهيلها من دون ترخيص منها مخالفة تستتبع إجراءات قانونية، وإن المشاركة لدى مشغّل لا يحمل ترخيصها غير قانونية هي الأخرى، سواء جرت عبر الإنترنت أو في مكان فعلي، وقد تعرّض صاحبها لعقوبات مشددة. أما حامل الترخيص فلا يكتسب به حصانة، إذ تملك الهيئة رفض الترخيص أو سحبه أو تعليقه أو تقييده بشروط، إلى جانب فرض الغرامات.
وجاء أول ترخيص من نصيب اليانصيب، إذ منحته الهيئة في 28 يوليو 2024 لشركة ذي جيم ذ.م.م. التي تعمل باسم يانصيب الإمارات. وفي 9 ديسمبر من العام نفسه أعلنت أن المرسوم لم يُبقِ من أنشطة اليانصيب التي سبقت نشأتها إلا نشاطين وصفتهما بيانصيب المطارات، لكلٍّ منهما قرابة 30 عامًا من العمل، وأنها أمرت بإغلاق ما عداهما. فكان أول أثر للاختصاص الحصري تقليص عدد الجهات العاملة لا زيادته.
وتقسم الهيئة تراخيصها، كما تبيّن صفحة أنواع التراخيص على موقعها، إلى خمس فئات بحسب من يحملها لا بحسب نوع النشاط. للكيانات ثلاث: مشغّلو الألعاب، وفيهم أصحاب منصات الإنترنت والمراهنات الرياضية ومنشآت الألعاب الأرضية واليانصيب وبائعوه، ثم الموردون الذين يقدّمون معدات الألعاب وما يتصل بها من سلع وخدمات، ثم الشركات صاحبة القرار في ملكية المرخّص لهم أو إدارتهم. وللأفراد اثنتان: أصحاب المناصب التنفيذية والقيادية، والعاملون لدى المرخّص لهم أو المرتبطون بهم.
ويبدأ مسار الترخيص، بحسب الدليل الذي نشرته الهيئة، بإشعار أولي بنية التقدّم، ثم ملف كامل يعقبه تحقيق في أهلية المتقدم ونزاهته. ويُدفع عُشر رسم الترخيص قبل الموافقة المبدئية وبقيته قبل منح الترخيص، الذي قد يصدر بشروط، ثم رسم صيانة سنوي تختلف قيمته بحسب الفئة. ولا يتضمن الدليل أي نسبة ضريبية على إيرادات القطاع، ولم تكن صفحات الترخيص والتشريعات على موقع الهيئة تتضمن جدولًا ضريبيًا له حتى 13 أكتوبر 2026.
السجل يضم مرخّصًا واحدًا للألعاب عبر الإنترنت مقابل 33 موردًا
يضم سجل المرخّص لهم على موقع الهيئة، كما كان في 13 أكتوبر 2026، مشغّلًا واحدًا لليانصيب، ومنشأة أرضية واحدة في رأس الخيمة لم تفتح أبوابها بعد، وشركة واحدة تحمل ترخيصي الألعاب عبر الإنترنت والمراهنات الرياضية، مقابل 33 موردًا مرخّصًا. وكان عدد الموردين ستة في أبريل 2025 بحسب نسخة محفوظة من الصفحة في أرشيف الإنترنت، ثم صار عشرين مطلع مايو 2026، و23 في نهاية أغسطس.
وبين هؤلاء الموردين مصنّعو أجهزة الألعاب الإلكترونية ومعدّات الطاولات، واستوديوهات تطوّر ألعاب الإنترنت، وشركات لبيانات المباريات وأخرى لتحديد الموقع الجغرافي. وينص تمهيد السجل على أن شرط الترخيص يمتد إلى كل طرف ثالث يقدّم منتجات أو خدمات للقطاع، فوصلت سلسلة التوريد إلى السجل قبل أن تفتح أي منشأة أرضية أبوابها.
وتعرّف الهيئة الألعاب عبر الإنترنت بأنها ألعاب تُمارس عبر حاسوب أو هاتف أو أي جهاز رقمي متصل. والشركة الوحيدة المدرجة في هذه الفئة هي Coin Technology Projects LLC، ومقرها أبوظبي، وتشغّل بترخيصها موقع Play971، وهو منصة casino online uae ومراهنات رياضية تقتصر شروطها على من بلغوا 21 عامًا ويوجدون فعليًا في مناطق مسموح بها داخل الدولة، وتشترط إثبات الهوية ببطاقة الهوية الإماراتية.
ويذكر السجل أسماء الشركات المرخّصة لا عناوين مواقعها الإلكترونية، فلا يرد فيه اسم Play971 نفسه، بل اسم الشركة التي تشغّله.
الترخيص مشروط بمعايير فنية وحماية للحساب ورقابة على المال
تعتمد الهيئة سلسلة معايير فنية أعدّتها مختبرات Gaming Laboratories International لاختبار تقنيات الألعاب واعتمادها، منها GLI-19 لأنظمة الألعاب التفاعلية عبر الإنترنت وGLI-29 لأجهزة خلط الورق وصناديق توزيعه، إلى جانب معايير لطاولات الألعاب الإلكترونية ولأنظمة المراهنة على الأحداث، وتنص على أن المشغّلين مسؤولون عن معرفتها والالتزام بها.
وتعرّف معايير الإعلان التي أصدرتها الهيئة في فبراير 2024 القاصرَ بأنه من لم يبلغ 18 عامًا في اليانصيب، ومن لم يبلغ 21 عامًا في سائر الألعاب التجارية. ويشترط إطار اللعب المسؤول، الذي نشرته الهيئة في مايو 2024، أن توافق الهيئة على برنامج المشغّل للّعب المسؤول قبل أن يبدأ نشاطه، وأن يُحدَّث البرنامج كل عام، وأن تتيح المنصات للمستخدم حدودًا للإيداع على أساس يومي وأسبوعي وشهري، وفترة توقف لا تقل عن 72 ساعة يطلبها متى شاء.
وتدير الهيئة برنامجًا للاستبعاد الذاتي الطوعي. ومن يسجّل فيه يُحذف من قوائم التسويق، ولا يُسمح له بفتح حساب، ولا يستحق أي أرباح إن شارك رغم التسجيل، ويُمنع من دخول منشآت الألعاب المرخّصة، فيما تصل القوائم السرية إلى المشغّلين ليُدرجوها في أنظمتهم. ولا يُسقط التسجيل دينًا ترتّب على صاحبه قبل انضمامه. والمال الذي يُدفع في هذه الأنشطة معرّض للخسارة في كل مرة، وهذه الأدوات موضوعة لتُستخدم قبل أن تتحول الخسارة إلى مشكلة.
وتُدرج الهيئة بين القوانين الحاكمة للقطاع المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2025 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتنص ورقة سياسات عن القطاع، أعدّتها في 2025 الأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ونشرتها الهيئة على موقعها، على أن أي معاملات يتجاوز مجموعها 11 ألف درهم يجب أن تمر عبر حساب مسجّل تنطبق عليه إجراءات العناية الواجبة، وعلى أن يحتفظ المشغّل بسجلاتها خمس سنوات بعد آخر معاملة أو انتهاء العلاقة مع صاحب الحساب.
وكان كيفن مولالي، الرئيس التنفيذي الأول للهيئة، قد نبّه في تحذير صدر في ديسمبر 2024 إلى أن المشغّلين غير المرخّصين لا يخضعون لأي رقابة على أموالهم، بما فيها الاحتياطيات المخصصة لدفع الجوائز. ومنذ 10 مارس 2026 لا تقبل Google إعلانات الألعاب عبر الإنترنت والمراهنات الرياضية في الإمارات إلا من جهات تحمل ترخيص الهيئة، بحسب صفحة سياساتها الإعلانية.
رأس الهيئة نفسه يقول إن مصداقية القطاع ستُبنى بالتعاون المؤسسي
تبدلت قيادة الهيئة في أقل من عام. ففي 6 نوفمبر 2025 أعلنت تنحّي مولالي، وتولى رئيس مجلس الإدارة المنصب مؤقتًا، ثم عيّنت في 9 يونيو 2026 كيران كاروثرز رئيسًا تنفيذيًا. والرجل آتٍ من الجهة الخاضعة للرقابة، فقد كان الرئيس التنفيذي لمجموعة Crown Resorts الأسترالية، وتنسب إليه الهيئة إعادتها إلى الأهلية الكاملة للترخيص.
وفي 14 أغسطس 2026 وقّعت الهيئة مذكرة تفاهم مع سلطة تنظيم الخدمات المالية في أبوظبي العالمي لتبادل المعلومات وتنسيق الرقابة حيث تتقاطع اختصاصاتهما. وقال كاروثرز في بيان التوقيع: "يُعد قطاع الألعاب التجارية أحد أحدث القطاعات الخاضعة للتنظيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وستُبنى مصداقيته من خلال هذا النوع من التعاون المؤسسي".
واتبعت الهيئة النهج نفسه قبل ذلك خارج الدولة، إذ وقّعت في 30 أبريل 2025 مذكرة تفاهم مع قسم إنفاذ قوانين الألعاب في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، تركّز بحسب بيانها على الأمن السيبراني وحماية المستهلك والتعاون التنظيمي. وتوصي ورقة السياسات المذكورة بإنجاز تقييم لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب في القطاع كله بوصفه خطوة تأسيسية، على أن تُطبَّق تدابير الحد من المخاطر بعده بما يتناسب مع نتائجه.
ويقف هذا الإطار كله عند حدود الإمارات. فالموقع الذي تشغّله الشركة المرخّصة يعرض صفحة تقييد لمن يحاول فتحه من خارج الدولة، ولا يغيّر التنظيم الإماراتي شيئًا في قوانين أي دولة أخرى، ومنها الأردن.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات