ندوات وورشات ولقاءات بحجم العالم، ولكن بلا نتائج على الواقع!
كل يوم تطالعنا صفحات الفيسبوك بأخبار فعاليات ومؤتمرات وندوات وورشات ولقاءات تحمل عناوين مثيرة، وتبدو أكبر بكثير من الجهات التي ترعاها، حتى ليخيّل إلينا أن العالم اختار البترا لتكون غرفة عملياته الكبرى، ومنها ستُرسم سياسات المستقبل، وتُحل أزمات البشرية؛ وكأننا نقرأ عن علماء وخبراء وحملة جوائز نوبل يناقشون التغير المناخي، ومرةً عن أزمات المياه والطاقة، وأخرى عن الحرب والسلام والسياحة والتنمية والاقتصاد، وكلها قضايا مهمة تستحق البحث والنقاش، لكن ما إن نتأمل صور الحضور حتى يقتحم الذهن سؤالان:
الأول: لماذا يحضر هؤلاء، بينما يغيب أصحاب الخبرة والاختصاص الحقيقيون، وأولئك الذين يعيشون المشكلة ويدفعون ثمنها يومياً؟
كيف نناقش مستقبل السياحة في البترا دون أن يكون أهل الاختصاص والعاملون في الميدان والمجتمع المحلي في قلب الحوار؟ وكيف نتحدث عن التنمية المستدامة، بينما لا نرى المعنيين بالتنمية أو حتى الناس الذين يُفترض أن تكون التنمية من أجلهم؟
لا أشكك في كفاءة كل من يحضر، ولا أطالب بحضور أسماء بعينها، لكنني أتساءل عن معايير الاختيار، وعن سبب تكرار الوجوه نفسها في مناسبات مختلفة، حتى يبدو أحياناً أن هناك قائمة جاهزة للفعاليات، لا علاقة لها بالضرورة بطبيعة موضوعاتها.
أما السؤال الثاني، والأكثر إزعاجاً: أين تذهب نتائج هذه الفعاليات بعد انفضاض المؤتمرين أو بالأحرى الحضور؟
أين القرارات، والمشروعات، والتوصيات القابلة للتنفيذ، والتقارير التي تكشف ما تحقق؟ وماذا يتغير في حياة الناس بعد كل هذه اللقاءات؟
تمر الأيام والشهور، وتبقى أزمات المياه والسياحة والاقتصاد المحلي قائمة، بينما تظل صور المؤتمرات محفوظة على صفحات التواصل الاجتماعي، جاهزة لإعادة النشر عند الحاجة إلى مناسبة جديدة.
ليس مطلوباً أن يحل لقاءً واحداً أزمة عالمية، لكن من حق المجتمع أن يعرف لماذا انعقد، وماذا أضاف، وما الذي سيحدث بعده، فهناك فرق كبير بين فعالية لم تحقق نتائج فورية، ونشاط لا يملك أصلاً أهدافاً واضحة أو خطة متابعة أو جهة تُسأل عن مخرجاته.
حين تصبح الصورة بديلاً عن الإنجاز
بدأت أعتقد أن بعض هذه الفعاليات لا يُراد لها أن تكون أداة للتغيير بقدر ما يُراد لها أن تنتج صورة عن التغيير، وهو ما يمكن تسميته «اقتصاد الصورة»، حيث يصبح الظهور بمظهر من يعمل أهم من العمل نفسه، وعدد المشاركين والصور المنشورة أهم من النتائج المتحققة على الأرض، بل وتتحول أسماء الخبراء والجهات الدولية إلى عناوين تمنح الحدث وزناً، وتصبح المنصة والخبر الصحفي دليلاً على النجاح، حتى لو لم يتغير شيء في الواقع.
وهنا تكمن الخطورة، فالصورة قد تكون صحيحة، والعنوان قد لا يكون كاذباً، لكنهما قد يصنعان انطباعاً مضللاً عن حجم الإنجاز، والمشكلة ليست في الإعلام أو التوثيق، بل حين يصبح التوثيق هو العمل، ويصبح الإعلان عن النشاط أهم من أثره؛ ولقد سمعت أن مسؤولاً يبرر هذا المشهد بعبارة صادمة، قال، بحسب ما نُقل إليّ من مصدر موثوق: «بصراحة والله بنكذب عالناس لأنه ما عندنا إشي».
لا أستطيع أن أعمم حكماً على المؤسسات والفعاليات من عبارة واحدة، لكن إن كانت قد قيلت بهذا المعنى، فهي تكشف أزمة عميقة؛ إذ يصبح تجميل الواقع بديلاً عن الاعتراف بمشكلاته والعمل على حلها.
والسؤال هنا: لماذا لا يكون الاعتراف بالنقص بداية للإصلاح، بدلاً من تغطيته بمزيد من الصور والعناوين؟ فالمؤسسة قد تتجاوز إخفاقاً معلناً، لكنها تجد صعوبة أكبر في استعادة ثقة الناس حين يكتشفون أن ما قُدّم لهم باعتباره إنجازاً لم يكن سوى واجهة.
عبيد الكرسي أم أسرى الوظيفة؟
حين يصبح همّ المسؤول الأول هو المحافظة على منصبه وامتيازاته، يفقد المنصب معناه، ويتحول من وسيلة لخدمة الناس إلى غاية بحد ذاتها؛ وعندها لا يعود السؤال: ماذا يحتاج المكان؟ بل: ما الذي يرضي صاحب القرار؟ ولا يصبح معيار النجاح ما تحقق، بل مقدار الهدوء حول المسؤول وعدد الأخبار التي تثبت حضوره، وفي مثل هذه البيئة، يصبح النقد خطراً، والمصارحة مغامرة، والاعتراف بالإخفاق تهديداً للموقع، فيما تتحول الفعاليات إلى وسيلة آمنة لإثبات النشاط دون تحمل مسؤولية الإنجاز، ومع ذلك، فالإنصاف يقتضي ألا نضع جميع المسؤولين في سلة واحدة، فهناك من يعمل بجد في ظروف صعبة، ومن يواجه محدودية الموارد والصلاحيات، لكن من حقنا أن نميز بين من يعمل لإنجاز حقيقي، ومن يكتفي بإظهار نفسه عاملاً.
فالكرسي ليس المشكلة، وإنما المشكلة حين يجلس الإنسان عليه فينسى لماذا وُضع هناك.
لماذا تبدو المسألة أكثر إلحاحاً في البترا؟
لا أملك بيانات كافية لأحكم بأن هذه الظاهرة وطنية شاملة، ولا يصح اتهام مؤسسة بعينها دون أدلة، لكن تكرار المشهد يفرض التساؤل: هل نحن أمام خلل في ثقافة الإدارة، أم ممارسات محلية، أم مشكلة في الطريقة التي نقيس بها النجاح؟
وبالطبع في البترا، يصبح السؤال أكثر حساسية، فهي موقع تراث عالمي ووجهة سياحية دولية ومصدر رزق لآلاف الأسر، وقد انعكست التحديات السياحية والاقتصادية على حياة مجتمعها المحلي، لذلك، فإن من حق أهلها أن يسألوا عن كل لقاء أو نشاط يُنَظّم باسم التنمية، وعن كل مبادرة تُعلن باسم المجتمع المحلي، وعن كل لقاء يناقش مستقبل السياحة والاستدامة؛ فالبترا لا تحتاج إلى مزيد من الصور التي تثبت أن العالم يهتم بها، بقدر ما تحتاج إلى نتائج تثبت أن هذا الاهتمام يغيّر شيئاً في واقعها، كما تحتاج إلى قرارات تحمي تراثها، وتحسن خدماتها، وتفتح فرصاً اقتصادية لأهلها، وإلى إشراك أصحاب الخبرة والمجتمع المحلي في صناعة القرار، لا استخدامهم مجرد خلفية لصورة جماعية.
ماذا نريد إذن؟
نريد أن ننتقل من سؤال «من سيحضر؟» إلى سؤال «ما المشكلة التي سنعالجها؟»، ومن «كيف سيبدو الحدث؟» إلى «ماذا سيبقى منه بعد انتهائه؟».
نريد أهدافاً واضحة، ومخرجات معلنة، وجهات مسؤولة عن المتابعة، وتقارير تكشف ما نُفذ وما تعثر ولماذا، ونريد أن يصبح المجتمع شريكاً في صناعة القرار، لا جمهوراً يُدعى للتصفيق؛ فنحن واقعيين ولا نتوقع أن تنجح كل مبادرة، بل أن نكون صادقين في عرض نتائجها، وشجعاناً في الاعتراف بإخفاقاتها، ومستعدين لمراجعة الأخطاء بدلاً من تغطيتها بمزيد من الأخبار والصور.
كلمة أخيرة إلى من يعنيهم الأمر
أنا لا أعادي المؤتمرات ولا أرفض الشراكات الدولية، لكنني أرفض أن تتحول هذه الأدوات إلى ستار يغطي العجز، أو وسيلة تمنح بعض المسؤولين شعوراً زائفاً بأنهم أدوا واجبهم لمجرد ظهورهم في صورة جماعية تحت عنوان كبير.
أنا لا أحتاج إلى صورة جديدة كي أقتنع بأنكم تعملون، بل إلى دليل على أن عملكم أحدث فرقاً، ولا أحتاج إلى عنوان عالمي كي أصدق أنكم تهتمون بالبترا، بل إلى أن أرى هذا الاهتمام في واقعها وتراثها وأهلها.
فالوطن ليس منصة لالتقاط الصور، ولا شعاراً يُرفع عند الحاجة، ولا بطاقة تُستخدم لتبرير البقاء في المناصب، والوطنية لا تثبتها البيانات الصحفية، بل تشهد عليها الأفعال؛ فالوطن أكبر من الوظيفة، وأبقى من الكرسي، وأكرم من أن يُختزل في امتيازات شاغليه.
وعندما تنطفئ الكاميرات، وتُطوى المنصات، ويغادر المدعوين، فماذا يبقى للوطن؟
هل يبقى قرار أو مشروع أو فرصة عمل أو مشكلة حُلّت؟ أم لا يبقى سوى خبر قديم وصور باهتة وواقع ينتظر مؤتمراً آخر؟ إذا كان هذا كل ما يبقى، فالمشكلة ليست في غياب الإنجاز وحده، بل في أننا بدأنا نعامل غيابه وكأنه إنجاز.
هاني الفلاحات يكتب: لا أدري… أهي ظاهرة وطنية أم حالة خاصة بالبترا؟!
منذ 1 ساعة
المشاهدات :
12523
هاني علي محمود الفلاحات
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
رشا سفيان الأحمد يكتب: الشاشات سرقت صبر أبنائنا .. جيلٌ لا يحتمل الانتظار
منذ 19 دقيقة
كُتاب سرايا
د. جاسر عبد الرزاق النسور يكتب: دولة الرئيس .. هل آن أوان مراجعة أداء الفريق الوزاري؟
منذ 31 دقيقة
كُتاب سرايا
أ.د. سلطان المعاني يكتب: المدنية الزائفة
منذ 32 دقيقة
كُتاب سرايا
د.منذر الحوارات يكتب: ثلاث سنوات بعد السابع من أكتوبر
منذ 41 دقيقة
كُتاب سرايا
ماهر أبو طير يكتب: تنظيمات عسكرية للإيجار في الإقليم
منذ 42 دقيقة
أخبار فنية
فن
رئيس مهرجان القاهرة يتراجع عن دفاعه حول بوستر الدورة الـ47 بعد انتقادات ملامح شادية
منذ 1 ساعة
فن
منة فضالي محط اهتمام الجمهور بتوثيق لحظاتها الخاصة مع أحمد السقا
منذ 1 ساعة
فن
وفاة الممثل الأمريكي آر جاي ميتي نجم "Breaking Bad" عن 34 عاما
منذ 9 ساعات
فن
الذكاء الاصطناعي يتسبب في أزمة بسبب صورة "شادية"
منذ 9 ساعات
فن
ديدي يعود إلى السجن بعد علاج طارئ من إصابة في الرأس
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
بينها تعويض ملياري وخصم 100 نقطة .. أندية إنجلترا تقترح عقوبة السيتي
منذ 1 ساعة
رياضة
غلطة سراي وبرشلونة .. لماذا تعد أغلى مباراة في تاريخ الكرة التركية؟
منذ 1 ساعة
رياضة
الحسين يواجه السيب العُماني في دوري أبطال آسيا 2 اليوم
منذ 2 ساعة
رياضة
رفع وشاح "عاش الملك للعلم والوطن" .. هكذا عبّر رونالدو عن حبه للسعودية
منذ 8 ساعات
رياضة
الزمالك يتقدم بشكوى ضد حكم مباراة الأهلي
منذ 9 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
السجن المؤبد لـ”دكتور فود” وشركائه - تفاصيل
منذ 50 دقيقة
منوعات من العالم
الكويت .. البحث عن عروسين سرقا فستان سهرة بـ850 دينارًا
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
بطول 100 متر .. اكتشاف مبنى أثري ضخم في باكستان
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
معلم تاريخي يحترق .. ماذا حصل في "سوق الأطفال الحمر" بباريس؟
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
السلطات الجزائرية تضبط عصابة لتجنيس "الحراقة" من جنسيات إفريقية
منذ 9 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات