الإنسان وشركاؤه في الزمن القادم

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13148
الإنسان وشركاؤه في الزمن القادم

أ.د. سلطان المعاني

يدخل الإنسانُ الزمنَ القادمَ ومعه شركاءُ صنعهم بعقله، وأودعَ فيهم شيئاً من معرفته، ثم منحهم قدرةً متزايدةً على التعلّمِ والاقتراحِ واتخاذِ القرار. تتقدّمُ الآلةُ نحو مساحاتٍ كانت مرتبطةً بالحضورِ البشريّ، فتكتبُ وتُحلّلُ وتُشخّصُ وتُحاور، ويجدُ الإنسانُ نفسَهُ أمامَ علاقةٍ تتجاوزُ استعمالَ الأداةِ إلى التعاملِ مع طرفٍ يؤثّرُ في اختياراته وإيقاعِ حياته. يفتحُ هذا التحوّلُ سؤالَ الشراكةِ ومعناها، ومقدارِ ما تمنحُهُ للإنسانِ من قدرة، وما تطلبُهُ منه من انتباهٍ وتكيّفٍ ومسؤولية.
تحملُ الشراكةُ وعداً حقيقياً بتوسيعِ الممكنِ البشري؛ يستطيعُ الباحثُ أن يبلغَ موادَّ كانت تتطلّبُ أشهراً من الجمع، ويستطيعُ الطبيبُ أن يستعينَ بتحليلٍ أسرع، ويستطيعُ المعلّمُ أن يقرّبَ المعرفةَ إلى احتياجاتِ طلابه، ويجدُ صاحبُ الإعاقةِ وسائلَ تمنحُهُ استقلالاً أوسع. تتجسّدُ قيمةُ التقدّمِ في هذه التفاصيلِ التي تزيدُ قدرةَ الإنسانِ على ممارسةِ حياته، وتمنحُ وقتَهُ فرصةً للبحثِ والرعايةِ والإبداع، وتفتحُ أمامَ أفرادٍ كثيرين أبواباً ظلت قدرتُهم على دخولها محدودة.
يتحوّلُ الوعدُ إلى تجربةٍ مُثقِلةٍ عندما تستهلكُ إدارةُ الوسائلِ الجديدةِ الطاقةَ التي جاءت لتوفّرها. يلاحقُ الفردُ تحديثاتِ البرامج، ويتعلّمُ واجهاتٍ تتبدّل، ويتابعُ إشعاراتٍ تتكاثر، ويواجهُ توقعاً دائماً بأن يكونَ أسرعَ استجابةً وأوسعَ إنتاجاً. تمنحُهُ التقنيةُ ساعةً فيستقبلُ فيها عملاً إضافياً، وتختصرُ مهمةً فتتضاعفُ المهامُّ المطلوبةُ منه. ينشأُ الثقلُ هنا من الطريقةِ التي تُنظَّمُ بها الحياةُ حولَ التقنية، ومن تحويلِ كلِّ مكسبٍ في الكفاءةِ إلى مطالبةٍ جديدةٍ بالأداء.
تستدعي هذه العلاقةُ إعادةَ النظرِ في معنى الوقتِ الذي نربحُه. يحملُ الوقتُ المستعادُ إمكانَ الجلوسِ مع الأسرة، والمشيِ والتأمّل، وقراءةِ كتابٍ بتمهّل، والإنصاتِ إلى إنسانٍ يحتاجُ حضورنا. ترتبطُ إنسانيةُ التقدّمِ بمصيرِ هذه الإمكانات، وبحقِّ الفردِ في أن يستفيدَ من ثمرةِ التحسين. تتحدّدُ جودةُ الشراكةِ حين تفسحُ الوسيلةُ مكاناً للحياة، ويصبحُ الإنجازُ جزءاً من يومٍ متوازن، وتبقى للإنسانِ قدرةٌ على اختيارِ وتيرته.
يمتدُّ السؤالُ إلى المعرفةِ نفسها؛ تُقدّمُ الأنظمةُ الذكيةُ أجوبةً مصوغةً بثقة، وتمنحُ المتلقّي شعوراً بأن الطريقَ إلى الفهمِ أصبحَ أقصر. يحتاجُ الإنسانُ في هذا الموضعِ إلى الاحتفاظِ بعادةِ السؤالِ وفحصِ الدليلِ ومراجعةِ النتيجة، فسهولةُ الحصولِ على الجوابِ قد تشجّعُ على تفويضِ الجهدِ الذي يتكوّنُ به الحكمُ المستقل. تنضجُ الشراكةُ عندما تُستخدمُ الإجابةُ بدايةً للتفكير، وتصبحُ قدرةُ النظامِ مناسبةً لتوسيعِ البحثِ ومقارنةِ الاحتمالاتِ وفهمِ حدودِ المعرفة.
تزدادُ حساسيةُ الأمرِ في العلاقاتِ الوجدانية؛ يستطيعُ رفيقٌ اصطناعيٌّ أن يستجيبَ في كلِّ ساعة، وأن يتذكّرَ تفاصيلَ الحديث، وأن يصوغَ كلاماً قريباً من حاجةِ صاحبه. يمنحُ هذا الحضورُ بعضَ الناسِ مساحةً للتعبير، ويثيرُ في الوقتِ نفسه سؤالاً عن أثرهِ في استعدادِهم لتحمّلِ تعقيدِ العلاقاتِ البشرية. يقومُ اللقاءُ الإنسانيُّ على إرادتينِ وتجربتين، وفي اختلافهما تنمو القدرةُ على الإصغاءِ والتفاوضِ ومراعاةِ الآخر، وتكتسبُ المودّةُ عمقَها من مشاركةِ حياةٍ لها مطالبُها وتقلباتُها.
تدخلُ المؤسساتُ في صميمِ هذه المسؤولية، فهي التي تختارُ الأنظمةَ وتحدّدُ مواقعَ استخدامها، وتوزّعُ منافعَها وتبعاتِها. يستحقُّ العاملُ تدريباً ووقتاً للتكيّف، ويستحقُّ الطالبُ تعليماً يحفظُ مشاركتَهُ الفكرية، ويستحقُّ المواطنُ تفسيراً مفهوماً للقراراتِ التي تمسُّ حقوقه. تحتاجُ الشراكةُ إلى جهةٍ بشريةٍ تتحمّلُ المسؤوليةَ عن الخطأ، وإلى مسارٍ واضحٍ للمراجعةِ والاعتراض، حتى تبقى السلطةُ التي تمارسُها الأنظمةُ قابلةً للفهمِ والمساءلة.
يتفاوتُ استعدادُ الناسِ لدخولِ هذا الزمن؛ يحملُ بعضُهم معرفةً ومواردَ واتصالاً جيداً، ويواجهُ آخرونَ كلفةَ الأجهزةِ وضعفَ التدريبِ وصعوبةَ اللغة. يُقاسُ البعدُ الاجتماعيُّ للتقدّمِ بقدرتِه على توسيعِ المشاركة، وبما يُخصَّصُ لتمكينِ الفئاتِ الأشدِّ حاجة. تصبحُ المهارةُ التقنيةُ جزءاً من فرصِ العملِ والتعلّم، وتغدو إتاحتُها مسؤوليةً تربويةً وتنمويةً تتصلُ بكرامةِ الإنسانِ وموقعِه في مجتمعِه.
تبدأُ تهيئةُ الإنسانِ لهذا المستقبلِ بتعليمهِ كيفَ يختارُ شريكَهُ وكيفَ يحدّدُ المهمةَ التي يعهدُ بها إليه، وكيفَ يستعيدُ زمامَ القرارِ عندَ الحاجة. تقتضي هذه التربيةُ معرفةً بالقدراتِ والحدود، وعنايةً بالخصوصية، وتدريباً على التمييزِ بين الاقتراحِ والحكمِ الملزم. يحتاجُ الجيلُ القادمُ إلى ثقةٍ بقدرتِه على الفعل، وإلى خبرةٍ عمليةٍ تجعلُهُ مشاركاً في تشكيلِ الوسائلِ التي ستشاركُهُ حياتَه.
يظلُّ المستقبلُ مفتوحاً على الوجهين: تفاعلٍ يزيدُ الإنسانَ قدرةً وطمأنينة، وأحمالٍ تستنزفُ انتباهَهُ وتُضيّقُ حريّتَه. يتشكّلُ الوجهُ الذي سنعيشُهُ من قراراتٍ تُتَّخذُ اليومَ في المدرسةِ والجامعةِ والعملِ والبيت، ومن المعاييرِ التي نربطُ بها النجاحَ والتقدّم. يستحقُّ الإنسانُ شركاءَ يعينونَهُ على حملِ مسؤولياتِه، ويحفظونَ له مساحةً ينمو فيها بعقلِه ووجدانِه، ويمنحونَهُ وقتاً يعيشُهُ ويختارُ كيفَ يملؤُهُ.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم