د. عبدالله محمد القضاه يكتب: السكة الحديدية التي تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للأردن

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8762
د. عبدالله محمد القضاه يكتب: السكة الحديدية التي تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للأردن
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

لا يبدو وضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان مجرد خطوة لإنشاء خط نقل جديد؛ فالمشروع يفتح، في دلالاته الاقتصادية والسياسية، نقاشاً أوسع حول كيفية توظيف الأردن لموقعه الجغرافي وموارده الطبيعية في خدمة التنمية والتجارة الإقليمية.

وحين يشهد جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، هذه المناسبة، فإن الرسالة تتجاوز الشراكة في مشروع منفرد إلى استثمار طويل الأمد في مستقبل الاقتصاد الأردني. فالمشروع، في مرحلته الأولى، يستهدف نقل نحو 13 مليون طن من الفوسفات سنوياً من الشيدية إلى العقبة، بما يخفض كلف النقل ويرفع كفاءة الصادرات.


غير أن القيمة الأهم تكمن في تأسيس بنية تحتية قادرة على تغيير حركة الاقتصاد داخل المملكة. فالأردن يمتلك موارد ومواقع إنتاجية مهمة، لكنه واجه طويلاً تحديات ارتفاع كلف النقل وضعف الربط بين مناطق الإنتاج ومراكز التصدير. لذلك، ينبغي النظر إلى السكك الحديدية باعتبارها بنية اقتصادية تفتح الطريق أمام منظومة متكاملة تصل الإنتاج بالتخزين والتصنيع والموانئ والأسواق.


ومن هنا تبرز مكانة العقبة بوصفها أكثر من ميناء؛ إذ يمكن أن تتحول إلى بوابة لوجستية إقليمية، فيما يعزز ربطها بمراكز الإنتاج في الجنوب ومعان والشيدية وغور الصافي قدرة الأردن على أداء دور اقتصادي يتجاوز حجم سوقه المحلي. وتمنح الشراكة الأردنية–الإماراتية المشروع بعداً إضافياً، عبر الجمع بين الموقع الاستراتيجي الأردني والخبرة الإماراتية في تطوير السكك الحديدية والخدمات اللوجستية والاستثمار في البنية التحتية.

كما يقدم المشروع نموذجاً متقدماً للشراكات الاقتصادية العربية، ينتقل من التجارة التقليدية أو التمويل إلى الاستثمار في بنية منتجة ترفع القدرة التنافسية وتخلق فرصاً جديدة. وهو، في الوقت نفسه، جزء من خطة أوسع لإنشاء شبكة السكك الحديدية الوطنية، ما يجعله مكوناً مباشراً في رؤية التحديث الاقتصادي، لا مشروعاً منفصلاً عنها.

لكن نجاح السكة لن يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة أو أطنان الفوسفات المنقولة فقط، بل بقدرتها على توليد اقتصاد حول مسارها. فهل تنشأ مناطق صناعية ولوجستية في معان والشيدية؟ وهل تتوسع خدمات التخزين والمناولة والصناعات التحويلية؟ وهل يستطيع المستثمر الأردني الوصول إلى الأسواق بكلفة أقل؟ هذه الأسئلة يجب أن ترافق المشروع منذ يومه الأول.

إن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على القضبان، بل يشمل الأرض المحيطة بها، والمدن التي تمر فيها، والشباب الذين يعيشون فيها، والمشروعات التي يمكن أن تنشأ حولها. وبهذا المعنى، يملك المشروع فرصة لإعادة تعريف التنمية في جنوب الأردن، بحيث تنتقل محافظاته من الارتباط بالموارد الاستخراجية وحدها إلى التحول لمراكز للإنتاج والصناعة والخدمات اللوجستية.

إن وضع حجر الأساس هو بداية لمسار أوسع: العقبة بوابة بحرية ولوجستية، ومعان مركز للنقل والخدمات، والجنوب قاعدة إنتاجية وصناعية، والسكة شريان يصل هذه المكونات. وإذا أحسن الأردن استثمارها، فلن تكون السكة طريقاً لنقل الفوسفات فحسب، بل طريقاً لنقل الاقتصاد الأردني من الاعتماد على الموقع والموارد إلى تعظيم قيمتهما.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم