د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: نحو جامعات داعمة للصحة النفسية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11074
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: نحو جامعات داعمة للصحة النفسية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ليست الجامعة مباني وقاعات تدريس ومختبرات علمية فحسب، وإنما مجتمع إنساني تتقاطع فيه الطموحات مع المخاوف، والنجاحات مع الإخفاقات، والمسؤوليات مع الضغوط التي قد لا تظهر في التقارير الإدارية ولا في مؤشرات الأداء الأكاديمي. وقد تنجح الجامعة في بناء أحدث المختبرات واستقطاب أفضل الكفاءات، لكنها تبقى أمام سؤال لا يقل أهمية: ماذا عن الإنسان الذي يقف خلف كل هذا الإنجاز؟


لقد قطعت الجامعات الأردنية شوطًا معتبرًا في تطوير التعليم والبحث العلمي، وأسهمت في إعداد أجيال من الكفاءات التي خدمت الأردن ومؤسساته، وامتد أثرها إلى دول عربية وأجنبية. وهي إنجازات تستحق التقدير، غير أن التقدم المؤسسي لا ينبغي أن يحجب عنا التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الجامعي في ظل المتغيرات الاقتصادية والمهنية المتسارعة.

فالطالب الذي يصل إلى جامعته حاملًا طموحات أسرته وتطلعاته الشخصية، قد يجد نفسه أمام ضغوط مالية واجتماعية وأكاديمية تفوق ما اعتاد عليه. والأستاذ الجامعي الذي يُطالب بالتدريس والبحث والإنتاج العلمي ليس بمنأى عن الإرهاق النفسي أو القلق المهني. وكذلك الموظف والعامل الذي يؤدي دوره في صمت، وتنعكس ظروف عمله ومعيشته على شعوره بالاستقرار والرضا.

ومن الخطأ العلمي أن نختزل هذه الضغوط في ضعف القدرة على التحمل، أو أن نفسر كل معاناة نفسية بوصفها اضطرابًا مرضيًا؛ فالصحة النفسية مفهوم أوسع من غياب المرض، وتتأثر بطبيعة العلاقات الإنسانية والظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئة التنظيمية.

وهنا تبرز قضية تستحق أن تتوقف عندها مؤسسات التعليم العالي: هل أصبحت الصحة النفسية جزءًا أصيلًا من اهتمامنا بجودة البيئة الجامعية، أم أننا ما زلنا ننظر إليها من زاوية الحالات الفردية التي تظهر حين تتفاقم المشكلات؟

إن الاهتمام بالصحة النفسية ليس مسؤولية فردية محضة، كما أنه ليس شأنًا علاجيًا يقتصر على العيادات والمستشفيات. فالبيئات المؤسسية تستطيع أن تسهم في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء والعدالة، مثلما قد تسهم بعض ممارساتها في زيادة التوتر والإنهاك وفقدان الدافعية.

ولعلنا بحاجة إلى مراجعة بعض التصورات التقليدية التي تربط كفاءة المؤسسة بصرامة الإجراءات وحدها؛ فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تحصل على أقصى ما يستطيع العامل تقديمه، وإنما التي تدرك أهمية المحافظة على قدرته على العطاء والاستمرار. كما أن جودة التعليم لا تنفصل عن الظروف النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطالب والمعلم.

وليس من الإنصاف تجاهل ما قدمته المبادرات الوطنية الأردنية في مجالات التوعية الصحية والمساندة النفسية والاجتماعية، وفي مقدمتها الجهود التي رعتها جلالة الملكة رانيا العبدالله، والتي عززت حضور هذه القضايا في الاهتمام المجتمعي والشبابي. وتبقى الجامعات، بما تمتلكه من كفاءات علمية وخبرات بشرية، من أكثر المؤسسات قدرة على ترسيخ ثقافة صحية ونفسية واعية.

غير أن القضية تتجاوز إقامة الندوات والاحتفال بالمناسبات الصحية العالمية. فالصحة النفسية ليست شعارًا موسميًا، وإنما قيمة إنسانية ينبغي أن تنعكس على طريقة تفكير المؤسسة وعلاقاتها الداخلية ونظرتها إلى الإنسان.

ولا يعني ذلك المطالبة بتحويل الجامعات إلى مؤسسات علاجية، أو تحميلها أعباء تتجاوز إمكاناتها؛ وإنما الدعوة إلى توسيع مفهوم المسؤولية الجامعية، بحيث لا تنفصل جودة التعليم عن جودة الحياة داخل المؤسسة نفسها.

إن الجامعات التي تطمح إلى التميز والمنافسة الدولية مطالبة بأن تنظر إلى الاستثمار في الإنسان بوصفه أساسًا لاستدامة الإنجاز، لا تكلفة إضافية يمكن تأجيلها. فقد تستطيع المؤسسة شراء الأجهزة وتطوير المباني خلال سنوات قليلة، لكنها تحتاج إلى وقت أطول لبناء الثقة والانتماء والاستقرار النفسي بين أفراد مجتمعها.

إن الحديث عن جامعات داعمة للصحة النفسية ليس دعوة إلى التوسع في الخدمات بقدر ما هو دعوة إلى إعادة الاعتبار للبعد الإنساني. فالجامعة التي تصنع العقول، ينبغي ألا تغفل النفوس التي تحملها؛ والمؤسسة التي تريد أن تصنع مستقبل الوطن، عليها أن تدرك أن الإنسان المستقر نفسيًا ليس مجرد مستفيد من نجاحها، بل أحد أهم صانعيه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم