بتول عدنان الملكاوي يكتب: يوسف البسام والأردن .. من الشراكة التنموية إلى صناعة فرص الاستثمار

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10087
بتول عدنان الملكاوي يكتب: يوسف البسام والأردن ..  من الشراكة التنموية إلى صناعة فرص الاستثمار
بتول عدنان الملكاوي

بتول عدنان الملكاوي

ليست كل الشخصيات التي تمرّ في مسارات التعاون بين الدول تُقرأ من خلال مناصبها وحدها؛ فبعض الأسماء تستحق أن تُقرأ من خلال الملفات التي عملت عليها، والاتفاقيات التي شاركت في إبرامها، والأسئلة التي تتركها تجربتها أمام مستقبل التنمية والاستثمار. ومن هذه الزاوية، يأتي الحديث عن المهندس يوسف بن إبراهيم البسام، الذي ارتبط اسمه لسنوات بمسارات العمل التنموي والتمويل الإنمائي، وتولى مناصب قيادية في الصندوق السعودي للتنمية، من بينها منصب نائب الرئيس والعضو المنتدب، قبل أن يتولى رئاسة مجلس إدارة المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا عام 2008، وفقًا لما نشرته وكالة الأنباء السعودية.



إن استحضار تجربة البسام في سياق العلاقة الأردنية السعودية ليس استعادةً لأسماء شغلت مواقع إدارية فحسب، بل محاولة لفهم كيف يمكن للعمل التنموي المؤسسي أن يفتح أبوابًا لمشروعات جديدة، وكيف يمكن الانتقال من تمويل الاحتياجات القائمة إلى بناء فرص اقتصادية تستجيب لمتطلبات المستقبل.



يوسف البسام.. محطات تتحدث عنها الاتفاقيات في أي قراءة مهنية لمسيرة شخصية عامة، تبقى الوثائق الرسمية نقطة البداية. وفي حالة المهندس يوسف البسام، تقدم الاتفاقيات التنموية الموقعة مع الأردن شواهد واضحة على طبيعة الملفات التي عمل عليها خلال توليه مسؤولياته في الصندوق السعودي للتنمية.


في أيار عام 2015، وقّع البسام اتفاقيتين للمساهمة في تمويل مشروع الألياف الضوئية الوطني ومشروع المدن الصناعية في الأردن، بقيمة إجمالية بلغت 80 مليون دولار أمريكي؛ خُصص منها 50 مليون دولار لمشروع الألياف الضوئية، و30 مليون دولار للمدن الصناعية. وتكشف هذه الاتفاقية عن اجتماع مسارين مهمين في التنمية الاقتصادية: تطوير البنية التحتية الرقمية من جهة، وتعزيز البنية التحتية الصناعية من جهة أخرى. فالأول يرتبط بقدرة الاقتصاد على مواكبة التحول التكنولوجي، والثاني يرتبط بتهيئة بيئة تستوعب النشاط الصناعي والإنتاجي. وفي أيلول عام 2017، وقّع البسام، بصفته نائب رئيس مجلس إدارة الصندوق السعودي للتنمية، اتفاقية منحة بقيمة 60 مليون دولار للمساهمة في تمويل مشروع التقاطعات المرورية في العاصمة عمّان. وتضمن المشروع إنشاء جسور وأنفاق عند ثلاثة تقاطعات رئيسية، بهدف تحسين الحركة المرورية وتسهيل التنقل. وقبل ذلك، في كانون الأول عام 2015، ترأس البسام وفدًا من الصندوق السعودي للتنمية زار مركز العلاج بالخلايا الجذعية في الجامعة الأردنية، وهو مركز أفادت وكالة الأنباء السعودية بأن الصندوق موّله بالكامل. هذه المحطات الثلاث، على اختلاف قطاعاتها، تقدم صورة عملية عن مجالات التعاون التي جمعت الصندوق بالأردن: التكنولوجيا، والصناعة، والنقل، والبحث الطبي. وهي قطاعات تتقاطع مع احتياجات الاقتصاد الحديث، وتؤكد أن التعاون التنموي يمكن أن يتجاوز تمويل مشروع منفرد إلى دعم بنية أوسع من الخدمات والإمكانات.


الأردن ليس مجرد وجهة للتمويل لكن الحديث عن الاستثمار في الأردن ينبغي ألا يبدأ من افتراض أن المملكة تنتظر من يمول احتياجاتها، بل من حقيقة أن لديها موارد بشرية ومؤسسات وخبرات وقطاعات اقتصادية يمكن البناء عليها وتطويرها. فالأردن يمتلك كفاءات هندسية وتقنية وعلمية، وخبرات في التعليم والخدمات والقطاع الصحي، إلى جانب فرص في الزراعة والصناعات الغذائية والطاقة والخدمات اللوجستية. والتحدي الاقتصادي لا يتمثل في غياب الإمكانات وحده، بل في كيفية جمع هذه الإمكانات ضمن مشروعات مترابطة تستطيع إنتاج قيمة مضافة وفرص عمل وأسواق جديدة. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة من التعاون الاستثماري الأردني السعودي يمكن أن تُناقش من منظور مختلف: ليس فقط ما القطاعات التي تحتاج إلى التمويل، بل ما المشروعات التي تستطيع توظيف الكفاءات الأردنية، واستثمار الموارد المتاحة، وربط الإنتاج بالتصنيع والتكنولوجيا والتصدير.



إن الأردن، بما يمتلكه من موقع جغرافي وخبرات بشرية وبنية مؤسسية، يستطيع أن يكون شريكًا في تصميم المشروعات وتطويرها وتنفيذها، لا مجرد موقع لإقامتها. وهذه الشراكة المتوازنة هي التي تمنح الاستثمار فرصة لتحقيق منفعة متبادلة، وتدعم قدرة الاقتصاد الأردني على توسيع قاعدته الإنتاجية. من تجربة التعاون السابقة إلى مقترح استثماري جديد في هذا السياق، أطرح فكرة تستحق الانتقال من النقاش العام إلى الدراسة المتخصصة: إنشاء مشروع إنتاجي متكامل في شمال الأردن، يجمع الزراعة الحديثة والتكنولوجيا والتصنيع الغذائي والتخزين والتصدير ضمن منظومة استثمارية واحدة. لا تقوم الفكرة على إنشاء مزرعة تقليدية، ولا على إقامة منشأة صناعية منفصلة عن محيطها؛ بل على بناء سلسلة إنتاج مترابطة تبدأ من اختيار المحاصيل المناسبة والاعتماد على تقنيات الزراعة الحديثة، وتمتد إلى الفرز والتعبئة والتصنيع والتخزين المبرد، ثم التسويق والوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية. ويمكن أن تشمل المنظومة، وفق ما تثبته دراسة الجدوى، بيوتًا زراعية حديثة، وأنظمة ري عالية الكفاءة، وتقنيات للزراعة المحمية أو من دون تربة حيث تكون ملائمة، ومرافق للتصنيع الغذائي، ومختبرات للجودة، ووحدات للبحث والتطوير، وبرامج تدريب مهني متخصصة، وحلولًا للطاقة المتجددة عند جدواها الاقتصادية. أما شمال الأردن، بما فيه المناطق الزراعية في وادي الأردن، فيستحق أن يُدرس ضمن هذا التصور وفق ميزاته الفعلية، من دون افتراض صلاحية كل موقع أو توافر الأراضي والمياه والتراخيص اللازمة.




فاختيار الموقع يتطلب التحقق من الملكية والتنظيم والتصنيف الزراعي والموارد المائية والأثر البيئي والبنية التحتية وإمكانات النقل والتصدير. إن ما أقترحه ليس إعلانًا عن مشروع قائم، ولا ادعاءً بأن جهة بعينها تبنّت الفكرة؛ بل تصور استثماري قابل للدراسة، هدفه البحث عن صيغة تجعل من الزراعة نقطة انطلاق لمنظومة إنتاجية أوسع. لماذا الزراعة والتكنولوجيا والتصنيع معًا؟ لأن القيمة الاقتصادية لا تتحقق دائمًا عند إنتاج المادة الأولية، بل قد تتضاعف عندما تُعالج وتُطوّر وتُعبّأ وتصل إلى السوق في صورة منتج ذي قيمة أعلى. حين يُربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع الغذائي، تنشأ حاجة إلى المهندسين الزراعيين ومختصي الغذاء والمختبرات والجودة والتعبئة والتغليف. وحين تدخل التكنولوجيا في إدارة المياه والإنتاج والتخزين، تتسع المجالات أمام المبرمجين ومختصي البيانات والأتمتة والصيانة والطاقة. وحين تتكامل هذه المراحل مع النقل والتسويق والتصدير، تظهر فرص إضافية في الإدارة والمحاسبة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية والتسويق الرقمي والخدمات اللوجستية. وبذلك، لا تُختزل الفكرة في عدد الوظائف المباشرة داخل المشروع، بل تمتد إلى الأنشطة التي يمكن أن تنمو حوله من موردين ومقدمي خدمات ومشروعات صغيرة ومتوسطة. ويظل حجم فرص العمل الفعلية، وكلفة إنشائها، وأثرها الاقتصادي، أمورًا ينبغي أن تحددها دراسة الجدوى، لا التقديرات المسبقة. كما ينبغي أن تُبنى المنظومة على إدارة رشيدة للمياه، واختيار محاصيل تتناسب مع الموارد المتاحة والطلب في الأسواق، وتقييم واقعي لتكاليف الطاقة والإنتاج والنقل؛ لأن نجاح الاستثمار الزراعي الحديث لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على التوازن بين الجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية. ما الذي يمكن أن تضيفه الشراكة الأردنية السعودية؟ تتيح الخبرة المتراكمة في التعاون التنموي بين البلدين أساسًا للحوار حول مشروعات جديدة، شريطة التمييز بين التمويل التنموي والاستثمار التجاري، وتحديد النموذج الأنسب لكل مشروع. فالمقترح المطروح يحتاج إلى دراسة فنية واقتصادية مستقلة تحدد حجم الاستثمار، والهيكل القانوني، ومصادر التمويل، والشركاء المحتملين، والاحتياجات المائية والطاقة، والأسواق المستهدفة، والعائد المتوقع، والمخاطر، وآليات الحوكمة والمتابعة. وقد تدرس الجهات المختصة نماذج متعددة، من بينها الاستثمار المباشر أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو التعاون بين مستثمرين أردنيين وسعوديين، وفق القوانين والأولويات الوطنية والجدوى الفعلية. ولا يُفترض مسبقًا أن الصندوق السعودي للتنمية هو الجهة المناسبة لتمويل مشروع تجاري؛ إذ يجب تحديد الجهة والأداة التمويلية الملائمتين لطبيعة المشروع بعد إعداد الدراسة. وهنا تحديدًا تظهر أهمية الحوار مع أصحاب الخبرة في التنمية والتمويل والاستثمار: ليس من أجل طلب تمويل لفكرة لم تُدرس بعد، بل لاختبار إمكاناتها، وتحديد المسار المؤسسي المناسب لها، ومعرفة ما يلزم لتحويلها من تصور إلى مشروع قابل للتنفيذ. سؤال يستحق أن يصل إلى أصحاب الخبرة إن تجربة المهندس يوسف البسام في ملفات التعاون التنموي مع الأردن تفتح بابًا مشروعًا للنقاش حول كيفية بناء المرحلة التالية من الشراكة الاقتصادية بين البلدين. فالمشروعات التي دعمت البنية التحتية الرقمية والصناعية والنقل والبحث الطبي تقدم محطات يمكن الاستفادة منها في التفكير بالمستقبل. لكن السؤال الجديد هو: كيف يمكن الانتقال من دعم قطاعات منفردة إلى تطوير منظومات إنتاجية مترابطة، تستفيد من التكنولوجيا، وتوسّع التصنيع المحلي، وتفتح أسواقًا أمام المنتجات الأردنية؟ وهل يمكن أن يكون شمال الأردن مجالًا لدراسة نموذج متكامل يجمع الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والتكنولوجيا والتصدير، بما يراعي الموارد المائية والبيئية، ويعزز دور الكفاءات الأردنية، ويمنح المستثمر عائدًا واضحًا وقابلًا للقياس؟ إن طرح هذا السؤال لا يفترض إجابة مسبقة، ولا ينسب إلى أي جهة التزامًا لم تعلنه؛ بل يدعو إلى نقاش مهني يقوم على الأرقام والدراسات والشراكة المتوازنة. وأعتقد أن الأفكار الاقتصادية التي تستحق الاهتمام هي تلك التي لا تكتفي بتشخيص التحديات، بل تحاول تقديم تصور أولي للحل، وتقبل إخضاعه للنقد والتقييم والتطوير. فالأردن لا يحتاج إلى أن يُقدَّم بوصفه مساحة تنتظر الاستثمار، بل بوصفه شريكًا قادرًا على تقديم الأفكار والكفاءات والفرص. والاستثمار الذي يستحق أن يُناقش هو الذي يجمع بين جدواه للمستثمر، وقيمته للاقتصاد الوطني، وأثره المستدام في المجتمع. بقلم: بتول عدنان عمر الملكاوي
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم