ابراهيم القعير يكتب: صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 18459
 ابراهيم القعير يكتب: صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟
إبراهيم القعير

إبراهيم القعير

تغريبة الحق.. أطول معاناة في تاريخ البشرية. سفينة نوح وثمن الإصلاح.هو أول غيث النبوة المرسل إلى الأرض بعد أن أظلّها غمام الشرك، وأحد أولي العزم الذين حملوا مشاعل النور في ليل الإنسانية البهيم، والجد الثاني الذي تناسلت من صبره البشرية.

إن ما كابده سيدنا نوح -عليه السلام- في مجابهة قومه يمثّل السفر الأطول والأقسى في تاريخ المعاناة الإنسانية؛ إذ امتدت مكابدته تسعمائة وخمسين عاماً، تجرّع خلالها غصص الصدّ والجحود، واعتصم بالصبر الجميل في قلةٍ مستضعفة لم تزدها الأيام إلا ثباتاً. ولم تكن وطأة المحنة مقصورة على عداء العشيرة، بل تغلغلت إلى سويداء بيته؛ إذ خانته امرأته بكفرها، فكانت تفشي سرّه وتنبذه بالجنون، وتوّجت الرزية بفقد ولده (كنعان) الذي عصى واستكبر، فابتلعه الطوفان غرقاً أمام ناظريه، ليتجرع الأب مرارة الفقد وحسرة العقوق معاً.

والمتأمل في الذكر الحكيم يستجلي خمسة أساليب ممنهجة لإسقاط أهل الحق، صاغتها الجاهلية الأولى (بنو راسب) وتوارثتها المجتمعات المستكبرة عبر العصور كابراً عن كابر:


1. هدم الرمز والانتقاص من قدره: أولى كنانات الباطل هي السعي الحثيث للحطّ من مكانة الداعي، والتقليل من شأنه عبر تساؤلات تافهة تطعن في أهليته؛ فيدّعون حداثة سنه، أو غربته عن المِصر، أو ضآلة معارفه. وهكذا واجه قوم نوح نبيّهم بالاستهزاء والتهكم كلما شرع في بناء أسباب النجاة، كما صوّر القرآن الكريم هذا الصَّلف في قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38]. 2. محاكمة النوايا والطعن في المقاصد: إذا عجز الباطل عن مقارعة الحجة، عمد إلى تزييف الدوافع؛ فيشيع أن المصلح لا يبتغي بنصحه إلا مآرب شخصية، من وجاهة، أو طلب صيت، أو رغبة في استمالة الجماهير والاستحواذ على عقولهم (وهو ما يُعرف في ثقافة عصرنا بـ "طلب الترند والتفاعل"). لقد واجه المَلأ دعوة نوح بـهذا الاتهام الرخيص، كما حكى القرآن: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24]، ورموه بالضلال في قولهم: {قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: 60]. 3. التترس بالأعراف واشتراط ما ليس بشرط: يلجأ سدنة الجمود إلى الاحتجاج بسلطان العادة، وشرعية المألوف، قائلين: "ما عهدنا هذا في آبائنا، وما أقره كبراؤنا". ثم يأنفون من اتباع الحق لأن سواد أتباعه من المستضعفين والبسطاء، إذ يرى الطغاة في كل عصر أن الحق حكرٌ على علية القوم، واصفين المصلحين بالشرذمة المفسدة التي تعكر صفو الحياة ورونقها، كما قال تعالى مخبراً عن استعلائهم: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]، وقولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]. 4. الحصار النفسي والافتراء المعنوي: حين تضيق بالباطل السبل، يشنّ على أهل الحق حرباً نفسية واجتماعية شعواء، فيطوقهم بالعزلة والقطيعة، ويوجه إليهم سهام التهم الجاهزة؛ فتارة هو "ساحر مجنون"، وتارة "متطرف رجعي"، وأخرى "صاحب أجندة وإملاءات خارجية"، وهو ديدن الطغيان المذكور في محكم التنزيل: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9]، وقوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35]. 5. بثّ الريبة وصناعة العزلة: يمزجون السمّ بالعسل، ويسعون لزجر الناس عن سماع المصلح بإشاعة الريبة حوله، مستنكرين أن يأتيهم الهدى على يد بشر مثلهم، ومحرضين الدهماء على التمسك بالموروث الفاسد لضمان عزلته، كما قال تعالى على لسانهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]، وقولهم الحاقد: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا} [هود: 27]. خاتمة: شقاء المصلحين وثمن الحرية إن هذه المعاناة المريرة ليست وقفاً على الأنبياء والرسل دون سواهم، بل هي الضريبة السرمدية التي يتقاضاها الجهل من كل مصلح؛ فالمفكرون، والوطنيون، وكل غيورٍ ينتفض ضد القوانين الجائرة أو يماط اللثام عن بؤر الفساد، يلقون المصير ذاته: سُعار حربٍ شعواء، وتغييب في غياهب السجون، ونبذ في المجتمعات. وإن أعظم الفواجع نكراً، وأشدها مضاضة، أن ترى بعض الشعوب تحارب من يسعى لخلاصها، وتتحزب مع جلادها، في قمةٍ مخزية من قمم العبودية الطوعية؛ بينما يتشح المستبدون برداء الحضارة، والإنسانية، والأخلاق الزائفة، ليسدلوا ستاراً يوارون به قذارة واقعهم وبشاعة جرائمهم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم