صائب عارف يكتب: أوروبا بين قداسة الشعارات وبراغماتية المصالح

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11322
صائب عارف يكتب: أوروبا بين قداسة الشعارات وبراغماتية المصالح
صائب عارف

صائب عارف

تتحدث أوروبا كثيرًا عن حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والديمقراطية، واحترام القانون الدولي، وتقدم نفسها بوصفها حارسةً لمنظومة من القيم والمبادئ التي يفترض أنها لا تتجزأ ولا تخضع للظروف. لكن عندما تصطدم هذه الشعارات بالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، تبدأ علامات الاستفهام بالظهور، ويبرز التناقض بين ما يُقال وما يُمارس.

فالمشكلة ليست في أن تكون للدول مصالح؛ فالمصلحة جزء أصيل من السياسة الدولية. وإنما تكمن المشكلة عندما تُرفع القيم باعتبارها مبادئ عالمية، ثم تصبح قابلة للتأويل أو التجزئة عندما تتعارض مع الحسابات السياسية.

فإذا كان القانون الدولي مبدأً، فلا ينبغي أن يتغير وزنه بتغير هوية الطرف المعني. وإذا كانت حقوق الإنسان قيمة عالمية، فلا يفترض أن تكون حمايتها شديدة في قضية ومترددة في قضية أخرى بسبب اختلاف التحالفات والمصالح.

وهنا تكمن أزمة المصداقية: فالمبادئ التي لا تصمد أمام اختبار المصالح تتحول من قواعد أخلاقية إلى شعارات سياسية.

لقد أظهرت أزمات العالم المتعاقبة أن النظام الدولي يعاني فجوة مؤلمة بين النص والتطبيق. فهناك قوانين واتفاقيات وقرارات دولية كثيرة، لكن السؤال الأهم يظل: من يضمن تنفيذها عندما تتعارض مع إرادة القوى الكبرى أو مصالح حلفائها؟

إن ازدواجية المعايير، حين تظهر، لا تضر بصورة أوروبا وحدها، بل تضرب الثقة في منظومة القانون الدولي بأكملها. فعندما يرى العالم أن قاعدة واحدة يمكن أن تُطبَّق بحزم على طرف، ثم تُعامل بقدر أكبر من المرونة مع طرف آخر، فإن الإيمان بعدالة النظام الدولي يبدأ بالتراجع.

وليس المطلوب من أوروبا أن تتخلى عن مصالحها أو أمنها أو تحالفاتها؛ فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن المطلوب هو أن تكون واضحة في حدود التوافق بين مصالحها والقيم التي تعلن الدفاع عنها، وأن تدرك أن المصداقية لا تُبنى بالكلمات، وإنما بالمواقف التي تُتخذ عندما يكون الالتزام بالمبدأ مكلفًا.

فالقوة تستطيع أن تفرض النفوذ، والمصالح تستطيع أن تصنع التحالفات، لكن لا شيء يستطيع أن يفرض المصداقية. المصداقية تُكتسب عندما تُطبَّق المبادئ على الجميع، لا عندما تُستخدم انتقائيًا.

وفي النهاية، ستظل أوروبا أمام اختبار لا يمكن تجاوزه بالبيانات والخطب: هل ستجعل القانون الدولي وحقوق الإنسان مبادئ ثابتة، أم ستظل هذه المبادئ تتحرك مع حركة المصالح؟

فحين تصبح المبادئ قابلة للتجزئة، يصبح القانون أقل هيبة، وحين يصبح القانون أقل هيبة، يفقد النظام الدولي جزءًا من شرعيته. وعندها لا تكون الخسارة لطرف واحد، بل تكون خسارة للعالم كله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم