حين كنت طفلاً، أقسم إنني كنت طفلاً، كنت أذهب إلى المدرسة طوال الأسبوع بزي موحد فرض كرهاً لا طواعية، ليس عندي غيره، وكنت أكتب للوطن.
كانت والدتي تبذل ما استطاعت لتجعل ألوان ملابسي متناسقة، لعلها تستر فقراً لم يكن ذنبي، وتحفظ لي شيئاً من كرامة طفل لم يكن يعرف من الوطن سوى اسمه في الكتب، يومها كنت أكتب للوطن.
في مدرستي الجنوبية النائية كنت أتناول ما يسمى ظلماً وزرواً وبهتاناً "التغذية المدرسية"، وجبة لا أدري إن كانت قد وضعت لإطعام أجسادنا أم لتعويدنا مبكراً على ابتلاع الخيبات، وبعدها كنت أعود إلى دفتري وأكتب للوطن.
في مرض الأبناء ووفاتهم، كبرت، وكبرت معي الخيبات، وقائمة الفواتير وصغر أمامها كل شيء آخر.
عندما مرض ابني عبدالله خضت معه رحلة علاج استمرت خمس سنوات، كنت خلالها أتحمل نفقات السفر والعلاج، وأطارد أملاً يتراجع كلما اقتربت منه.
وحين أراد الله، وعجز الطب عن إبقائه بيننا، رحل عبدالله، وبقيت أنا والفواتير وذاكرة لا تعرف كيف تغلق حساباتها، ومع ذلك كنت أكتب للوطن.
ثم جاءت الرميساء ابنتي التي لم تمنحني الحياة فرصة كافية لأحلم معها بمستقبل طويل، فمنذ يوم ولادتها وحتى وفاتها، امتدت رحلة علاجها ثماني سنوات، كنت أدفع خلالها ما أستطيع وما لا أستطيع، حتى ثمن المحروقات التي حملت جسدها في سيارة نقل الموتى، كان جزءاً من فاتورة الوجع، وكنت أكتب للوطن.
نعم حتى الموت لم يكن مجانياً، وكنت أكتب لوطن لا ناقة لي فيه ولا جمل، والمفارقة أنني ما زلت أكتب للوطن، فيما يبدو أن الوطن لا يقرأ إلا ما يكتب لأبناء الحظوة إياهم.
رحل عبدالله، ثم لحقته الرميساء وغيرهما يعالجون خارج الوطن وعلى نفقة الوطن، وقلت لنفسي العوض في الوطن، وما زلت أكتب لوطن لا أملك فيه ناقة ولا جملاً.
رحل الأبناء وبقيت أنا اراجع دفاتر الخسارة والخذلان، وكنت أكتب للوطن، كأن الكتابة إليه طلب مساعدة لا يحتاج إلى طابع مالي، وكأن الحبر يستطيع أن يسد ثغرة عجزت عنها مؤسسات بأكملها.
ولأن الوطن أكبر من الأرقام على الفواتير، لا أطلب حصة من غنيمة، ولا مقعداً في مجلس إدارة، ولا امتيازاً استثنائيًاً، فهذه كما تعودنا حصراً وحكراً لأبناء ماكنة التفريخ والتوريث.
في وطن لا ناقة لي فيه ولا جمل، كل ما أملكه ذاكرة طفل، وأب فقد ابنيه، وقلم لم يتوقف عن الكتابة، رغم أن صاحبه لم يعد يعرف إن كان يكتب حباً، أم احتجاجاً على ما آل إليه نصيب أبنائه منه.
في المدن المتعبة أهلها، ثمة دروس مجانية في الصبر، وفي أن الفقر لا يحتاج إلى شهادة وأن المرض لا ينتظر الموازنات، وأن الموت لا يعفيك من دفع تكاليفه.
سأواصل الكتابة للوطن، رغم أنني لا أملك فيه شيئاً سوى كل ما خسرته، وما دفته من سنوات العمر، وأرقام على فواتير العلاج لا تزال مفتوحة.
كانت والدتي تبذل ما استطاعت لتجعل ألوان ملابسي متناسقة، لعلها تستر فقراً لم يكن ذنبي، وتحفظ لي شيئاً من كرامة طفل لم يكن يعرف من الوطن سوى اسمه في الكتب، يومها كنت أكتب للوطن.
في مدرستي الجنوبية النائية كنت أتناول ما يسمى ظلماً وزرواً وبهتاناً "التغذية المدرسية"، وجبة لا أدري إن كانت قد وضعت لإطعام أجسادنا أم لتعويدنا مبكراً على ابتلاع الخيبات، وبعدها كنت أعود إلى دفتري وأكتب للوطن.
في مرض الأبناء ووفاتهم، كبرت، وكبرت معي الخيبات، وقائمة الفواتير وصغر أمامها كل شيء آخر.
عندما مرض ابني عبدالله خضت معه رحلة علاج استمرت خمس سنوات، كنت خلالها أتحمل نفقات السفر والعلاج، وأطارد أملاً يتراجع كلما اقتربت منه.
وحين أراد الله، وعجز الطب عن إبقائه بيننا، رحل عبدالله، وبقيت أنا والفواتير وذاكرة لا تعرف كيف تغلق حساباتها، ومع ذلك كنت أكتب للوطن.
ثم جاءت الرميساء ابنتي التي لم تمنحني الحياة فرصة كافية لأحلم معها بمستقبل طويل، فمنذ يوم ولادتها وحتى وفاتها، امتدت رحلة علاجها ثماني سنوات، كنت أدفع خلالها ما أستطيع وما لا أستطيع، حتى ثمن المحروقات التي حملت جسدها في سيارة نقل الموتى، كان جزءاً من فاتورة الوجع، وكنت أكتب للوطن.
نعم حتى الموت لم يكن مجانياً، وكنت أكتب لوطن لا ناقة لي فيه ولا جمل، والمفارقة أنني ما زلت أكتب للوطن، فيما يبدو أن الوطن لا يقرأ إلا ما يكتب لأبناء الحظوة إياهم.
رحل عبدالله، ثم لحقته الرميساء وغيرهما يعالجون خارج الوطن وعلى نفقة الوطن، وقلت لنفسي العوض في الوطن، وما زلت أكتب لوطن لا أملك فيه ناقة ولا جملاً.
رحل الأبناء وبقيت أنا اراجع دفاتر الخسارة والخذلان، وكنت أكتب للوطن، كأن الكتابة إليه طلب مساعدة لا يحتاج إلى طابع مالي، وكأن الحبر يستطيع أن يسد ثغرة عجزت عنها مؤسسات بأكملها.
ولأن الوطن أكبر من الأرقام على الفواتير، لا أطلب حصة من غنيمة، ولا مقعداً في مجلس إدارة، ولا امتيازاً استثنائيًاً، فهذه كما تعودنا حصراً وحكراً لأبناء ماكنة التفريخ والتوريث.
في وطن لا ناقة لي فيه ولا جمل، كل ما أملكه ذاكرة طفل، وأب فقد ابنيه، وقلم لم يتوقف عن الكتابة، رغم أن صاحبه لم يعد يعرف إن كان يكتب حباً، أم احتجاجاً على ما آل إليه نصيب أبنائه منه.
في المدن المتعبة أهلها، ثمة دروس مجانية في الصبر، وفي أن الفقر لا يحتاج إلى شهادة وأن المرض لا ينتظر الموازنات، وأن الموت لا يعفيك من دفع تكاليفه.
سأواصل الكتابة للوطن، رغم أنني لا أملك فيه شيئاً سوى كل ما خسرته، وما دفته من سنوات العمر، وأرقام على فواتير العلاج لا تزال مفتوحة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات