من على منبر الأمم المتحدة، أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني كلمة تبدو بسيطة إلى مكانها الثقيل: الانتباه. فالانتباه، في عالم تتسابق فيه الأزمات على أعيننا، لم يعد شأنًا ذهنيًا عابرًا؛ ما نختار أن نراه اليوم قد يحدد ما نضطر إلى مواجهته غدًا. وجاء في الداخل ما يستحق الانتباه فعلًا؛ وزير الداخلية مازن الفراية يضع البطالة في مقدمة التحديات التي تمس البعدين الأمني والاجتماعي. وهنا يستحق الرجل الشكر، لا لأنه اكتشف البطالة ـ فهذه تعرف طريقها إلى بيوت الأردنيين منذ زمن ـ وإنما لأنه أخرجها قليلًا من برودة الجداول الاقتصادية إلى دفء الإنسان وتعقيد المجتمع. فنسبة البطالة بين الأردنيين بلغت 21% في الربع الثاني من 2026، لكن النسبة، مهما أتقنت الحساب، لا تستطيع أن تخبرنا ماذا تفعل سنوات الانتظار بثقة الشاب بنفسه، ولا كيف يثقل سؤال «متى تعمل؟» حين يتكرر في البيت والعائلة والمناسبات. جلالة الملك نبّه عالميًا إلى خطورة ما يفلت من انتباهنا، والفراية، من موقعه التنفيذي، وضع إصبعه على شيء لا ينبغي أن يفلت من انتباهنا في الداخل.
وما زلت أذكر، في مجلس زرقاوي بمنزل الصديق محمد أمين المعايطة، العقيد المتقاعد والمستشار الأسبق لإذاعة القوات المسلحة الأردنية، حديثًا عن الشباب والبطالة وما تفعله سنوات الانتظار. لم تكن المقاهي يومها موضع اتهام، فالمقهى مكان للناس والحديث والراحة؛ كانت الخشية أن تتحول الساعات الطويلة فيه إلى بديل اضطراري عن العمل والفعل. واليوم انتقلت بعض مقاهي الانتظار إلى أبواب مغلقة وشاشات مضيئة؛ ساعات يمضيها الشاب على فيسبوك والمنصات يرى فيها الوظائف والنجاحات والسفر والزواج وحياة الآخرين وهي تتحرك أمامه، فيما تبدو حياته متوقفة عند إشارة لا تتحول إلى الأخضر. وعلم النفس لا يعدّ العمل راتبًا فقط؛ فالعمل يمنح الوقت بنيته، والإنسان دوره، والعلاقات مساحتها، ويغذي الإحساس بالكفاءة والاستقلال. والمراجعة المنهجية والتحليل التلوي المنشوران عام 2025، اللذان جمعا 38 دراسة طولية، وجدا اتجاهًا متسقًا نحو زيادة مشكلات الاكتئاب والقلق والضيق النفسي مع البطالة، وتحسنًا عند العودة إلى العمل، مع تنبيه الباحثين إلى أن يقين الأدلة ليس مرتفعًا وأن العلاقة ليست معادلة سببية بسيطة. وهذا التفصيل مهم؛ فلا نريد أن نحول العاطل إلى مريض، بل أن نفهم أن طول التعطل قد يترك على النفس فاتورة لا تظهر في كشف الحساب.
ومن البطالة إلى المخدرات مسافة يجب ألا نختصرها ظلمًا. لا توجد سكة حديد اسمها البطالة، يصعد إليها الشاب عاطلًا وينزل منها متعاطيًا؛ ولو كتبنا ذلك لكنا قد أسأنا إلى آلاف الشباب وإلى العلم معًا. لكن هناك شيئًا يعرفه علم النفس جيدًا يسمى تراكم عوامل الخطورة: فراغ طويل، إحباط، ضغط اقتصادي، ضعف شبكة الدعم، اضطراب أسري، رفقة، تجربة صادمة أو أعراض نفسية لم تجد من يلتقطها، ثم مادة تعرض على الإنسان هروبًا سريعًا من واقع ثقيل. والفراية نفسه تحدث عن 15,342 قضية مخدرات خلال العام، كان معظمها متعلقًا بالتعاطي لا الاتجار. وهنا يصبح التفريق واجبًا: المهرّب والمروّج يحتاجان حزم الدولة والقانون، أما المتعاطي فلا يكفي أن نقرأه من زاوية المحضر وحده؛ فقد يحتاج إلى علاج للإدمان، وتقييم نفسي، وأسرة تعرف كيف تتعامل، وتأهيل يعيده إلى المجتمع. فالقبض على المادة يحرم الإنسان من جرعة اليوم؛ أما نجاح العلاج والتأهيل فيحاول أن يجعله أقل حاجة إلى جرعة الغد.
ولهذا فإن الخدمة النفسية والاجتماعية ليست زينة نضيفها إلى مكافحة المخدرات بعد اكتمال العمل «الحقيقي»، بل جزء من العمل الحقيقي نفسه. والمقصود ليس عيادة لكل عاطل، ولا أن نوزع التشخيصات على المجتمع؛ فهذا إفراط لا علاقة له بالصحة النفسية الرشيدة. المطلوب أن تكون هناك طريق واضحة لمن يحتاج: من الأمن إلى العلاج، ومن العلاج إلى الأسرة والتأهيل، ومن التأهيل إلى التدريب والعمل والمتابعة. والمفارقة أننا نملك أجزاء هذه الطريق، لكن الجزء الأصعب هو أن نجعلها طريقًا واحدة. مراجعة منهجية وتحليل تلوي لثلاث وثلاثين دراسة نُشرا عام 2023 وجدا أن التدخلات النفسية الوقائية والعلاجية يمكن أن تخفف أعراض الاكتئاب والقلق لدى العاطلين، وأن العلاج المعرفي السلوكي وبعض التدخلات المرتبطة بالعمل أظهرت نتائج واعدة، مع بقاء تفاوت في جودة الأدلة. وهنا أقترح أن نضيف إلى أرقام الضبط رقمًا آخر نعتز به: كم متعاطيًا تعافى ولم يعد؟ وكم شابًا خرج من برنامج العلاج إلى تدريب أو عمل؟ لأن الدولة حين تقيس التعافي والاندماج، لا عدد القضايا فقط، تكون قد انتقلت من إدارة النتيجة إلى إدارة السبب وما حوله.
وشكرًا للفراية مرة أخرى؛ فلعل أهم ما في حديثه أنه وسّع دون ضجيج معنى الأمن. حماية الوطن تبدأ عند الحدود، نعم، وتحتاج عينًا لا تنام أمام المهرّبين؛ لكنها تبدأ أيضًا في بيت يعرف أين يذهب بابنه حين تتغير حاله، وفي مدرسة تنتبه قبل أن تطرد، وفي خدمة نفسية تصل قبل استفحال المشكلة، وفي علاج إدمان لا يترك المتعافي عند الباب بعد انتهاء البرنامج، وفي فرصة عمل تعيد لشاب معنى صباحه. هنا يلتقي الأمن بالاقتصاد، والصحة بعلم النفس، والتنمية بالأسرة، من غير أن يتنازع أحد على صاحب الملف. وربما تلك هي قيمة «الانتباه» التي أعاد جلالة الملك تذكير العالم بها: أن نرى الإشارات وهي صغيرة، لا بعد أن تصبح أزمة. فالدولة القوية تمسك بالخطر حين يصل؛ أما الدولة التي تستثمر في مناعتها، فتحاول أن تقلل عدد الذين يصل بهم الطريق أصلًا إلى هناك. وبعض الملفات الأمنية، إذا أمعنّا النظر، تبدأ قبل سنوات من وصولها إلى رجل الأمن؛ تبدأ من إنسان طال انتظاره، وكان ينبغي أن ننتبه إليه أبكر قليلًا.
د. زيد إحسان الخوالدة
باحث ومتخصص في علم النفس الإكلينيكي، وكاتب في الشأن العام
وما زلت أذكر، في مجلس زرقاوي بمنزل الصديق محمد أمين المعايطة، العقيد المتقاعد والمستشار الأسبق لإذاعة القوات المسلحة الأردنية، حديثًا عن الشباب والبطالة وما تفعله سنوات الانتظار. لم تكن المقاهي يومها موضع اتهام، فالمقهى مكان للناس والحديث والراحة؛ كانت الخشية أن تتحول الساعات الطويلة فيه إلى بديل اضطراري عن العمل والفعل. واليوم انتقلت بعض مقاهي الانتظار إلى أبواب مغلقة وشاشات مضيئة؛ ساعات يمضيها الشاب على فيسبوك والمنصات يرى فيها الوظائف والنجاحات والسفر والزواج وحياة الآخرين وهي تتحرك أمامه، فيما تبدو حياته متوقفة عند إشارة لا تتحول إلى الأخضر. وعلم النفس لا يعدّ العمل راتبًا فقط؛ فالعمل يمنح الوقت بنيته، والإنسان دوره، والعلاقات مساحتها، ويغذي الإحساس بالكفاءة والاستقلال. والمراجعة المنهجية والتحليل التلوي المنشوران عام 2025، اللذان جمعا 38 دراسة طولية، وجدا اتجاهًا متسقًا نحو زيادة مشكلات الاكتئاب والقلق والضيق النفسي مع البطالة، وتحسنًا عند العودة إلى العمل، مع تنبيه الباحثين إلى أن يقين الأدلة ليس مرتفعًا وأن العلاقة ليست معادلة سببية بسيطة. وهذا التفصيل مهم؛ فلا نريد أن نحول العاطل إلى مريض، بل أن نفهم أن طول التعطل قد يترك على النفس فاتورة لا تظهر في كشف الحساب.
ومن البطالة إلى المخدرات مسافة يجب ألا نختصرها ظلمًا. لا توجد سكة حديد اسمها البطالة، يصعد إليها الشاب عاطلًا وينزل منها متعاطيًا؛ ولو كتبنا ذلك لكنا قد أسأنا إلى آلاف الشباب وإلى العلم معًا. لكن هناك شيئًا يعرفه علم النفس جيدًا يسمى تراكم عوامل الخطورة: فراغ طويل، إحباط، ضغط اقتصادي، ضعف شبكة الدعم، اضطراب أسري، رفقة، تجربة صادمة أو أعراض نفسية لم تجد من يلتقطها، ثم مادة تعرض على الإنسان هروبًا سريعًا من واقع ثقيل. والفراية نفسه تحدث عن 15,342 قضية مخدرات خلال العام، كان معظمها متعلقًا بالتعاطي لا الاتجار. وهنا يصبح التفريق واجبًا: المهرّب والمروّج يحتاجان حزم الدولة والقانون، أما المتعاطي فلا يكفي أن نقرأه من زاوية المحضر وحده؛ فقد يحتاج إلى علاج للإدمان، وتقييم نفسي، وأسرة تعرف كيف تتعامل، وتأهيل يعيده إلى المجتمع. فالقبض على المادة يحرم الإنسان من جرعة اليوم؛ أما نجاح العلاج والتأهيل فيحاول أن يجعله أقل حاجة إلى جرعة الغد.
ولهذا فإن الخدمة النفسية والاجتماعية ليست زينة نضيفها إلى مكافحة المخدرات بعد اكتمال العمل «الحقيقي»، بل جزء من العمل الحقيقي نفسه. والمقصود ليس عيادة لكل عاطل، ولا أن نوزع التشخيصات على المجتمع؛ فهذا إفراط لا علاقة له بالصحة النفسية الرشيدة. المطلوب أن تكون هناك طريق واضحة لمن يحتاج: من الأمن إلى العلاج، ومن العلاج إلى الأسرة والتأهيل، ومن التأهيل إلى التدريب والعمل والمتابعة. والمفارقة أننا نملك أجزاء هذه الطريق، لكن الجزء الأصعب هو أن نجعلها طريقًا واحدة. مراجعة منهجية وتحليل تلوي لثلاث وثلاثين دراسة نُشرا عام 2023 وجدا أن التدخلات النفسية الوقائية والعلاجية يمكن أن تخفف أعراض الاكتئاب والقلق لدى العاطلين، وأن العلاج المعرفي السلوكي وبعض التدخلات المرتبطة بالعمل أظهرت نتائج واعدة، مع بقاء تفاوت في جودة الأدلة. وهنا أقترح أن نضيف إلى أرقام الضبط رقمًا آخر نعتز به: كم متعاطيًا تعافى ولم يعد؟ وكم شابًا خرج من برنامج العلاج إلى تدريب أو عمل؟ لأن الدولة حين تقيس التعافي والاندماج، لا عدد القضايا فقط، تكون قد انتقلت من إدارة النتيجة إلى إدارة السبب وما حوله.
وشكرًا للفراية مرة أخرى؛ فلعل أهم ما في حديثه أنه وسّع دون ضجيج معنى الأمن. حماية الوطن تبدأ عند الحدود، نعم، وتحتاج عينًا لا تنام أمام المهرّبين؛ لكنها تبدأ أيضًا في بيت يعرف أين يذهب بابنه حين تتغير حاله، وفي مدرسة تنتبه قبل أن تطرد، وفي خدمة نفسية تصل قبل استفحال المشكلة، وفي علاج إدمان لا يترك المتعافي عند الباب بعد انتهاء البرنامج، وفي فرصة عمل تعيد لشاب معنى صباحه. هنا يلتقي الأمن بالاقتصاد، والصحة بعلم النفس، والتنمية بالأسرة، من غير أن يتنازع أحد على صاحب الملف. وربما تلك هي قيمة «الانتباه» التي أعاد جلالة الملك تذكير العالم بها: أن نرى الإشارات وهي صغيرة، لا بعد أن تصبح أزمة. فالدولة القوية تمسك بالخطر حين يصل؛ أما الدولة التي تستثمر في مناعتها، فتحاول أن تقلل عدد الذين يصل بهم الطريق أصلًا إلى هناك. وبعض الملفات الأمنية، إذا أمعنّا النظر، تبدأ قبل سنوات من وصولها إلى رجل الأمن؛ تبدأ من إنسان طال انتظاره، وكان ينبغي أن ننتبه إليه أبكر قليلًا.
د. زيد إحسان الخوالدة
باحث ومتخصص في علم النفس الإكلينيكي، وكاتب في الشأن العام
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات