استدراج أحزاب الوسط في تعديل وزاري .. بالون اختبار قد يخفق وموقف المعارضة غامض ودورة تشريعية "مفخخة"

منذ 28 ثانية
المشاهدات : 49176
استدراج أحزاب الوسط في تعديل وزاري ..  بالون اختبار قد يخفق وموقف المعارضة غامض ودورة تشريعية "مفخخة"

سرايا - مع اقتراب موعد افتتاح الدورة العادية لمجلس النواب، تدخل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الاستحقاقات الحكومية مع الحسابات الحزبية والنيابية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ما إذا كان التعديل الوزاري المحتمل سيحمل معه صيغة جديدة للتعامل مع الأحزاب والكتل البرلمانية، أم سيبقى في إطار التغيير التقليدي للحقائب والأسماء.


المشهد لا يبدو منفصلًا عن طبيعة الدورة المقبلة، التي ينتظر أن تكون حافلة بملفات تشريعية ومالية واقتصادية حساسة، بعضها مرشح لأن يفتح نقاشًا واسعًا تحت القبة، ويضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في قدرتها على إدارة العلاقة مع مجلس النواب، خصوصًا في ظل وجود كتلة حزب الأمة التي تسعى إلى تثبيت حضورها الرقابي والتشريعي.


السؤال الأبرز أمام رئيس الوزراء جعفر حسان لا يتعلق فقط بإجراء تعديل وزاري من عدمه، وإنما بتوقيت أي تعديل محتمل، وطبيعة الأهداف السياسية التي يمكن أن يحملها.


فإذا اتجهت الحكومة إلى إشراك شخصيات حزبية من أحزاب الوسط في الفريق الوزاري، فإن الخطوة ستكون أبعد من مجرد استبدال وزراء بآخرين، لأنها ستضع تجربة المشاركة الحزبية في الحكم أمام اختبار عملي، وستنقل بعض الأحزاب من موقع التأييد أو المراقبة البرلمانية إلى مساحة تحمل المسؤولية التنفيذية بصورة مباشرة.


وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية: إشراك بعض الأحزاب في الحكومة لا يعني بالضرورة ضمان اصطفاف برلماني كامل إلى جانبها، كما أن عدم إشراك أحزاب أخرى لا يعني تلقائيًا انتقالها إلى مربع المعارضة الصلبة.


فالبرلمان، في نهاية المطاف، لا يتحرك دائمًا وفق خطوط حزبية مغلقة، والكتل النيابية يمكن أن تتقاطع في ملف وتختلف في ملف آخر، تبعًا لطبيعة التشريع والمصلحة العامة والاعتبارات السياسية.


في حال قررت الحكومة توسيع قاعدة مشاركتها السياسية، فإن أحزاب الوسط ستكون أمام اختبار لا يقل أهمية عن اختبار الحكومة نفسها.

فالدخول إلى الحكومة يمنح الحزب فرصة للمشاركة في صناعة القرار، لكنه في المقابل يضعه أمام مسؤولية الدفاع عن السياسات الحكومية وتفسيرها أمام جمهوره، بما فيها القرارات الاقتصادية والمالية التي قد لا تكون شعبية بالضرورة.

وهذا يعني أن المشاركة الوزارية ليست مكسبًا سياسيًا خالصًا، بل تحمل كلفة سياسية أيضًا.

فالحزب الذي يدخل الحكومة يفقد جزءًا من المساحة التي يتمتع بها وهو خارجها للانتقاد والمساءلة، بينما يصبح مطالبًا بإثبات أن وجوده داخل السلطة التنفيذية قادر على إنتاج أثر ملموس، وليس مجرد الحصول على حقائب وزارية.

ومن هنا، فإن أي صيغة للمشاركة الحزبية ستحتاج إلى تفاهم واضح حول المسؤوليات والأدوار، حتى لا تتحول التجربة إلى مجرد توزيع للمقاعد الوزارية، ثم تنتهي عند أول اختبار سياسي أو شعبي.


في الجهة المقابلة، تبدو كتلة "حزب الأمة الإسلامي" أمام استحقاق مختلف، باعتبارها تمثل حضورًا معارضًا للحكومة داخل مجلس النواب.

والتحدي أمامها لن يكون فقط في تسجيل المواقف المعارضة، وإنما في تحويل هذا الموقع إلى ممارسة رقابية وتشريعية مؤثرة، خصوصًا أن الدورة المقبلة ستفتح الباب أمام ملفات يمكن أن تشكل مادة واسعة للنقاش تحت القبة.

وخلال المرحلة الماضية، برز اهتمام نواب التيار الإسلامي بعدد من الملفات التي تمس حياة المواطنين، وظهر حضورهم في النقاشات المرتبطة بالتشريعات والقضايا العامة، وهو ما منحهم مساحة إعلامية وشعبية ملحوظة.

لكن استمرار هذا الحضور يتوقف على قدرة الكتلة على تقديم أداء برلماني متماسك، يقوم على السؤال والمساءلة واقتراح البدائل ودراسة التشريعات، وليس فقط الاعتراض عليها.

وهنا تحديدًا قد تكون الدورة المقبلة اختبارًا حقيقيًا للمعارضة: هل تستطيع تحويل الزخم الإعلامي إلى إنجاز تشريعي ورقابي مستدام؟


في المقابل، فإن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان يدرك، سياسيًا، أن أي محاولة لتوسيع المشاركة الحكومية لن تكون قادرة على استيعاب جميع الأحزاب والكتل، فالمقاعد الوزارية محدودة، بينما الطموحات السياسية أكبر، وإدخال طرف إلى الحكومة يعني بالضرورة بقاء أطراف أخرى خارجها.

وهذا يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة: كيف توسع قاعدة التفاهم السياسي من دون أن تنتج في الوقت نفسه شعورًا بالإقصاء لدى أطراف أخرى؟

كما أن أي استقطاب حزبي إلى الحكومة سيُقاس لاحقًا بقدرته على إنتاج دعم سياسي وتشريعي حقيقي، وليس بمجرد عدد الوزراء المنتمين إلى الأحزاب.


ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى فكرة إشراك أحزاب الوسط في الحكومة، في حال المضي بها، باعتبارها اختبارًا عمليًا لمسار التحديث السياسي والحزبي.


فنجاح التجربة سيعتمد على أكثر من مجرد دخول أسماء حزبية إلى مجلس الوزراء؛ إذ يحتاج إلى وضوح في العلاقة بين الحزب والوزير والكتلة النيابية، وإلى قدرة الأحزاب المشاركة على تحمل مسؤولية القرار الحكومي.


أما إذا بقيت المشاركة شكلية أو محدودة التأثير، فقد تتحول الخطوة إلى مجرد إعادة توزيع للمواقع، دون أن تنتج تحولًا حقيقيًا في طبيعة العلاقة بين الحكومة والأحزاب والبرلمان.


ولهذا، فإن الحديث عن التعديل بوصفه "بالون اختبار" لا يعني الحكم مسبقًا على نجاحه أو فشله، وإنما يعكس حجم المخاطرة السياسية المرتبطة بأي محاولة لنقل التجربة الحزبية من مقاعد البرلمان إلى طاولة القرار التنفيذي.


ويزداد ملف التوقيت أهمية مع ارتباط المرحلة المقبلة بالاستحقاق المالي للموازنة العامة.

فإذا اتجهت الحكومة إلى تأجيل التعديل المحتمل إلى ما بعد عبور مشروع الموازنة، فإن ذلك قد يعني عمليًا رغبتها في التعامل أولًا مع أحد أكثر الاستحقاقات السياسية والمالية حساسية، قبل إعادة ترتيب الفريق الوزاري أو توسيع قاعدة المشاركة السياسية.


ولا يعني هذا بالضرورة أن التعديل فقد أولوية سياسية، وإنما قد يكون التوقيت نفسه جزءًا من الحسابات المتعلقة بإدارة المرحلة المقبلة.


فالموازنة ليست مجرد أرقام، بل اختبار سياسي للحكومة أمام مجلس النواب، خصوصًا في ظل الأسئلة المتعلقة بالنمو الاقتصادي، وفرص العمل، والإنفاق العام، والدين، والاستثمار، وأولويات الإصلاح.



لكن الاختبار الأكبر قد يكون في الأجندة التشريعية التي تنتظر مجلس النواب مع افتتاح الدورة، فعدد من الملفات المنتظرة يحمل حساسية اجتماعية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي يجعل الدورة المقبلة مختلفة عن دورة اعتيادية تمر فيها القوانين دون احتكاك سياسي كبير.


ويأتي في مقدمة هذه الملفات قانون الضمان الاجتماعي، وغيرها من الملفات ذات الصلة بالشأن العام، وهذه القوانين ستضع الحكومة والنواب أمام اختبار مزدوج: إقرار تشريعات تراعي متطلبات الدولة المالية والإدارية، وفي الوقت نفسه لا تتجاهل الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر على المواطنين.


ومن بين الملفات التي يمكن أن تستحوذ على اهتمام واسع، يبرز قانون الضمان الاجتماعي، نظرًا لاتصاله المباشر بشريحة واسعة من الأردنيين، وما يثيره أي تعديل عليه من أسئلة حول حقوق المشتركين والمتقاعدين واستدامة النظام التأميني.


ولهذا فإن النقاش حول القانون لن يكون تقنيًا بحتًا؛ إذ سيحمل بالضرورة أبعادًا اجتماعية وسياسية، وقد يشكل اختبارًا لقدرة مجلس النواب على التعامل مع الملفات الحساسة بعيدًا عن المواقف المسبقة.


وستكون جودة النقاش البرلماني، في هذه الحالة، مرتبطة بمدى قدرة النواب على قراءة الآثار بعيدة المدى لأي تعديل، وتقديم مقترحات تستند إلى بيانات ودراسات، بدل الاكتفاء بالشعارات أو المواقف الانفعالية.


في ظل هذه البيئة، لن تكون المعركة السياسية محصورة في موقع رئيس الوزراء أو شكل الحكومة، بل ستنتقل إلى داخل مجلس النواب نفسه، فالحكومة تمتلك أدواتها التنفيذية ومشاريع القوانين والسياسات العامة، بينما يمتلك المجلس أدوات الرقابة والمناقشة والتعديل والتشريع.

أما الكتل البرلمانية، فستكون مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة هذه الأدوات بكفاءة، سواء كانت داعمة للحكومة أو معارضة لها.

وهنا يصبح السؤال الأهم: من ينجح في تحويل موقعه السياسي إلى تأثير تشريعي ورقابي فعلي؟

فالكتلة التي تستطيع قراءة مشاريع القوانين بدقة، وتحديد نقاط الخلاف، واقتراح البدائل، وحشد التأييد حولها، ستكون أكثر قدرة على التأثير من كتلة تكتفي بإطلاق المواقف السياسية والإعلامية.


وإذا نجحت كتلة "حزب الأمة" في المحافظة على حضورها الرقابي خلال الدورة المقبلة، فقد تجد الحكومة نفسها أمام معارضة أكثر نشاطًا في ملفات الاقتصاد والتشريع والخدمات.

لكن هذا الأمر، في المقابل، سيضع المعارضة نفسها أمام معيار أكثر صعوبة: هل تستطيع تقديم بدائل قابلة للتطبيق، أم ستبقى وظيفتها الأساسية الاعتراض على السياسات الحكومية؟

فالبرلمان القوي لا يقوم فقط على وجود معارضة قوية، وإنما على وجود أغلبية قادرة على دعم الحكومة عندما تكون قراراتها مقنعة، ومعارضة قادرة على مساءلتها عندما تكون هناك أسباب موضوعية لذلك، وهذه المعادلة هي التي يمكن أن تحدد شكل العمل النيابي في المرحلة المقبلة.

رئيس الوزراء جعفر حسان يدخل المرحلة المقبلة أمام استحقاقين متوازيين، الأول سياسي، ويتمثل في إدارة العلاقة مع الأحزاب والكتل النيابية، وتحديد ما إذا كان التعديل الوزاري المحتمل سيأخذ طابعًا سياسيًا أوسع من مجرد تغيير بعض الوزراء.

والثاني تشريعي واقتصادي، ويتمثل في قدرة الحكومة على التعامل مع ملفات حساسة خلال دورة برلمانية قد تشهد نقاشات قوية حول الموازنة والقوانين الاجتماعية والاقتصادية.

ومن هنا، فإن نجاح الحكومة في الدورة المقبلة لن يُقاس فقط بعدد القوانين التي تمررها، وإنما بقدرتها على إدارة الخلافات، وتقديم مبررات واضحة لسياساتها، وبناء تفاهمات مستقرة مع مجلس النواب دون أن يتحول ذلك إلى علاقة تقوم على التوافق الشكلي فقط.


في المحصلة، تبدو قصة التعديل الوزاري المحتمل أكبر من مجرد أسماء جديدة تدخل مجلس الوزراء، فالمسألة تتصل بمستقبل العلاقة بين الحكومة والأحزاب والبرلمان، وبمدى قدرة التجربة الحزبية على الانتقال من مرحلة التمثيل النيابي إلى تحمل المسؤولية السياسية، سواء من داخل الحكومة أو من موقع المعارضة.

وإذا قررت الحكومة إشراك أحزاب الوسط، فسيكون عليها أن تثبت أن الخطوة جزء من مسار سياسي واضح، لا مجرد محاولة لتأمين غطاء برلماني مؤقت.

وفي المقابل، سيكون على الأحزاب المشاركة أن تثبت أن وجودها في الحكومة قادر على تقديم قيمة مضافة، فيما ستكون المعارضة مطالبة بتحويل موقعها إلى رقابة وتشريع فعليين.

أما الدورة المقبلة، فستكون الاختبار الحقيقي للجميع، فالسؤال لم يعد فقط: من سيدخل الحكومة ومن سيبقى خارجها؟ بل: هل تستطيع الحكومة والبرلمان والأحزاب إنتاج صيغة سياسية أكثر نضجًا لإدارة الخلاف والتشريع والرقابة، أم أن التعديل الوزاري سيبقى في حدود إعادة توزيع المواقع دون أن يغير قواعد العلاقة السياسية؟.


إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم