أ.د. سلطان المعاني يكتب: فروسية الإسفلت

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 20364
أ.د. سلطان المعاني يكتب: فروسية الإسفلت
أ.د. سلطان المعاني

أ.د. سلطان المعاني

يحملُ بعضُ السائقين إلى الطريقِ فارساً قديماً، يشدُّ عنانَ حصانهِ كلما لمحَ فارساً يتقدّمُ عليه، ويقرأُ المسافةَ الفاصلةَ بينهما امتحاناً لقدرتهِ ومكانته. تتبدّلُ الدابةُ إلى سيارة، ويتحوّلُ العنانُ إلى مقود، وتبقى رغبةُ السبقِ حاضرةً في القدمِ الضاغطةِ على الوقود، وفي العينِ التي تراقبُ المرآةَ بحثاً عمّن يقترب. تكشفُ هذه الصورةُ جانباً من سلوكِ القيادةِ على الطرقاتِ الأردنية، حيثُ تتحوّلُ حركةُ المرورِ أحياناً إلى منافسةٍ شخصية، ويحملُ تجاوزُ سيارةٍ معنى يتعدّى الوصولَ إلى مكانٍ آخر.


تختزنُ صورةُ الفارسِ في وجداننا الشجاعةَ والنجدةَ وعزّةَ النفس، وتمنحُ السبقَ مكانةً في الخيالِ الاجتماعي. غيرَ أنّ انتقالَ هذه الصورةِ إلى الطريقِ يستدعي تأمّلَ ما يجري للمعنى أثناءَ انتقاله؛ فالفارسُ الذي يُغيثُ المستجيرَ ويحمي الضعيفَ يعرفُ حدودَ قوّتهِ ومواضعَ استخدامها، وتكتسبُ فروسيتُهُ قيمتَها من قدرتهِ على ضبطِ اندفاعه. يستبقي السائقُ المندفعُ من الصورةِ لحظةَ العدو، ويتركُ وراءَهُ مسؤوليةَ الفارسِ عمّن يشاركونهُ المكان، فتضيقُ الفروسيةُ إلى رغبةٍ في احتلالِ المقدّمة.


تبدأُ المنافسةُ من واقعةٍ صغيرة؛ سيارةٌ تتجاوز، أو سائقٌ يطلبُ المرور، أو مركبةٌ تدخلُ المسربَ أمامَ مركبةٍ أخرى. يستطيعُ المرءُ أن يرى في ذلك حركةً تفرضها ظروفُ الطريق، وقد يقرأُهُ آخرُ انتقاصاً من حضوره. عندئذٍ تتحرّكُ القدمُ قبلَ التفكير، وترتفعُ السرعة، ويصبحُ اللحاقُ بالسيارةِ المتقدّمةِ استرداداً لشيءٍ يتوهّمُ السائقُ أنّهُ فقده. تتسرّبُ الكرامةُ إلى مسألةِ ترتيب، ويغدو المقعدُ الأماميُّ موقعاً للدفاعِ عن الذات، كأنّ الطريقَ يوزّعُ أقدارَ الناسِ بحسبِ مواقعِ سياراتهم.
تظهرُ هذه الحساسيةُ أيضاً عندَ الإشارةِ والتقاطعاتِ ومداخلِ الشوارع. يتقدّمُ سائقٌ قليلاً، فيتبعهُ آخر، وتُغلقُ فسحةٌ كان يمكنُ أن تعبرَ منها سيارة، ويتحوّلُ انتظارُ الدورِ إلى شعورٍ بأنّ الآخرينَ يستفيدونَ من صبرِ المنتظر. تنشأُ هنا حلقةٌ تُغذّي نفسَها؛ كلُّ سائقٍ يخشى أن يُؤخذَ حقُّه، فيحاولُ انتزاعَ مساحةٍ إضافية، فتزدادُ الفوضى التي حملتهُ على ذلك. يستهلكُ الناسُ وقتَهم في حمايةِ أسبقيةٍ صغيرة، ويخسرونَ معاً انسيابَ الطريقِ الذي كان سيمنحُ الجميعَ وقتاً أوسع.
يستحقُّ هذا السلوكُ أن يُقرأَ ضمنَ علاقتنا بالمجالِ المشترك. يحسنُ كثيرونَ استقبالَ الضيف، ويوسّعونَ لهُ المجلس، ويقدّمونَهُ إلى الطعام، ثمَّ تضيقُ صدورُ بعضِهم بسيارةٍ تريدُ الدخولَ أمامهم. تفصلُ زجاجةُ النافذةِ بينَ وجهينِ من السلوك؛ داخلَ البيتِ يحضرُ اسمُ الإنسانِ وصلاتُهُ ومكانتُه، وعلى الطريقِ يظهرُ رقماً ولوحةً وجسماً متحرّكاً. تستدعي القيادةُ الحضاريةُ وصلَ هذينِ الوجهين، ونقلَ الكرمِ من المجلسِ إلى المسرب، ومن تقديمِ فنجانِ القهوةِ إلى إفساحِ الطريق.
تمنحُ السيارةُ صاحبَها إحساساً مضاعفاً بالقوة؛ تحيطُ بهِ كتلةٌ معدنية، وتستجيبُ لحركةِ قدمه، وتحملُ صوتَهُ عبرَ البوق. يستطيعُ أن يُظهرَ غضبَهُ خلالَ ثانية، وأن يضغطَ على مَن أمامهُ بالاقترابِ الشديد، وأن يطالبَ بإخلاءِ المسربِ بأضواءٍ متلاحقة. يخرجُ الانفعالُ من الجسدِ إلى آلةٍ قادرةٍ على إيذاءِ أجسادٍ أخرى، وتصبحُ لحظةُ الغضبِ أثقلَ من زمنِها. لهذا تتطلّبُ القيادةُ نضجاً عاطفياً يوازي المهارةَ الفنية، وقدرةً على تحمّلِ التأخيرِ واحتمالِ خطأِ الآخرين.
يحضرُ الاستعجالُ ذريعةً جاهزة؛ موعدٌ ينتظر، وعملٌ يتراكم، وأسرةٌ تتصل، ونهارٌ يبدو أقصرَ من متطلّباته. يحملُ السائقُ ضغوطَهُ إلى الشارع، ويطلبُ من الطريقِ أن يعوّضَ ما استهلكتهُ تفاصيلُ يومه. يتجاوزُ بعصبية، ويبدّلُ المساربَ بحثاً عن فراغ، ثمَّ يصلُ إلى الإشارةِ التاليةِ بجوارِ السيارةِ التي سبقها. تكشفُ هذه اللحظةُ مقدارَ الجهدِ والانفعالِ المبذولينِ مقابلَ مسافةٍ محدودة، وتكشفُ كذلك كيفَ تتحوّلُ الرغبةُ في الوصولِ إلى ممارسةٍ تُفسدُ الرحلةَ وتُنهكُ صاحبَها.
يتعلّمُ الأطفالُ هذا المعنى من المقعدِ الخلفي. يسمعونَ تعليقَ الأبِ على سيارةٍ تجاوزته، ويرونَ يدَهُ على البوق، ويلاحظونَ كيفَ يتغيّرُ صوتُهُ عندما يتأخّرُ فتحُ الإشارة. تتكوّنُ معرفتُهم بالطريقِ من هذه التفاصيلِ قبلَ أن يقرأوا قوانينَه؛ فيحفظونَ أنّ القيادةَ صراع، أو يتعلّمونَ أنّها تعاونٌ بينَ أشخاصٍ يحملُ كلٌّ منهم حياةً كاملةً إلى وجهته. تستطيعُ رحلةٌ عائليةٌ عاديةٌ أن تُرسّخَ معنى احترامِ الدور، وأن تجعلَ الاعتذارَ عن الخطأِ فعلاً مألوفاً يليقُ بالقويّ.


تحتاجُ معالجةُ ذلك إلى عملٍ تتساندُ فيهِ هندسةُ الطريقِ معَ وضوحِ القواعدِ وعدالةِ تطبيقها، ويتّسعُ فيهِ تعليمُ القيادةِ لفهمِ السلوكِ تحتَ الضغط. يستحقُّ طالبُ الرخصةِ أن يتدرّبَ على موقفٍ يستفزُّه، وعلى سيارةٍ تتردّد، وعلى عابرٍ يحتاجُ وقتاً أطول، وأن يفهمَ أثرَ المسافةِ الآمنةِ في حمايةِ الناس. يستحقُّ الطريقُ أيضاً علاماتٍ مفهومةً وتقاطعاتٍ منظّمةً وصيانةً منتظمة؛ فالمكانُ الواضحُ يساعدُ الإنسانَ على اتخاذِ قرارٍ أهدأ، ويقلّلُ فرصَ التنازعِ على المساحة.


تبدأُ الفروسيةُ التي تليقُ بطرقاتنا من تعريفٍ أعمقَ للقوة. يملكُ السائقُ القويُّ أعصابَه، ويمنحُ مَن أخطأ فرصةً لتصحيحِ مساره، ويتركُ للعابرِ حقَّهُ في الوصولِ إلى الرصيف، ويستطيعُ أن يتأخّرَ دقائقَ ويبقى مطمئنّاً إلى مكانته. تحملُ كلُّ سيارةٍ أباً أو أمّاً أو طالباً أو عاملاً، وتحملُ خلفَ ركّابها بيوتاً تنتظرُ عودتَهم. يكتملُ معنى السبقِ عندما يسبقُ الوعيُ حركةَ القدم، وعندما يصلُ الإنسانُ إلى أهلِهِ وقد حفظَ في الطريقِ حياةَ أهلِ الآخرين.

وسوم:
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم