العشي يكتب: جريمة نمارسها يوميًا ولا تسجلها الكشوفات المالية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 22206
العشي يكتب: جريمة نمارسها يوميًا ولا تسجلها الكشوفات المالية
الإعلامي الدكتور محمد العشي

الإعلامي الدكتور محمد العشي

عندما تتردد كلمة «الربا» في المجالس، تتجه الأنظار فورًا إلى القروض والفوائد والأموال التي تنمو على حساب عوز الآخرين. يطمئن كثيرون إلى أنفسهم، وربما تبتسم الآن وأنت تقرأ هذه السطور، قائلًا بثقة العارف: «الحمد لله، ذمتي المالية نظيفة، ولم أدخل في حرب مع الله ورسوله». ولكن، هل نظافة الحسابات المالية تعني بالضرورة نظافة الذمة من كل ما يتعلق بحقوق الآخرين؟

السؤال هنا ليس عن رصيدك في البنك، ولا عن حجم قروضك، بل عن شيء آخر لا يظهر في أي كشف حساب مالي: ماذا فعلت بسمعة الآخرين؟ فالحقيقة التي نغفل عنها وسط زحمة الحياة أن الإنسان قد يكون دقيقًا في حساباته، شديد الحرص على حقوقه المالية، يخاف القرش الحرام ويتحرى مصدر كل دينار يدخل جيبه، لكنه في المقابل يتعامل مع أعراض الناس وكراماتهم وكأنها مساحة مباحة للنهش والسخرية والتشكيك والتشهير. وقد يكون أشد صرامة في محاسبة الآخرين على دين مالي بسيط، بينما يمنح نفسه تساهلًا كاملًا عندما يتعلق الأمر بكلمة قد تجرح إنسانًا أو تشوه صورته أمام الآخرين.

ومن هنا، ومن باب التعبير الصحفي، يمكن أن نسمي هذا السلوك «الربا المعنوي»؛ لا باعتباره مصطلحًا فقهيًا مستقلًا، وإنما باعتباره وصفًا لحالة أخلاقية خطيرة تتمثل في الاستطالة في أعراض الناس والاعتداء عليها بغير حق. ولندرك حجم خطورة هذا الباب، يكفي أن نتأمل التحذير النبوي الشديد: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق». فالأمر هنا لا يتعلق بدينار أو دولار، وإنما بـ«العِرض»؛ بالاسم والسمعة والكرامة والمكانة التي قد يبنيها الإنسان طوال سنوات، ثم يأتي شخص في لحظة غضب أو خصومة أو رغبة في الانتقام، أو حتى بدافع التسلية، فيحاول أن يهدم هذا البناء بكلمة.

والخطر اليوم لم يعد محصورًا في مجلس مغلق ينتهي بانتهاء الكلام، لأن الكلمة أصبحت تمتلك عمرًا رقميًا قد يفوق عمر صاحبها. منشور واحد قد يُنسخ ويُعاد نشره عشرات المرات، ورسالة في مجموعة على «واتساب» قد تتحول خلال دقائق إلى مادة متداولة، ثم تصبح الرواية المتناقلة في نظر البعض «حقيقة» لمجرد أن عددًا كبيرًا من الناس كرروها. وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات عصرنا: سرعة انتشار المعلومة أصبحت في أحيان كثيرة أكبر من سرعة التحقق منها؛ فيسمع أحدهم قصة عن شخص فينقلها، ويقرأ اتهامًا فيصدقه، ويشاهد مقطعًا مبتورًا فيبني عليه حكمًا كاملًا، ثم يختصر مسؤوليته بجملة تبدو بريئة: «أنا فقط نقلت ما وصلني».

وهنا يحضر التحذير النبوي: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم)، ويؤكد القرآن الكريم ضرورة التثبت من الأخبار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

لكن ماذا لو كان ما وصل إليك كذبًا؟ وماذا لو كان الشخص الذي نقلت عنه بريئًا؟ وماذا لو أدت مشاركتك إلى أن يخسر إنسان عمله، أو تتضرر أسرته، أو تتغير نظرة الناس إليه؟ عندها لن تكون مجرد ناقل، لأن النقل لا يمحو المسؤولية، وإعادة النشر ليست موقفًا محايدًا. قد لا تكون أنت من اخترع الشائعة، لكنك عندما تمنحها مساحة جديدة للوصول إلى الآخرين تصبح جزءًا من سلسلة صنعت الضرر، وربما دون أن تعرف الضحية حتى من أين بدأت القصة. وهذه هي المفارقة القاسية في العالم الرقمي: قد يستغرق نشر الظلم ثانية واحدة، بينما يحتاج محو أثره إلى سنوات.

وفي هذا السياق، يمكن أن نفهم كيف تتحول وسائل التواصل الاجتماعي أحيانًا إلى بيئة تشجع على المشاركة الجماعية في الإساءة. فإذا أصبح التشهير «ترندًا»، شعر البعض أن كثرة المشاركين تمنحه نوعًا من المشروعية، وكأن الخطأ يتحول إلى صواب كلما ارتفع عدد المتفاعلين معه.

أحدهم يكتب الاتهام، وآخر يعيد نشره، وثالث يضيف تعليقًا ساخرًا، ورابع يضغط زر الإعجاب، وخامس يشارك المحتوى لأنه يختلف أصلًا مع الشخص المستهدف. وهكذا لا تعود المشكلة في صاحب المنشور وحده، بل في دائرة كاملة تساهم في تضخيم الأذى. وليس معنى ذلك أن نساوي فقهيًا بين هذه الأفعال وبين أطراف الربا المالي؛ وإنما المقصود أن المسؤولية الأخلاقية عن صناعة الضرر لا تتوقف عند الشخص الذي بدأه، بل تمتد إلى كل من ساهم في نشره أو تغذيته وهو يعلم طبيعته وآثاره.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض الناس قد يدخل في نزاع طويل من أجل دين مالي بسيط، ويرفض أن يُنقص من حقه دينارًا واحدًا، ثم لا يتردد في إنقاص قيمة إنسان آخر أمام الناس بجملة عابرة. يحافظ على ماله ولا يحافظ على لسانه، يدقق في فاتورته ولا يدقق في كلمته، ويحاسب الآخرين على حقوقه بينما قد لا يمنح حقوقهم المعنوية القدر نفسه من الاهتمام.

ولهذا جاء التحذير القرآني من الغيبة بصورة شديدة القسوة، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، في صورة قرآنية تكشف بشاعة الفعل بعيدًا عن الأعذار التي يصنعها الإنسان لنفسه بعد أن ينتهي من الكلام.

والمشكلة أن الضرر المعنوي لا يملك دائمًا طريقًا واضحًا للعودة. إذا أخذت مال شخص تستطيع أن تعيده، وإذا أتلفت شيئًا يملكه تستطيع أن تعوضه، أما إذا أطلقت شائعة جعلت الناس يشكون في إنسان بريء، فكيف تعيد إليه سنوات من سمعته؟ وكيف تصل إلى كل شخص صدق ما قلت أو بنى عليه موقفًا؟ قد تضغط زر النشر في لحظة غضب، بينما يقضي الطرف الآخر أيامًا أو أشهرًا وهو يحاول أن يفهم من أين بدأت الإساءة، ومن صدقها، ومن سيبني عليها قرارًا يؤثر في عمله أو أسرته أو مستقبله. ولهذا فإن كلمة «آسف» قد تكون بداية ضرورية، لكنها لا تكون دائمًا كافية؛ فالاعتذار الحقيقي يحتاج إلى تصحيح الخطأ ورد الاعتبار بقدر المستطاع، والتوقف عن إعادة إنتاج الضرر، والشجاعة في الاعتراف بأن ما قيل لم يكن حقًا.

وهنا يجب أن نفرق بين النقد والإساءة، وبين الاختلاف والتشهير. من حقك أن تختلف، ومن حقك أن تنتقد موقفًا أو رأيًا أو تصرفًا، لكن لا يمنحك الخلاف رخصة للكذب أو البهتان أو التشهير. تستطيع أن تنتقد الفكرة دون أن تهدم صاحبها، وأن ترفض الموقف دون أن تنتقم من صاحبه، وأن تختلف مع إنسان دون أن تبحث عن ثغرة في حياته لتسقطه أمام الآخرين. فحرية التعبير لا تعني أن تصبح كرامة الآخرين مباحة، والاختلاف لا يحول الظلم إلى حق.

وقبل أن تضغط زر «مشاركة»، ربما يستحق الأمر ثواني قليلة من التفكير: هل ما أنشره صحيح؟ هل أملك دليلًا عليه؟ هل نشره ضروري فعلًا أم أنني أشارك بدافع الفضول أو الغضب أو الرغبة في الانتصار؟ وهل أرضى أن يُكتب الكلام نفسه عني، أو عن أبي، أو أمي، أو ابني، أو ابنتي؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع ظلمًا كبيرًا، لأن الإنسان لا يعرف دائمًا أين ستنتهي الكلمة التي أطلقها، ولا من سيقرأها، ولا القرار الذي قد يُبنى عليها.

ولم يعد هذا التجاوز مجرد إثم أخلاقي؛ فالتشريعات الأردنية أخذت في الاعتبار خطورة بعض صور الإساءة عبر الفضاء الإلكتروني، ويتضمن قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم 17 لسنة 2023 أحكامًا تتعلق بالذم والقدح والتحقير في المادة 15، فيما تتناول المادة 16 أفعالًا تتعلق باغتيال الشخصية عبر الوسائل الإلكترونية، وفقًا للشروط والأحكام الواردة في القانون. وهذا يعني أن ما تظنه «مجرد مشاركة» عابرة قد لا يكون مجرد تصرف بلا تبعات، بل قد يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية بحسب محتوى النشر وظروفه وآثاره.

في النهاية، نحن معتادون على مراجعة حساباتنا المالية، نعرف ما لنا وما علينا، ونحسب الديون والأرصدة ونبحث عن أي خطأ في الأرقام. لكن هناك حسابًا آخر لا نراجعه بالقدر نفسه: حساب الكلمات. راجع ما قلته، وما نشرته، وما نقلته، وما ضحكت عليه بينما كان شخص آخر يدفع ثمنه من كرامته، وراجع أيضًا الكلمات التي قلتها في غياب أصحابها ثم أقنعت نفسك أنها مجرد جلسة عابرة وانتهت. فبعض الديون لا تظهر في البنوك، ولا تسجلها الكشوفات المالية، ولا تُسدّد بتحويل مصرفي.

إنها ديون الأعراض والكرامة؛ ولذلك، قبل أن نطمئن إلى نظافة أموالنا، علينا أن نراجع نظافة كلماتنا، وقبل أن نسأل: هل ذمتي المالية خالية من الربا؟ فلنسأل أنفسنا السؤال الأصعب: هل ذمتي خالية من حقوق الناس؟ فقد تكون حساباتك البنكية خالية من دينار حرام، لكن في ذمتك كلمة لم تُصحح، وسمعة ساهمت في تشويهها، واعتذار ما زلت تؤجله. وهذه ديون قد لا تسجلها البنوك، لكنها تبقى في ذمة صاحبها ما لم يُصلح ما أفسده.

فراجع حساباتك كلها... فليست أخطر الديون تلك التي تظهر في كشف البنك، بل بعضها يبدأ بكلمة، وينتهي بحق إنسان.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم