احتجاز الكربون .. هل يتحول إلى مصدر مائي جديد للأردن؟

منذ 49 دقيقة
المشاهدات : 27165
احتجاز الكربون ..  هل يتحول إلى مصدر مائي جديد للأردن؟

سرايا - تفتح تقنيات احتجاز الكربون واسترداد المياه مسارا جديدا أمام الأردن للتعامل مع شح المياه، لكن تحويل الفكرة من تجربة علمية إلى حل عملي يتطلب اختبارا محليا دقيقا، خصوصا أن كلفة إنتاج المياه ونقلها تجعل أي مصدر جديد مرتبطا بقدرته على توفير مياه صافية بكلفة مقبولة.


وقد تمنح التقنية الأردن فرصة إضافية لتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة وخفض الانبعاثات في الوقت نفسه، لكنها لا تبدو بديلا عن خفض الفاقد وإعادة الاستخدام وتحلية المياه، بل خيارا تقنيا محدودا يمكن اختباره، بحيث تثبت الأرقام أن المياه المستردة تستحق كلفة إنتاجها ونقلها.

تشير دراسة نشرتها مجلة "نيتشر سستينابيليتي"، إلى إمكانية الجمع بين احتجاز وتخزين الكربون واسترداد المياه، بحيث يتحول خفض الانبعاثات إلى مصدر إضافي للمياه، لكن خبراء في قطاع المياه يرون أن هذه الفكرة في الحالة الأردنية، تبدو أقرب لحل صناعي محدود منها إلى مصدر واسع لتزويد المدن.

ووفق تحليلات الخبراء، ، فيمكن استرداد بخار الماء من غازات المداخن بالتزامن مع فصل ثاني أكسيد الكربون، مع إمكانية استغلال الحرارة المهدورة في معالجة المياه أو تحليتها. لكن الجدوى تتوقف على "الموازنة المائية"، أي أن تكون كمية المياه المستردة أكبر من المياه والطاقة التي تستهلكها عمليات الاحتجاز والمعالجة.

وفي الحالة الأردنية، تبدو الفرصة الأكثر واقعية في المنشآت الصناعية، أو محطات التوليد التي تتوافر فيها غازات رطبة ومنتظمة، وحرارة مهدورة وحاجة قريبة للمياه. وهنا قد يكون استخدام المياه المستردة في المنشأة نفسها أكثر جدوى من نقل كميات محدودة لمناطق بعيدة، لما يضيفه النقل والضخ من كلفة.

ووفق مؤشرات المختصين، لا تكفي الإمكانات العلمية وحدها لاتخاذ قرار بالتوسع، إذ تحتاج المملكة لمشروع تجريبي يقيس كمية المياه المستردة وجودتها، واستهلاك الطاقة وكلفة المتر المكعب، ويقارن ذلك بخيار استرداد المياه وحده.

ويلفت الخبراء إلى أن الجمع بين خفض الانبعاثات وإعادة تدوير المياه، خيار عملي للأردن لرفع كفاءة موارده المحدودة، خصوصا في القطاع الصناعي، مؤكدين أن التوسع بهذه التقنيات يسهم بـ"تقليل الهدر وتحسين إدارة الموارد"، وخفض كلفة المياه وتعزيز تنافسية القطاعات الصناعية.

احتجاز الكربون واسترداد المياه
وحول مدى إمكانية استفادة الأردن من تقنيات احتجاز الكربون واسترداد المياه، يؤكد الخبير د. دريد محاسنة، أن احتجاز الكربون عملية بيئية تستهدف الحد من زيادة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مشيرا إلى مرور العملية بثلاث مراحل رئيسة؛ تبدأ باحتجاز الانبعاثات في المصانع والمؤسسات والمنشآت التي ينبعث منها ثاني أكسيد الكربون، بحيث لا يصل للهواء، وهي عملية ميكانيكية وكيميائية، تتطلب تجهيز المؤسسات والمصانع والمعدات وفقا للمواصفات.

ويقول إن المرحلة الثانية تتمثل بنقل ثاني أكسيد الكربون المحتجز، بينما تتعلق المرحلة الثالثة بتخزينه، مشددا على أهمية ضمان عدم عودته للغلاف الجوي، إلى جانب أنه من "المهم جدا ألا يعاد ثاني أكسيد الكربون للهواء".

وفي سياق العلاقة بين الانبعاثات والتغير المناخي والموارد المائية، يلفت محاسنة إلى ضرورة أن يترافق الحد من ثاني أكسيد الكربون مع زيادة المساحات الخضراء، عبر تنفيذ مشاريع للتشجير والحفاظ على الغطاء النباتي، محذرا من أن توسع المساحات العمرانية على حساب المساحات الخضراء والزراعة، وزيادة التصحر، يسهم بزيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويوضح أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ترتبط بالتغير المناخي الذي ينعكس بدوره على سقوط الأمطار، وبالتالي على الموارد المائية، مبينا أن ارتفاع مستوياته وتراجع الغطاء النباتي يؤثران بتكوين الغيوم، ومن ثم بحصة الأردن من المياه.

لكن محاسنة يؤكد أن التحدي المائي الذي يواجه الأردن لا يرتبط بالتغير المناخي وحده، مشيرا إلى أن "صراعنا الأول المائي إقليمي"، في إشارة للخلافات المتعلقة بالحقوق المائية مع الجانب الإسرائيلي. "فالأردن يواجه كذلك تحديات داخلية تتصل بكفاءة استخدام المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي الذي يستهلك أكثر من 60 % منها، مع فاقد كبير يصل لأكثر من 40 إلى 50 %"، مؤكدا ضرورة معالجة هذه الجوانب.

ويشير إلى أن ارتفاع عدد السكان مقارنة بحجم الموارد المائية المتاحة تحد حرج، ما يجعل البحث عن مصادر إضافية للمياه ضرورة، بما في ذلك التوسع بتحلية المياه وحفر آبار عميقة للبحث عن موارد مائية جديدة، معتبرا أن هذه الخيارات مهمة في التعامل مع محدودية الموارد المائية.

تطبيقات صناعية محددة
وفي سياق البحث عن حلول تجمع بين خفض الانبعاثات وتعزيز كفاءة الموارد المائية، تؤكد الأستاذة بالجامعة الألمانية الأردنية د. منى هندية، إمكانية أن يمثل هذا النهج فرصة للمملكة، لكن تطبيقه يرتبط بـ"تطبيقات صناعية محددة وبإثبات جدواها في الظروف المحلية"، مشيرة إلى أن هذه التقنيات تستطيع تقليل استهلاك المياه العذبة في بعض المنشآت، لكن تحويلها لمصدر واسع لتزويد المدن يحتاج لأدلة واضحة حول الكميات المتاحة وكلفة الإنتاج واستمراريته.

وتلفت هندية إلى أن أهمية استرداد المياه تزداد أردنيا في ظل الشح المائي، معتبرة أن استرداد المياه المهدورة خيار يستحق الدراسة، لكن مع مقارنته ببدائل إدارة الطلب وتحسين كفاءة التزويد.

وترى أن الأردن يمتلك مصلحة باختبار هذا النهج كأداة لتحسين كفاءة الصناعة وتنويع الحلول المائية، لكن التوسع فيه يجب أن يستند لنتائج قابلة للتحقق، بالتوازي مع استمرار خفض الفاقد وإعادة الاستخدام وتحسين كفاءة الطاقة، مضيفة أن هذه التقنيات تصبح مجدية عندما "توفر مياها صافية بكلفة مقبولة في موقع يحتاجها"، وتحقيق خفض موثوق للانبعاثات.

وتوضح أن أحد أشكال التكامل بين التقنيتين يتمثل باسترداد بخار الماء في غازات المداخن باستخدام التكثيف أو الأغشية، بالتزامن مع فصل ثاني أكسيد الكربون ضمن منظومة صناعية متكاملة، وإمكانية الاستفادة من الحرارة المهدورة في بعض التصاميم لمعالجة المياه أو تحليتها.

كما تشدد هندية على ضرورة التمييز بين الإمكانات العلمية والأداء التجاري، موضحة أن الدراسات التجريبية أظهرت إمكانية استرداد الماء والحرارة من غازات تحاكي غازات المداخن، لكنها أكدت الحاجة لاختبار تأثير الجسيمات والغازات الحمضية الموجودة في الانبعاثات الحقيقية، وإجراء تحليل للكلفة والمنفعة.

وتقول إن نتائج المختبر "لا يجوز تعميمها مباشرة على منشآت المملكة"، كما لا يمكن الاستناد إليها وحدها لتحديد كلفة إنتاج المتر المكعب محليا، مبينة أن المسار الأكثر واقعية للأردن يتمثل بتقييم منشآت تتوافر فيها تدفقات غازية رطبة ومنتظمة، وحرارة مهدرة يمكن استغلالها، إلى جانب وجود حاجة قريبة إلى المياه الصناعية.

وتوضح أن الدراسة يمكن أن تشمل محطات توليد أو مصانع مناسبة، على أن يجري اختيار الموقع بناء على القياسات الفعلية، لأن ارتفاع انبعاثات منشأة ما لا يعني بالضرورة وجود كميات كبيرة قابلة للاسترداد من المياه.

وتؤكد هندية أن استخدام المياه المستردة داخل المنشأة نفسها، بعد معالجتها بما يتناسب مع الغرض المطلوب، قد يكون أكثر واقعية، باعتباره يخفف الطلب على المياه العذبة ويحد من الحاجة لنقل المياه وضخها لمسافات طويلة.

وفي المقابل، فإن نقل كميات محدودة من المياه المستردة لمناطق بعيدة قد يضيف كلفة تجعل المشروع أقل تنافسية، موضحة أن هذه القراءة تعكس الظروف التطبيقية في الأردن وليست بديلا عن دراسة جدوى محلية مكتملة. وتلفت إلى أن "الموازنة المائية" تمثل الاختبار الأهم لتقييم هذا النهج، بمقارنة كمية المياه التي يمكن استردادها مع الكميات التي يستهلكها النظام في التبريد وتشغيل وحدات احتجاز الكربون والمعالجة.

وتبين أن بعض مسارات احتجاز الكربون وتخزينه تحتاج للمياه، ما يعني أن الفائدة قد تتراجع إذا تجاوز الاستهلاك الإضافي للمياه الكميات المستردة، ما يستدعي تقييم المنظومة بصورة متكاملة، بما في ذلك مرحلة التعامل مع الكربون بعد فصله.
اقتصاديا، تشير هندية إلى ضرورة احتساب كلفة الاستثمار والتشغيل والطاقة والصيانة ومعالجة المياه ونقلها، وكذك كلفة ضغط الكربون ونقله وتخزينه أو استخدامه، مبينة أن الجدوى يمكن أن تتحسن عندما يحقق المشروع وفورات في المياه والطاقة معا، لكنها حذرت من بناء القرار على افتراض وجود إيرادات مضمونة من بيع الكربون أو أرصدته، مشيرة إلى أن فصل الكربون لا يضمن وحده منفعة مناخية دائمة، إذ ترتبط النتيجة بمصير الكربون النهائي والانبعاثات الناتجة عن تشغيل النظام.

وترى أن البداية الأنسب للأردن تتمثل في تنفيذ مشروع تجريبي محدود، يتم خلاله قياس كمية المياه الصافية المستردة وجودتها واستهلاك الطاقة وكلفة المتر المكعب في ظروف تشغيل موسمية مختلفة.

وتلفت إلى أهمية أن تتضمن الدراسة مقارنة مع خيار استرداد المياه وحده، لمعرفة ما إذا كانت إضافة احتجاز الكربون تحقق قيمة إضافية تبرر الكلفة المترتبة عليها.

خفض البصمة الكربونية
وحول دور تقنيات احتجاز الكربون بدعم الحلول المرتبطة بالمياه، يؤكد الأمين العام الأسبق لوزارة المياه إياد الدحيات، أن الجمع بين خفض الانبعاثات وإعادة تدوير المياه يعد فرصة لتعزيز كفاءة الموارد في الأردن، خصوصا في القطاعات الصناعية، معتبرا أن التوسع بهذه التقنيات يدعم التحول الأخضر ويخفض البصمة الكربونية، ويخفف الضغط على الموارد المائية المحدودة.

ويشير إلى أن تطبيقات عملية بدأت بالفعل في المملكة، من بينها مشروع شركة "كيمابكو" لخفض 150 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويا، ومشروع إعادة تدوير المياه الصناعية المستخدمة في غسيل الفوسفات بمنجم الشيدية، مستهدفا توفير 70 % من المياه الجوفية المستخدمة يوميا لهذا الغرض.

ويؤكد أن مشروع إعادة التدوير قد يوفر 2.51 مليون م3 مياه سنويا، ما يعادل احتياجات نحو 70 ألفا، وصولا لتوفير 50 مليون م3 في 20 عاما، معتبرا أن التوسع في مشاريع مماثلة يمثل مسارا عمليا لرفع كفاءة استخدام المياه وتعزيز تنافسية الصناعة الأردنية، خصوصا في ظل ارتفاع كلفة تأمين الموارد المائية والحاجة لحلول تقلل استهلاك المياه بدلا من الاعتماد فقط على زيادة الإنتاج.

ويلفت الدحيات إلى أن هذه المشاريع لا تقتصر فوائدها على توفير المياه وخفض الانبعاثات، بل تعزز قدرة القطاعات الصناعية على مواكبة "المتطلبات البيئية المتزايدة في الأسواق العالمية"، والحصول على التمويل الدولي والمحلي، بما يجعل الاستثمار في كفاءة الموارد أحد المسارات الواقعية لتعزيز الاستدامة المائية والبيئية في المملكة.

الغد

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم