د. فايز السعودي يكتب: من ضبط قاعة الامتحان إلى ضبط الغرفة الصفية: أين يبدأ إصلاح التعليم؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 14452
د. فايز السعودي يكتب: من ضبط قاعة الامتحان إلى ضبط الغرفة الصفية: أين يبدأ إصلاح التعليم؟
الدكتور فايز السعودي

الدكتور فايز السعودي

يثني كثيرون على تشديد إجراءات امتحان الثانوية العامة، من خلال التواجد الأمني المكثف، والرقابة المشددة، واستخدام وسائل التشويش لمنع الغش الإلكتروني، ويعدّون ذلك دليلًا على تحسن مخرجات التعليم. ولا شك أن حماية الامتحان من الغش والتسريب ضرورة، لكن نزاهة الامتحان لا تعني بالضرورة جودة التعليم، وضبط القاعة لا يكفي لإثبات نجاح الإصلاح التربوي.

فالامتحان لا يبدأ عند باب القاعة، بل في الغرفة الصفية؛ حيث تُبنى المعرفة، وتنمو المهارات، وتُكتشف قدرات الطلبة، وتُعالج فجوات التعلم. ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على منع الغش، بل يتطلب توفير بيئة تعليمية حاضنة وجاذبة ومحفزة، ومعلم مؤهل، ومناهج وأساليب تدريس تراعي اختلاف قدرات الطلبة وميولهم واستعداداتهم.

وقد أدى التشدد المفرط في بعض الفترات إلى زيادة القلق والتوتر لدى الطلبة، بما قد يؤثر في أدائهم. كما أن عدالة التقييم تقتضي مراجعة الأسئلة ونتائجها فنيًا وإحصائيًا، ومعالجة أي خلل مثبت وفق أسس علمية واضحة، بما يضمن عدم تحميل الطالب تبعات أخطاء في إعداد الاختبار لم يرتكبها.

ومن الآثار التي تستحق الدراسة أيضًا لجوء طلبة إلى مدارس خارج الأردن للحصول على الثانوية العامة، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية على أسرهم، الأمر الذي يستدعي بحث الأسباب والتحقق من عدالة معايير التقييم وتكافؤها.

ولا يعني إصلاح التعليم التساهل في النجاح أو منح الشهادات دون استحقاق، بل تحسين التدريس، والكشف المبكر عن التعثر، وتوفير فرص الاستدراك، وتطوير المناهج، وتعزيز التعليم المهني والتقني، وبناء منظومة تقييم تقيس الفهم والمهارات، لا القدرة على اجتياز الامتحان وحدها.

ومن حق المؤيدين لتشديد إجراءات الامتحان تقدير دورها في مكافحة الغش، لكن الحكم على جودة التعليم يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز نسب النجاح والرسوب، وتقيس ما اكتسبه الطلبة فعلًا من معارف وكفايات. فالرقابة قد تحمي نزاهة الامتحان، لكنها لا تعالج وحدها ضعف التحصيل، ولا تعوض ما فات الطلبة من تعلم.

إن مسؤولية وزارة التربية والتعليم ليست أن تنتظر الطالب عند نهاية الطريق لتقرر نجاحه أو رسوبه، بل أن ترافقه طوال الطريق، وتساعده على التعلم، وتكتشف قدراته، وتعالج تعثره. فضبط قاعة الامتحان يحمي نزاهة الشهادة، أما جودة التعليم في الغرفة الصفية فهي التي تصنع استحقاقها. والإصلاح الحقيقي ليس أن نكتفي بمنع الغش، بل أن نقلل أسباب الرسوب، ونهيئ لكل طالب فرصة حقيقية للنجاح.


د. فايز السعودي
وزير التربية والتعليم الأسبق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم