ليست العلاقات بين الدول كلماتٍ تُقال في المناسبات، ولا صورًا تُلتقط خلف طاولة الاجتماعات، ولا بياناتٍ تنتهي بانتهاء المؤتمر. أعمق العلاقات هي تلك التي تستطيع أن تتحول من السياسة إلى التنمية، ومن الاتفاقيات إلى مشاريع، ومن التمويل إلى بنية تحتية، ومن الدعم إلى فرص عمل، ومن الأرقام إلى أثر يستطيع المواطن أن يراه في حياته اليومية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب مهم من العلاقات الأردنية السعودية؛ علاقة لم تتوقف عند حدود المواقف السياسية والأخوية، وإنما امتدت لعقود إلى مسار تنموي طويل شاركت فيه مؤسسات سعودية في تمويل مشاريع أردنية في قطاعات متعددة.
ويبرز هنا الصندوق السعودي للتنمية، الذي أسهم منذ عام 1978 في تمويل 46 مشروعًا وبرنامجًا إنمائيًا في الأردن، في قطاعات الطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة والبنية التحتية، بقيمة إجمالية تتجاوز ملياري دولار، وفق أحدث بيانات الصندوق المنشورة في عام 2026.
(الصندوق السعودي للتنمية) وهذه الأرقام، في حد ذاتها، تستحق التوقف. فالمليارات عندما تتحول إلى مشاريع لا تعود مجرد أرقام في دفاتر التمويل؛ تصبح مستشفى، وطريقًا، وشبكة مياه، وبنية تحتية، ومؤسسة تعليمية، ومشروعًا قادرًا على خدمة الناس لسنوات. ولعل مستشفى الأميرة بسمة في إربد يقدم نموذجًا واضحًا على ذلك؛ إذ وقّع الصندوق السعودي للتنمية في شباط 2026 اتفاقية قرض تنموي بقيمة 28 مليون دولار لاستكمال تجهيز المستشفى، ليصل إجمالي إسهام الصندوق في إنشاء وتطوير المستشفى إلى 98 مليون دولار. (الصندوق السعودي للتنمية) وفي السياق ذاته، شهد عام 2026 مساهمة سعودية أخرى في مشروع توسعة وتحديث مستشفى الأمير فيصل، من خلال تمويل يقارب 14 مليون دولار.
(الصندوق السعودي للتنمية) لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا أنجزنا؟ بل: ماذا يمكن أن ننجز بعد ذلك؟ فالأردن لا يحتاج فقط إلى استمرار المشاريع التقليدية، بل إلى التفكير في مشاريع قادرة على خلق اقتصاد جديد حولها؛ مشاريع لا تنتهي فائدتها بانتهاء مرحلة الإنشاء، وإنما تبدأ فائدتها الحقيقية عند بدء التشغيل. وهنا تحديدًا أعتقد أن شمال الأردن يستحق أن يدخل مرحلة جديدة من التفكير الاستثماري. من تمويل المشروع إلى صناعة المنظومة لطالما ارتبط الاستثمار في الزراعة بفكرة الأرض والمحصول والموسم.
لكن الاقتصاد الحديث تجاوز هذه المعادلة. الأرض يمكن أن تكون بداية منظومة اقتصادية كاملة: إنتاج، وتكنولوجيا، وتصنيع، وتعبئة، وتخزين، ونقل، وتصدير، وبحث علمي، وتدريب، وخدمات رقمية، وطاقة، وتسويق. وهذا تحديدًا ما يجعل شمال الأردن مساحة تستحق التفكير في مشروع نوعي واسع النطاق.
فوزارة الاستثمار الأردنية تطرح بالفعل فرصًا في القطاع الزراعي تشمل المحاصيل ذات القيمة العالية، والزراعة العضوية والتخصصية، والزراعة بدون تربة، والبيوت المحمية، والتصنيع الزراعي، وتكنولوجيا الزراعة والري الفعّال. كما تعرض الوزارة فرصًا استثمارية خاصة بمحافظات شمال الأردن، ومنها مشروع سوق إربد المركزي للمنتجات الزراعية بهدف تطوير سلاسل التوريد والتوزيع وربط الإنتاج بالأسواق والتصدير. (Invest Jordan) إذن، نحن لا نتحدث عن فكرة منفصلة تمامًا عن الواقع الاستثماري الأردني. نحن نتحدث عن الخطوة التالية. ماذا لو أنشأنا مشروعًا مختلفًا في شمال الأردن؟ أتحدث هنا عن مقترح قابل للدراسة، وليس عن مشروع قائم أو فرصة استثمارية معلنة.
ماذا لو جرى استقطاب استثمار سعودي ـ أردني كبير لإنشاء مجمع إنتاجي متكامل في شمال وادي الأردن، على أراضٍ تتوافر فيها الشروط القانونية والتنظيمية والفنية اللازمة، ويجمع بين الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والتكنولوجيا والبحث والتطوير والتصدير؟ مشروع لا يكون عبارة عن مزرعة كبيرة فحسب. بل مدينة إنتاج صغيرة متكاملة. تبدأ من الأرض، لكنها لا تنتهي عندها. 1. الزراعة الحديثة يمكن أن يتضمن المشروع مساحات للزراعة عالية القيمة، والبيوت المحمية، والزراعة المائية، وتقنيات التحكم بالمناخ، وأنظمة الري عالية الكفاءة.
وهذه ليست فكرة بعيدة عن التوجهات الاستثمارية الحالية؛ فوزارة الاستثمار تضع الزراعة بدون تربة، والبيوت المحمية، والزراعة عالية القيمة، والتكنولوجيا الزراعية ضمن الفرص الواعدة في الأردن. (Invest Jordan) 2. التصنيع بدل بيع المنتج خامًا وهذه نقطة أساسية.
لماذا نزرع المنتج ثم نرسله خارج المشروع ليُفرز ويُعبأ ويُصنّع ويُسوّق في مكان آخر؟ يمكن أن يحتوي المشروع على وحدات للفرز والتعبئة والتبريد والتخزين والتصنيع الغذائي، بحيث ينتقل المنتج من محصول إلى منتج ذي قيمة مضافة. وهنا يتغير حجم العائد الاقتصادي. 3. مركز للبحث والتطوير المشروع المقترح يمكن أن يحتوي على مركز متخصص في التكنولوجيا الزراعية، يعمل على تطوير تقنيات توفير المياه، وتحسين الإنتاجية، واختيار المحاصيل المناسبة، ومراقبة جودة الإنتاج، واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في إدارة المزارع. وهنا تدخل الجامعات الأردنية والخبرات العلمية في صميم المشروع، بدل أن يبقى الاستثمار منفصلًا عن المعرفة. 4. مركز تدريب مهني وتخصصي وأقترح أن يكون التدريب جزءًا من المشروع منذ اليوم الأول. ليس فقط تدريب العامل الزراعي، بل تدريب الشباب على تخصصات يحتاجها المشروع نفسه: الهندسة الزراعية، الهندسة المدنية والكهربائية، تكنولوجيا المعلومات، تحليل البيانات، الأمن السيبراني، المختبرات، الصناعات الغذائية، الجودة، المحاسبة، الإدارة، التسويق، اللوجستيات، الصيانة، الطاقة المتجددة، المبيعات والتصدير. وهنا يتحول المشروع من جهة توظيف إلى مدرسة عملية لسوق العمل. لماذا أقول إن المشروع يمكن أن يشغل تخصصات كثيرة؟ لأن الاستثمار الحقيقي لا يخلق وظيفة واحدة لكل مليون يُستثمر فيه بطريقة مباشرة فقط. المشروع المتكامل يصنع سلسلة وظائف حوله. هناك من يعمل في الإنتاج، ومن يدير الأنظمة التقنية، ومن يفحص الجودة، ومن يعبئ المنتج، ومن ينقله، ومن يسوّقه، ومن يدير الحسابات، ومن يصمم العلامة التجارية، ومن يتابع الأسواق الخارجية، ومن يعمل في الصيانة والطاقة والبرمجيات والخدمات اللوجستية. وهذا هو الفرق بين مشروع يوظف الناس ومنظومة اقتصادية تصنع سوق عمل. وماذا عن الأراضي القريبة من بحيرة طبريا؟ هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى دراسة رسمية قبل أن تتحول إلى طرح محدد. فليس من المهني أن نقول إن هناك أرضًا بعينها صالحة للاستثمار أو متاحة للتأجير لمجرد قربها الجغرافي من بحيرة طبريا. لكن يمكن أن تكون مناطق شمال وادي الأردن ذات المقومات الزراعية والسياحية والموقعية جزءًا من دراسة جدوى أوسع، تشمل ملكية الأراضي، وتصنيفها، والتنظيم، ومصادر المياه، والأثر البيئي، والبنية التحتية، وإمكانية الوصول، والجدوى الاقتصادية. وهذا ليس افتراضًا بلا أساس؛ فسلطة وادي الأردن لديها أصلًا مسارات لتأجير أراضٍ لأغراض المشاريع الاستثمارية والزراعية، كما تعمل على تطوير قاعدة بيانات مكانية موحدة للمياه والأراضي والاستثمار ضمن جهود التحول الرقمي في إدارة موارد وادي الأردن. (mwi.gov.jo) بل إن وزارة المياه والري أعلنت في 2026 عن مشاريع استثمارية على أراضٍ مطلة على سد الملك طلال، شملت مطاعم وفندقًا صغيرًا وشاليهات وملاعب مائية وحدائق واسطبل خيل، مع التركيز على تشغيل أبناء المناطق المجاورة. وهذا يوضح أن استثمار الأراضي والمواقع المائية ضمن أطر قانونية وبيئية مدروسة ليس فكرة غريبة عن السياسة الاستثمارية في وادي الأردن. (mwi.gov.jo) لماذا الاستثمار السعودي تحديدًا؟ لأن الحديث هنا ليس عن البحث عن ممول فحسب. المطلوب هو شريك استثماري وتنموي يستطيع أن ينظر إلى المشروع على مدى طويل. والتجربة الأردنية السعودية لديها أصلًا تاريخ طويل في التمويل التنموي. ففي عام 2015، وقع الصندوق السعودي للتنمية اتفاقيتي منح للأردن بقيمة 80 مليون دولار لتمويل مشروع الألياف الضوئية الوطني ومشروع المدن الصناعية. وكان المهندس يوسف بن إبراهيم البسام، نائب رئيس الصندوق والعضو المنتدب آنذاك، أحد الموقعين على الاتفاقيتين. (الهيئة العامة للترفيه) وفي عام 2017، وقّع البسام عن الصندوق اتفاقية منحة بقيمة 60 مليون دولار لتمويل مشروع إنشاء تقاطعات مرورية في عمّان. (الهيئة العامة للترفيه) كما ترأس في عام 2015 وفدًا من الصندوق زار مركز العلاج بالخلايا الجذعية في الجامعة الأردنية، وهو مركز ممول بالكامل من الصندوق. (الهيئة العامة للترفيه) هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها تقدم مثالًا على كيفية انتقال التعاون من التمويل إلى المؤسسات والمشاريع. ولذلك فإن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس طلب تمويل لمشروع جديد بالمعنى التقليدي. بل: لماذا لا نبحث عن الجيل الجديد من المشاريع الأردنية السعودية؟ مشروع واحد يمكن أن يصنع حوله اقتصاد تخيّلوا مشروعًا يبدأ من شمال الأردن، ويجمع: الزراعة + التكنولوجيا + التصنيع الغذائي + الطاقة + البحث العلمي + التدريب + اللوجستيات + التصدير. مشروعًا يستطيع أن يشتري من المزارع، ويشغّل المهندس، ويستقطب خريج تكنولوجيا المعلومات، ويحتاج إلى المحاسب والمسوق والمصمم والخبير الغذائي وسائق الشحن وفني الصيانة والباحث. ثم يبيع منتجه في السوق الأردني، ويبحث عن أسواق تصديرية إقليمية ودولية. هنا لا نتحدث عن استثمار في أرض. نتحدث عن استثمار في سلسلة قيمة كاملة. وهذا هو النوع من المشاريع الذي يستحق أن تُبنى له دراسة جدوى حقيقية. لكن قبل الإعلان… دراسة أي فكرة بهذا الحجم لا ينبغي أن تبدأ بالاحتفال بها قبل أن تبدأ الدراسة. نحتاج إلى دراسة الأرض. ودراسة المياه. ودراسة الطاقة. ودراسة السوق. ودراسة سلاسل التوريد. ودراسة التصدير. ودراسة الأثر البيئي. ودراسة حجم رأس المال. ودراسة عدد الوظائف المباشرة وغير المباشرة. ودراسة العائد الاقتصادي على المنطقة. ودراسة النموذج القانوني للشراكة. ثم نضع الأرقام أمام المستثمر. فالمستثمر لا يحتاج إلى خطاب جميل. يحتاج إلى فرصة واضحة، وأرض واضحة، وتشريعات واضحة، وسوق واضح، وعائد يمكن دراسته. وهنا يأتي دور المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمعات المحلية معًا. من المساعدة إلى الشراكة ربما يكون الوقت قد حان لأن ننظر إلى التعاون الاقتصادي الأردني السعودي بمنظور أكثر طموحًا. ليس فقط: ماذا يمكن أن تمول المملكة؟ بل: ماذا يمكن أن نبني معًا؟ ليس فقط مشروعًا ينتهي بعد إنشائه، بل منظومة تستمر لعقود. وليس فقط طريقًا أو مبنى أو منشأة، بل قطاعًا اقتصاديًا جديدًا يخلق حوله آلاف الفرص المباشرة وغير المباشرة بحسب حجم المشروع الذي ستحدده دراسة الجدوى. والأردن اليوم لديه بيئة استثمارية تتحرك باتجاه استقطاب الاستثمارات النوعية وتوسيع الاستثمار في المحافظات؛ فقد أعلنت وزارة الاستثمار في النصف الأول من 2026 استفادة 327 مشروعًا من الحوافز والإعفاءات باستثمارات مستقبلية متوقعة بلغت نحو 711.2 مليون دينار، كما ارتفع عدد العاملين في المناطق التنموية إلى قرابة 123 ألفًا، وارتفع عدد الفرص الاستثمارية المعروضة على منصة «استثمر في الأردن» إلى نحو 120 فرصة. (Invest Jordan) وهذا يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت هناك رغبة في استقطاب استثمارات نوعية إلى المحافظات، فلماذا لا يكون شمال الأردن واحدًا من ساحات المشاريع الكبرى التي تجمع رأس المال بالموارد البشرية والمعرفة والموقع؟ الفكرة ليست سعودية فقط… ولا أردنية فقط المشروع الذي أتخيله هنا يمكن أن يكون نموذجًا لشراكة حقيقية: رأس مال واستثمار من جهة. أرض وموارد وموقع من جهة أخرى. جامعات وخبرات علمية. شباب أردني. شركات تكنولوجيا. قطاع صناعي. مزارعون. مؤسسات تمويل. وسوق تصديري. عندها يصبح المشروع أكبر من شركة، وأكبر من مزرعة، وأكبر من مصنع. يصبح منظومة اقتصادية محلية ذات امتداد إقليمي. وهنا فقط يمكن أن نفهم المعنى الحقيقي للتنمية. فالتنمية ليست أن يصل المال إلى المكان. التنمية أن يبقى أثر المال في المكان. وأن يتحول الاستثمار إلى معرفة. والمعرفة إلى إنتاج. والإنتاج إلى تصدير. والتصدير إلى دخل. والدخل إلى فرص. والفرص إلى جيل يستطيع أن يبني مستقبله في وطنه. ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: كم مشروعًا يمكن أن نمول؟ بل: ما المشروع الذي إذا استثمرنا فيه اليوم، سيجعل المنطقة بعد عشر سنوات مختلفة عما هي عليه اليوم؟ وهذا، في رأيي، هو السؤال الذي يستحق أن يبدأ حوله النقاش.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب مهم من العلاقات الأردنية السعودية؛ علاقة لم تتوقف عند حدود المواقف السياسية والأخوية، وإنما امتدت لعقود إلى مسار تنموي طويل شاركت فيه مؤسسات سعودية في تمويل مشاريع أردنية في قطاعات متعددة.
ويبرز هنا الصندوق السعودي للتنمية، الذي أسهم منذ عام 1978 في تمويل 46 مشروعًا وبرنامجًا إنمائيًا في الأردن، في قطاعات الطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة والبنية التحتية، بقيمة إجمالية تتجاوز ملياري دولار، وفق أحدث بيانات الصندوق المنشورة في عام 2026.
(الصندوق السعودي للتنمية) وهذه الأرقام، في حد ذاتها، تستحق التوقف. فالمليارات عندما تتحول إلى مشاريع لا تعود مجرد أرقام في دفاتر التمويل؛ تصبح مستشفى، وطريقًا، وشبكة مياه، وبنية تحتية، ومؤسسة تعليمية، ومشروعًا قادرًا على خدمة الناس لسنوات. ولعل مستشفى الأميرة بسمة في إربد يقدم نموذجًا واضحًا على ذلك؛ إذ وقّع الصندوق السعودي للتنمية في شباط 2026 اتفاقية قرض تنموي بقيمة 28 مليون دولار لاستكمال تجهيز المستشفى، ليصل إجمالي إسهام الصندوق في إنشاء وتطوير المستشفى إلى 98 مليون دولار. (الصندوق السعودي للتنمية) وفي السياق ذاته، شهد عام 2026 مساهمة سعودية أخرى في مشروع توسعة وتحديث مستشفى الأمير فيصل، من خلال تمويل يقارب 14 مليون دولار.
(الصندوق السعودي للتنمية) لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا أنجزنا؟ بل: ماذا يمكن أن ننجز بعد ذلك؟ فالأردن لا يحتاج فقط إلى استمرار المشاريع التقليدية، بل إلى التفكير في مشاريع قادرة على خلق اقتصاد جديد حولها؛ مشاريع لا تنتهي فائدتها بانتهاء مرحلة الإنشاء، وإنما تبدأ فائدتها الحقيقية عند بدء التشغيل. وهنا تحديدًا أعتقد أن شمال الأردن يستحق أن يدخل مرحلة جديدة من التفكير الاستثماري. من تمويل المشروع إلى صناعة المنظومة لطالما ارتبط الاستثمار في الزراعة بفكرة الأرض والمحصول والموسم.
لكن الاقتصاد الحديث تجاوز هذه المعادلة. الأرض يمكن أن تكون بداية منظومة اقتصادية كاملة: إنتاج، وتكنولوجيا، وتصنيع، وتعبئة، وتخزين، ونقل، وتصدير، وبحث علمي، وتدريب، وخدمات رقمية، وطاقة، وتسويق. وهذا تحديدًا ما يجعل شمال الأردن مساحة تستحق التفكير في مشروع نوعي واسع النطاق.
فوزارة الاستثمار الأردنية تطرح بالفعل فرصًا في القطاع الزراعي تشمل المحاصيل ذات القيمة العالية، والزراعة العضوية والتخصصية، والزراعة بدون تربة، والبيوت المحمية، والتصنيع الزراعي، وتكنولوجيا الزراعة والري الفعّال. كما تعرض الوزارة فرصًا استثمارية خاصة بمحافظات شمال الأردن، ومنها مشروع سوق إربد المركزي للمنتجات الزراعية بهدف تطوير سلاسل التوريد والتوزيع وربط الإنتاج بالأسواق والتصدير. (Invest Jordan) إذن، نحن لا نتحدث عن فكرة منفصلة تمامًا عن الواقع الاستثماري الأردني. نحن نتحدث عن الخطوة التالية. ماذا لو أنشأنا مشروعًا مختلفًا في شمال الأردن؟ أتحدث هنا عن مقترح قابل للدراسة، وليس عن مشروع قائم أو فرصة استثمارية معلنة.
ماذا لو جرى استقطاب استثمار سعودي ـ أردني كبير لإنشاء مجمع إنتاجي متكامل في شمال وادي الأردن، على أراضٍ تتوافر فيها الشروط القانونية والتنظيمية والفنية اللازمة، ويجمع بين الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والتكنولوجيا والبحث والتطوير والتصدير؟ مشروع لا يكون عبارة عن مزرعة كبيرة فحسب. بل مدينة إنتاج صغيرة متكاملة. تبدأ من الأرض، لكنها لا تنتهي عندها. 1. الزراعة الحديثة يمكن أن يتضمن المشروع مساحات للزراعة عالية القيمة، والبيوت المحمية، والزراعة المائية، وتقنيات التحكم بالمناخ، وأنظمة الري عالية الكفاءة.
وهذه ليست فكرة بعيدة عن التوجهات الاستثمارية الحالية؛ فوزارة الاستثمار تضع الزراعة بدون تربة، والبيوت المحمية، والزراعة عالية القيمة، والتكنولوجيا الزراعية ضمن الفرص الواعدة في الأردن. (Invest Jordan) 2. التصنيع بدل بيع المنتج خامًا وهذه نقطة أساسية.
لماذا نزرع المنتج ثم نرسله خارج المشروع ليُفرز ويُعبأ ويُصنّع ويُسوّق في مكان آخر؟ يمكن أن يحتوي المشروع على وحدات للفرز والتعبئة والتبريد والتخزين والتصنيع الغذائي، بحيث ينتقل المنتج من محصول إلى منتج ذي قيمة مضافة. وهنا يتغير حجم العائد الاقتصادي. 3. مركز للبحث والتطوير المشروع المقترح يمكن أن يحتوي على مركز متخصص في التكنولوجيا الزراعية، يعمل على تطوير تقنيات توفير المياه، وتحسين الإنتاجية، واختيار المحاصيل المناسبة، ومراقبة جودة الإنتاج، واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في إدارة المزارع. وهنا تدخل الجامعات الأردنية والخبرات العلمية في صميم المشروع، بدل أن يبقى الاستثمار منفصلًا عن المعرفة. 4. مركز تدريب مهني وتخصصي وأقترح أن يكون التدريب جزءًا من المشروع منذ اليوم الأول. ليس فقط تدريب العامل الزراعي، بل تدريب الشباب على تخصصات يحتاجها المشروع نفسه: الهندسة الزراعية، الهندسة المدنية والكهربائية، تكنولوجيا المعلومات، تحليل البيانات، الأمن السيبراني، المختبرات، الصناعات الغذائية، الجودة، المحاسبة، الإدارة، التسويق، اللوجستيات، الصيانة، الطاقة المتجددة، المبيعات والتصدير. وهنا يتحول المشروع من جهة توظيف إلى مدرسة عملية لسوق العمل. لماذا أقول إن المشروع يمكن أن يشغل تخصصات كثيرة؟ لأن الاستثمار الحقيقي لا يخلق وظيفة واحدة لكل مليون يُستثمر فيه بطريقة مباشرة فقط. المشروع المتكامل يصنع سلسلة وظائف حوله. هناك من يعمل في الإنتاج، ومن يدير الأنظمة التقنية، ومن يفحص الجودة، ومن يعبئ المنتج، ومن ينقله، ومن يسوّقه، ومن يدير الحسابات، ومن يصمم العلامة التجارية، ومن يتابع الأسواق الخارجية، ومن يعمل في الصيانة والطاقة والبرمجيات والخدمات اللوجستية. وهذا هو الفرق بين مشروع يوظف الناس ومنظومة اقتصادية تصنع سوق عمل. وماذا عن الأراضي القريبة من بحيرة طبريا؟ هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى دراسة رسمية قبل أن تتحول إلى طرح محدد. فليس من المهني أن نقول إن هناك أرضًا بعينها صالحة للاستثمار أو متاحة للتأجير لمجرد قربها الجغرافي من بحيرة طبريا. لكن يمكن أن تكون مناطق شمال وادي الأردن ذات المقومات الزراعية والسياحية والموقعية جزءًا من دراسة جدوى أوسع، تشمل ملكية الأراضي، وتصنيفها، والتنظيم، ومصادر المياه، والأثر البيئي، والبنية التحتية، وإمكانية الوصول، والجدوى الاقتصادية. وهذا ليس افتراضًا بلا أساس؛ فسلطة وادي الأردن لديها أصلًا مسارات لتأجير أراضٍ لأغراض المشاريع الاستثمارية والزراعية، كما تعمل على تطوير قاعدة بيانات مكانية موحدة للمياه والأراضي والاستثمار ضمن جهود التحول الرقمي في إدارة موارد وادي الأردن. (mwi.gov.jo) بل إن وزارة المياه والري أعلنت في 2026 عن مشاريع استثمارية على أراضٍ مطلة على سد الملك طلال، شملت مطاعم وفندقًا صغيرًا وشاليهات وملاعب مائية وحدائق واسطبل خيل، مع التركيز على تشغيل أبناء المناطق المجاورة. وهذا يوضح أن استثمار الأراضي والمواقع المائية ضمن أطر قانونية وبيئية مدروسة ليس فكرة غريبة عن السياسة الاستثمارية في وادي الأردن. (mwi.gov.jo) لماذا الاستثمار السعودي تحديدًا؟ لأن الحديث هنا ليس عن البحث عن ممول فحسب. المطلوب هو شريك استثماري وتنموي يستطيع أن ينظر إلى المشروع على مدى طويل. والتجربة الأردنية السعودية لديها أصلًا تاريخ طويل في التمويل التنموي. ففي عام 2015، وقع الصندوق السعودي للتنمية اتفاقيتي منح للأردن بقيمة 80 مليون دولار لتمويل مشروع الألياف الضوئية الوطني ومشروع المدن الصناعية. وكان المهندس يوسف بن إبراهيم البسام، نائب رئيس الصندوق والعضو المنتدب آنذاك، أحد الموقعين على الاتفاقيتين. (الهيئة العامة للترفيه) وفي عام 2017، وقّع البسام عن الصندوق اتفاقية منحة بقيمة 60 مليون دولار لتمويل مشروع إنشاء تقاطعات مرورية في عمّان. (الهيئة العامة للترفيه) كما ترأس في عام 2015 وفدًا من الصندوق زار مركز العلاج بالخلايا الجذعية في الجامعة الأردنية، وهو مركز ممول بالكامل من الصندوق. (الهيئة العامة للترفيه) هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها تقدم مثالًا على كيفية انتقال التعاون من التمويل إلى المؤسسات والمشاريع. ولذلك فإن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس طلب تمويل لمشروع جديد بالمعنى التقليدي. بل: لماذا لا نبحث عن الجيل الجديد من المشاريع الأردنية السعودية؟ مشروع واحد يمكن أن يصنع حوله اقتصاد تخيّلوا مشروعًا يبدأ من شمال الأردن، ويجمع: الزراعة + التكنولوجيا + التصنيع الغذائي + الطاقة + البحث العلمي + التدريب + اللوجستيات + التصدير. مشروعًا يستطيع أن يشتري من المزارع، ويشغّل المهندس، ويستقطب خريج تكنولوجيا المعلومات، ويحتاج إلى المحاسب والمسوق والمصمم والخبير الغذائي وسائق الشحن وفني الصيانة والباحث. ثم يبيع منتجه في السوق الأردني، ويبحث عن أسواق تصديرية إقليمية ودولية. هنا لا نتحدث عن استثمار في أرض. نتحدث عن استثمار في سلسلة قيمة كاملة. وهذا هو النوع من المشاريع الذي يستحق أن تُبنى له دراسة جدوى حقيقية. لكن قبل الإعلان… دراسة أي فكرة بهذا الحجم لا ينبغي أن تبدأ بالاحتفال بها قبل أن تبدأ الدراسة. نحتاج إلى دراسة الأرض. ودراسة المياه. ودراسة الطاقة. ودراسة السوق. ودراسة سلاسل التوريد. ودراسة التصدير. ودراسة الأثر البيئي. ودراسة حجم رأس المال. ودراسة عدد الوظائف المباشرة وغير المباشرة. ودراسة العائد الاقتصادي على المنطقة. ودراسة النموذج القانوني للشراكة. ثم نضع الأرقام أمام المستثمر. فالمستثمر لا يحتاج إلى خطاب جميل. يحتاج إلى فرصة واضحة، وأرض واضحة، وتشريعات واضحة، وسوق واضح، وعائد يمكن دراسته. وهنا يأتي دور المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمعات المحلية معًا. من المساعدة إلى الشراكة ربما يكون الوقت قد حان لأن ننظر إلى التعاون الاقتصادي الأردني السعودي بمنظور أكثر طموحًا. ليس فقط: ماذا يمكن أن تمول المملكة؟ بل: ماذا يمكن أن نبني معًا؟ ليس فقط مشروعًا ينتهي بعد إنشائه، بل منظومة تستمر لعقود. وليس فقط طريقًا أو مبنى أو منشأة، بل قطاعًا اقتصاديًا جديدًا يخلق حوله آلاف الفرص المباشرة وغير المباشرة بحسب حجم المشروع الذي ستحدده دراسة الجدوى. والأردن اليوم لديه بيئة استثمارية تتحرك باتجاه استقطاب الاستثمارات النوعية وتوسيع الاستثمار في المحافظات؛ فقد أعلنت وزارة الاستثمار في النصف الأول من 2026 استفادة 327 مشروعًا من الحوافز والإعفاءات باستثمارات مستقبلية متوقعة بلغت نحو 711.2 مليون دينار، كما ارتفع عدد العاملين في المناطق التنموية إلى قرابة 123 ألفًا، وارتفع عدد الفرص الاستثمارية المعروضة على منصة «استثمر في الأردن» إلى نحو 120 فرصة. (Invest Jordan) وهذا يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت هناك رغبة في استقطاب استثمارات نوعية إلى المحافظات، فلماذا لا يكون شمال الأردن واحدًا من ساحات المشاريع الكبرى التي تجمع رأس المال بالموارد البشرية والمعرفة والموقع؟ الفكرة ليست سعودية فقط… ولا أردنية فقط المشروع الذي أتخيله هنا يمكن أن يكون نموذجًا لشراكة حقيقية: رأس مال واستثمار من جهة. أرض وموارد وموقع من جهة أخرى. جامعات وخبرات علمية. شباب أردني. شركات تكنولوجيا. قطاع صناعي. مزارعون. مؤسسات تمويل. وسوق تصديري. عندها يصبح المشروع أكبر من شركة، وأكبر من مزرعة، وأكبر من مصنع. يصبح منظومة اقتصادية محلية ذات امتداد إقليمي. وهنا فقط يمكن أن نفهم المعنى الحقيقي للتنمية. فالتنمية ليست أن يصل المال إلى المكان. التنمية أن يبقى أثر المال في المكان. وأن يتحول الاستثمار إلى معرفة. والمعرفة إلى إنتاج. والإنتاج إلى تصدير. والتصدير إلى دخل. والدخل إلى فرص. والفرص إلى جيل يستطيع أن يبني مستقبله في وطنه. ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: كم مشروعًا يمكن أن نمول؟ بل: ما المشروع الذي إذا استثمرنا فيه اليوم، سيجعل المنطقة بعد عشر سنوات مختلفة عما هي عليه اليوم؟ وهذا، في رأيي، هو السؤال الذي يستحق أن يبدأ حوله النقاش.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات