مقدادي يكتب: الحرب الأمريكية الإيرانية .. مسرحية من نار ودم يدفع ثمنها شعوب المنطقة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12769
 مقدادي يكتب: الحرب الأمريكية الإيرانية ..  مسرحية من نار ودم يدفع ثمنها شعوب المنطقة
المهندس ثائر عايش مقدادي

المهندس ثائر عايش مقدادي

في كل مرة تشتعل فيها الحرب في منطقتنا، نسمع المصطلحات نفسها: تصعيد، ردع، انتقام، دفاع عن النفس، ضربة محدودة، ورسائل عسكرية.

لكن بعيدًا عن كل هذه المصطلحات السياسية والعسكرية، يبقى السؤال الأهم: إلى أين تمضي هذه الحرب، ومن الذي يريد لها أن تستمر، ومن الذي يدفع ثمن استمرارها؟ إن المشهد الأمريكي الإيراني، بكل ما يحمله من صواريخ وغارات وتهديدات وتصريحات، يبدو في كثير من تفاصيله وكأنه مسرح سياسي وعسكري مفتوح، تتغير فيه المشاهد وتتبدل فيه الأدوار، بينما تبقى شعوب المنطقة هي الجمهور الوحيد الذي لا يملك مغادرة مقاعده، لأنها تدفع ثمن العرض من أمنها واقتصادها ودمائها ومستقبل أبنائها. لا يعني وصف المشهد بأنه مسرحية أن الحرب وهم، أو أن الضحايا غير حقيقيين، أو أن الصواريخ مجرد ألعاب سياسية. على العكس تمامًا، الدم حقيقي، والدمار حقيقي، والخوف الذي تعيشه الشعوب حقيقي.

لكن المسرحية تكمن في طريقة إدارة الصراع وفي حدود التصعيد وفي الرسائل التي تحملها كل ضربة، وفي حقيقة أن طرفي المواجهة يعرفان جيدًا أن هناك خطوطًا لا يريدان تجاوزها، لأن تجاوزها قد يحول المواجهة إلى حرب شاملة لا يستطيع أحد التحكم في نتائجها. ولذلك نرى الضربة تتبعها ضربة، والتهديد يليه رد، ثم تظهر الاتصالات والوساطات، وبعدها يعود التصعيد من جديد، وكأن الحرب يجب أن تبقى مشتعلة، ولكن من دون أن تحرق المسرح كله. أمريكا لديها حساباتها، وإيران لديها حساباتها، وبين الحسابين تُرسم خريطة جديدة للمنطقة. واشنطن تعرف أن الحرب مكلفة، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن الحروب تفتح أبوابًا واسعة أمام الصناعات العسكرية، وتخلق طلبًا هائلًا على الصواريخ والطائرات والذخائر وأنظمة الدفاع. وإيران، من جهتها، تمتلك خطابًا سياسيًا مختلفًا؛ فهي تستطيع أن تحول المواجهة إلى قصة صمود، وأن تحول كل ضربة إلى مادة سياسية وإعلامية، وأن تقول لجمهورها إن استمرارها في القتال دليل على أنها لم تنكسر. وباختصار شديد، تبدو المعادلة وكأن أمريكا تبيع السلاح، وإيران تبيع الصمود، بينما شعوب المنطقة هي التي تدفع الفاتورة. وليس المقصود من ذلك القول إن الحرب شُنت فقط من أجل تجارة السلاح، أو أن هناك اتفاقًا سريًا مكتوبًا بين واشنطن وطهران لإطالة الحرب؛ فمثل هذه الادعاءات تحتاج إلى أدلة واضحة. لكن السياسة الدولية لا تتحرك دائمًا وفق اتفاقيات معلنة، وأحيانًا تكون هناك تفاهمات غير مباشرة حول حدود التصعيد، يعرف فيها كل طرف إلى أي مدى يستطيع أن يذهب قبل أن يصبح الثمن أكبر من الفائدة.



تضرب أمريكا، فترد إيران، وترد إيران، فتأتي التهديدات الأمريكية، ثم تبدأ الاتصالات والوساطات، ويظل باب التفاوض مفتوحًا خلف باب الحرب. وهذه ليست بالضرورة مؤامرة، لكنها بالتأكيد طريقة لإدارة صراع يعرف طرفاه أن الانفجار الكامل لن يخدم مصالحهما. حتى الصواريخ في هذه الحرب لم تعد مجرد أسلحة تُطلق من أجل إصابة هدف عسكري. توقيت الضربة له معنى، ومكانها له معنى، وحجم الرد له معنى، والرسالة السياسية التي تحملها الضربة قد تكون أحيانًا أهم من أثرها العسكري المباشر. وكلما ارتفع مستوى التوتر حول مصادر الطاقة وممرات الملاحة، دخل النفط في المعادلة. فمجرد التهديد بإغلاق مضيق أو اضطراب حركة الملاحة يكفي لرفع مستوى القلق في الأسواق، وكلما ارتفع القلق ارتفعت أسعار النفط، وتغيرت حسابات الدول والشركات والمستثمرين. ولذلك فإن بعض التوقيتات العسكرية يمكن قراءتها باعتبارها رسائل سياسية واقتصادية إلى جانب رسالتها العسكرية، دون أن يعني ذلك أن كل صاروخ أُطلق كان هدفه المباشر تحريك سعر النفط. الصاروخ قد يسقط على هدف عسكري، لكنه في الوقت نفسه قد يهز سوق النفط. وقد تكون الضربة محدودة من الناحية العسكرية، لكنها واسعة من الناحية السياسية والاقتصادية. وهنا تتحول الحرب إلى منظومة متكاملة؛ سلاح في الجو، ورسالة في السياسة، وخوف في الأسواق، وضغط على الحكومات، وقلق في حياة ملايين البشر. وهذا هو الجانب الأخطر في الصراع، لأن أثر الحرب لم يعد محصورًا في موقع سقوط الصاروخ، وإنما يمتد إلى أسعار الوقود والغذاء والنقل والتجارة والاستثمار، ويصل في النهاية إلى المواطن الذي لا علاقة له بقرار إطلاق الصاروخ أصلًا. ولو كانت هذه الحرب حربًا عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة، لكان المشهد مختلفًا منذ البداية. القوى الكبرى تعرف أن الانتقال من مواجهة أمريكية إيرانية إلى مواجهة دولية شاملة يمكن أن يفتح أبوابًا لا يستطيع أحد إغلاقها. ولهذا نشاهد شيئًا متناقضًا في المشهد: تصعيد عسكري من جهة، واتصالات ووساطات وتفاوض من جهة أخرى؛ تهديدات بالحرب، وفي الوقت نفسه بحث عن مخرج سياسي؛ صواريخ في السماء، وقنوات اتصال تعمل خلف الكواليس. وهذا يعني أن أطراف الصراع، مهما ارتفعت حدة خطابها، تدرك أن هناك سقفًا لا ينبغي تجاوزه. ومن هنا يمكن أن نفهم فكرة وجود نوع من التفاهم غير المعلن على حدود التصعيد، وليس بالضرورة اتفاقًا سريًا بالمعنى التقليدي. اضرب، ولكن لا تذهب إلى النهاية. رد، ولكن لا تشعل المنطقة كلها. ارفع سقف التهديد، ولكن اترك باب التفاوض مفتوحًا. قد يبدو هذا الكلام قاسيًا، لكنه يفسر جزءًا من التناقض الذي نراه في المشهد؛ فكيف يمكن لطرفين أن يتبادلا كل هذه التهديدات والضربات، ثم يبقى باب التفاوض مفتوحًا في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن أن تكون الحرب في أعلى درجات التصعيد، بينما يظل الطرفان حريصين على ألا تتحول إلى حرب لا عودة منها؟ المشكلة أن من يجلس إلى طاولة المفاوضات في النهاية ليس هو من يدفع الثمن الأكبر. الذي يدفع الثمن هو المواطن الإيراني الذي يعيش آثار الحرب والعقوبات والضغوط الاقتصادية، والمواطن الأمريكي الذي يتحمل تكلفة الحروب من أموال الضرائب ومن مخاطر إرسال الجنود، والمواطن العربي الذي يجد نفسه محاصرًا بتداعيات صراع لم يختر أن يكون طرفًا فيه. يدفع الناس من أمنهم، ومن اقتصادهم، ومن قدرتهم على العمل، ومن مستقبل أبنائهم، ومن حقهم الطبيعي في أن يعيشوا بعيدًا عن أصوات الصواريخ والطائرات. إن شعوب المنطقة لا تستطيع أن تتفاوض مع الصاروخ، ولا تستطيع أن تطلب من أسعار النفط أن تنتظر، ولا تستطيع أن تؤجل حياتها حتى تنتهي حسابات واشنطن وطهران. المواطن يريد شيئًا بسيطًا جدًا: أن يعيش بأمان، وأن يطمئن على أسرته، وأن يذهب إلى عمله دون أن يخشى أن يعود إلى منزله فلا يجده، وأن يخطط لمستقبل أبنائه دون أن يكون مستقبل المنطقة بأكملها معلقًا بقرار سياسي أو ضربة عسكرية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية. أن تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى حالة مستمرة بذاتها. أن يصبح استمرار الحرب أسهل من إنهائها، وأن يجد كل طرف في استمرارها مبررًا سياسيًا جديدًا. أمريكا تتحدث عن الأمن والردع والمصالح، وإيران تتحدث عن السيادة والصمود والمقاومة، وكل طرف يمتلك روايته وجمهوره، وكل طرف يستطيع أن يقدم نفسه أمام مؤيديه باعتباره الطرف الذي لم يتراجع. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: ماذا يعني الانتصار إذا كانت الشعوب هي التي تدفع ثمنه؟ ما جدوى أن تنتصر دولة عسكريًا إذا خرج شعبها أكثر فقرًا وخوفًا؟ وما قيمة الردع إذا كان ثمنه تدمير مستقبل أجيال كاملة؟ وما معنى الصمود إذا تحول المواطن إلى آخر من يفكر فيه أصحاب القرار؟ وما قيمة السلاح إذا لم يكن قادرًا على حماية الإنسان الذي يفترض أنه أُنتج من أجله؟ إن الشرق الأوسط ليس مجرد خريطة تتحرك عليها الجيوش، وليس مجرد موقع استراتيجي تتنافس عليه القوى الكبرى، وليس مجرد مصدر للطاقة وسوق للسلاح. هذه المنطقة فيها بشر، فيها أطفال يريدون المدارس، وشباب يريدون فرص العمل، وعائلات تريد الاستقرار، وشعوب تريد أن تبني مستقبلها بدل أن تقضي عمرها في إعادة بناء ما دمرته الحروب. ولهذا فإنني أرى أن أخطر ما في الحرب الأمريكية الإيرانية ليس فقط احتمال توسعها، بل احتمال أن تتحول إلى حرب قابلة للاستمرار؛ حرب لا يريد أحد إنهاءها بالكامل، ولا يريد أحد في الوقت نفسه أن يدفعها إلى الانفجار الكامل. حرب تبقى فيها الصواريخ حاضرة، والتهديدات مستمرة، وأسواق النفط متوترة، وقنوات التفاوض مفتوحة، والشعوب معلقة بين الخوف والانتظار. قد تستمر أمريكا في بيع السلاح، وقد تستمر إيران في بيع رواية الصمود، وقد تستمر الأسواق في تسعير الخوف، لكن هناك حقيقة لا يمكن تغييرها بالخطابات: شعوب المنطقة دفعت ما يكفي. دفعت من دمائها، ومن اقتصادها، ومن أمنها، ومن مستقبل أبنائها. ولم يعد مقبولًا أن تبقى شعوب بأكملها رهينة لصراع بين قوتين، كل واحدة منهما لديها حساباتها ومصالحها وأوراقها، بينما المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. وفي النهاية، ستصل الحروب إلى طاولة التفاوض مهما طال الزمن، لأن السياسة لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد فوق فوهة المدفع. وإذا كان لا بد من الجلوس إلى الطاولة، فلماذا يحتاج العالم إلى كل هذا الدم حتى يصل إليها؟ ولماذا يحتاج السياسي إلى كل هذه الصواريخ كي يقول في النهاية ما كان يستطيع قوله من البداية؟ أنا لا أبحث عن منتصر أمريكي أو منتصر إيراني، ولا أرى أن انتصار طرف على آخر يمكن أن يكون انتصارًا لشعوب المنطقة. ما أبحث عنه هو أن تنتصر الحياة على الحرب، وأن ينتصر الإنسان على الحسابات السياسية، وأن تتوقف هذه المنطقة عن كونها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى. أمريكا تستطيع أن تبيع السلاح، وإيران تستطيع أن تبيع الصمود، لكن الشعوب هي التي تشتري الحرب من قوتها وأمنها ومستقبلها. وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج الصواريخ والخطابات: الحرب قد تكون لعبة سياسية بالنسبة لمن يديرها، لكنها بالنسبة لمن يعيشها ليست لعبة، وإنما حياة كاملة تُدفع ثمنًا. لا يسعنا إلا أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الأردن، وطنًا وقيادةً وشعبًا، وأن يجنب أرضه كل شر وفتنة، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار. كما نسأل الله أن يوفق جلالة الملك عبد الله الثاني، وأن يعينه ويسدد خطاه في كل ما يبذله من جهود من أجل حماية الأردن وصون أمنه واستقراره، وأن يحفظ شعبه من تداعيات الحروب والصراعات المحيطة، وأن يديم على وطننا الغالي راية السلام والأمان، وأن يحفظ الأردن من كل مكروه، ويبقى عزيزًا آمنًا شامخًا، قيادةً وشعبًا وأرضًا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم