في الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمعلمين؛ مناسبة نستعيد فيها قيمة من يحملون واحدة من أنبل رسالات الحياة: بناء الإنسان.
وبالنسبة لي، فإن الحديث عن المعلم ليس حديثًا عن مهنة من المهن، فقد كنت معلّمًا قبل أن أكون وزيرًا، وأعتز بأن بدايتي كانت من المدرسة والميدان، ومن الوقوف أمام الطلبة. ولذلك بقي المعلم بالنسبة لي رسالة وهوية وانتماء، لا مجرد وظيفة.
لقد علّمني الميدان أن المعلم هو حجر الأساس في أي عملية إصلاح تربوي؛ فهو الذي يلتقي الطالب كل يوم، ويكتشف قدراته، ويؤثر في شخصيته، ويصنع الدافعية نحو التعلم.
ولهذا، فإننا لا نريد مجرد معلم يؤدي حصصه وينهي واجباته؛ نريد معلّمًا قائدًا، واثقًا برسالته، متمكنًا من أدواته، قادرًا على اتخاذ المبادرة، ويمتلك من المعرفة والمهارات ما يمكّنه من القيام بدوره على أكمل وجه.
لكننا لا نستطيع أن نطلب من المعلم أن يكون قائدًا ومبدعًا ومبادرًا، ثم نتركه يواجه ضغوط الحياة وحده.
إن تحسين الوضع المادي والمعنوي للمعلم ليس ترفًا ولا مطلبًا فئويًا؛ بل هو استثمار مباشر في مستقبل التعليم. فكلما ارتفعت مكانة المهنة، وتحسنت ظروفها، وشعر المعلم بالأمان والاستقرار والتقدير، أصبحت المهنة أكثر قدرة على استقطاب نوعية متميزة من أصحاب القدرات والكفاءات والطاقات الإبداعية.
وعندما نستقطب المعلم الأفضل، ونمنحه التدريب والتمكين والبيئة المهنية المناسبة، فإننا لا نحسن وضع المعلم فقط؛ بل نرفع بالضرورة مستوى التعلم داخل المدرسة.
وهنا نصل إلى جوهر الإصلاح الذي نحتاجه: الانتقال من تعليم يتمحور حول النتيجة والمحتوى، إلى تعلم يتمحور حول الطالب وقدراته واحتياجاته واهتماماته واستعداداته.
فالطلبة ليسوا نسخًا متشابهة؛ بينهم فروق في القدرات والاستعدادات والميول وأنماط التعلم. والمعلم القائد هو القادر على اكتشاف هذه الفروق والتعامل معها، وتنويع طرائق التدريس والتقويم، وإعطاء كل طالب فرصة حقيقية للتعلم والنمو وفق إمكاناته.
ومن هنا، فإن الاستثمار في المعلم هو في الوقت نفسه استثمار في الطالب.
نحتاج إلى مراجعة أوضاع المعلمين المعيشية، وتحسين الرواتب والعلاوات والحوافز، وتوفير خدمات صحية واجتماعية أكثر فاعلية، وبرامج تساعدهم في السكن والنقل والحالات الطارئة، إلى جانب بناء مسارات مهنية واضحة تكافئ الكفاءة والتميز والإنجاز.
ونحتاج كذلك إلى تخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، وإعطاء المعلم وقتًا أكبر للتعليم والتخطيط والتفاعل مع الطلبة، وإشراكه بصورة حقيقية في صناعة القرار التربوي.
وأدعو إلى برنامج وطني مستدام لدعم المعلمين، بأهداف واضحة وموازنات محددة ومؤشرات قابلة للقياس، بحيث يتحول تقدير المعلم من مناسبة سنوية إلى سياسة مستمرة.
وفي اليوم العالمي للمعلمين، أتذكر معلميّ الذين تركوا في نفسي أثرًا لا تمحوه السنوات، وأتذكر أنني كنت معلّمًا قبل أن أكون وزيرًا؛ ولذلك أرى أن أفضل تكريم للمعلم ليس شهادة تعلق على جدار، وإنما أن نمنحه المكانة التي تليق برسالته، والدخل الذي يحفظ كرامته، والبيئة التي تمكنه من الإبداع.
فإذا أردنا مدرسة أفضل، فعلينا أن نبدأ بمعلم أفضل.
وإذا أردنا طالبًا قادرًا على التفكير والإبداع وتحقيق ذاته، فعلينا أن نمنح المعلم القدرة على اكتشافه وتوجيهه.
وإذا أردنا إصلاحًا تربويًا حقيقيًا، فعلينا أن نضع المعلم في قلب هذا الإصلاح.
المعلم القائد ليس نتيجة لإصلاح التعليم؛ بل هو أحد أهم شروط حدوثه.
وفي يوم المعلم العالمي، لا يكفي أن نقول له: شكرًا.
فلنجعل شكرنا قرارًا، وتقديرنا سياسة، ودعمنا استثمارًا؛ لأن بناء الإنسان يبدأ بمن يبني الإنسان.
د. فايز محمد غانم السعودي
وزير التربية والتعليم الأسبق
وبالنسبة لي، فإن الحديث عن المعلم ليس حديثًا عن مهنة من المهن، فقد كنت معلّمًا قبل أن أكون وزيرًا، وأعتز بأن بدايتي كانت من المدرسة والميدان، ومن الوقوف أمام الطلبة. ولذلك بقي المعلم بالنسبة لي رسالة وهوية وانتماء، لا مجرد وظيفة.
لقد علّمني الميدان أن المعلم هو حجر الأساس في أي عملية إصلاح تربوي؛ فهو الذي يلتقي الطالب كل يوم، ويكتشف قدراته، ويؤثر في شخصيته، ويصنع الدافعية نحو التعلم.
ولهذا، فإننا لا نريد مجرد معلم يؤدي حصصه وينهي واجباته؛ نريد معلّمًا قائدًا، واثقًا برسالته، متمكنًا من أدواته، قادرًا على اتخاذ المبادرة، ويمتلك من المعرفة والمهارات ما يمكّنه من القيام بدوره على أكمل وجه.
لكننا لا نستطيع أن نطلب من المعلم أن يكون قائدًا ومبدعًا ومبادرًا، ثم نتركه يواجه ضغوط الحياة وحده.
إن تحسين الوضع المادي والمعنوي للمعلم ليس ترفًا ولا مطلبًا فئويًا؛ بل هو استثمار مباشر في مستقبل التعليم. فكلما ارتفعت مكانة المهنة، وتحسنت ظروفها، وشعر المعلم بالأمان والاستقرار والتقدير، أصبحت المهنة أكثر قدرة على استقطاب نوعية متميزة من أصحاب القدرات والكفاءات والطاقات الإبداعية.
وعندما نستقطب المعلم الأفضل، ونمنحه التدريب والتمكين والبيئة المهنية المناسبة، فإننا لا نحسن وضع المعلم فقط؛ بل نرفع بالضرورة مستوى التعلم داخل المدرسة.
وهنا نصل إلى جوهر الإصلاح الذي نحتاجه: الانتقال من تعليم يتمحور حول النتيجة والمحتوى، إلى تعلم يتمحور حول الطالب وقدراته واحتياجاته واهتماماته واستعداداته.
فالطلبة ليسوا نسخًا متشابهة؛ بينهم فروق في القدرات والاستعدادات والميول وأنماط التعلم. والمعلم القائد هو القادر على اكتشاف هذه الفروق والتعامل معها، وتنويع طرائق التدريس والتقويم، وإعطاء كل طالب فرصة حقيقية للتعلم والنمو وفق إمكاناته.
ومن هنا، فإن الاستثمار في المعلم هو في الوقت نفسه استثمار في الطالب.
نحتاج إلى مراجعة أوضاع المعلمين المعيشية، وتحسين الرواتب والعلاوات والحوافز، وتوفير خدمات صحية واجتماعية أكثر فاعلية، وبرامج تساعدهم في السكن والنقل والحالات الطارئة، إلى جانب بناء مسارات مهنية واضحة تكافئ الكفاءة والتميز والإنجاز.
ونحتاج كذلك إلى تخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، وإعطاء المعلم وقتًا أكبر للتعليم والتخطيط والتفاعل مع الطلبة، وإشراكه بصورة حقيقية في صناعة القرار التربوي.
وأدعو إلى برنامج وطني مستدام لدعم المعلمين، بأهداف واضحة وموازنات محددة ومؤشرات قابلة للقياس، بحيث يتحول تقدير المعلم من مناسبة سنوية إلى سياسة مستمرة.
وفي اليوم العالمي للمعلمين، أتذكر معلميّ الذين تركوا في نفسي أثرًا لا تمحوه السنوات، وأتذكر أنني كنت معلّمًا قبل أن أكون وزيرًا؛ ولذلك أرى أن أفضل تكريم للمعلم ليس شهادة تعلق على جدار، وإنما أن نمنحه المكانة التي تليق برسالته، والدخل الذي يحفظ كرامته، والبيئة التي تمكنه من الإبداع.
فإذا أردنا مدرسة أفضل، فعلينا أن نبدأ بمعلم أفضل.
وإذا أردنا طالبًا قادرًا على التفكير والإبداع وتحقيق ذاته، فعلينا أن نمنح المعلم القدرة على اكتشافه وتوجيهه.
وإذا أردنا إصلاحًا تربويًا حقيقيًا، فعلينا أن نضع المعلم في قلب هذا الإصلاح.
المعلم القائد ليس نتيجة لإصلاح التعليم؛ بل هو أحد أهم شروط حدوثه.
وفي يوم المعلم العالمي، لا يكفي أن نقول له: شكرًا.
فلنجعل شكرنا قرارًا، وتقديرنا سياسة، ودعمنا استثمارًا؛ لأن بناء الإنسان يبدأ بمن يبني الإنسان.
د. فايز محمد غانم السعودي
وزير التربية والتعليم الأسبق
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات