لم أنتبه إلى أن أبي بدأ يكبر. كان يكبر أمامي منذ سنوات، لكنني كنت أراه دائمًا بالصورة التي حفظتها عنه: الرجل الذي نعود إليه عندما تضيق بنا الحياة، والذي يعرف ماذا يفعل عندما نعجز عن معرفة ما نفعله، لم يخطر لي أن يأتي يوم أراقب فيه خطواته بدل أن يراقب خطواتي، أو أنتظر أن يطلب مني شيئًا بدل أن أنتظر أنا منه الحل. بدأ الأمر بتفاصيل صغيرة لا تستحق، في ظاهرها، أن تغيّر صورة أب في عين ابنه، طلب مني ذات يوم أن أساعده في أمر كان ينجزه وحده بسهولة، ثم عاد وسألني عن شيء آخر كان يعرفه جيدًا، لم يكن في صوته عجز، بل شيء أكثر رهافة: تردد رجل اعتاد طوال عمره أن يعطي، وبدأ يتعلم كيف يطلب، عندها لم أشعر أن أبي أصبح ضعيفًا؛ شعرت أنه أصبح يحتاج إليّ، وهذه مسألة مختلفة تمامًا. في طفولتي، كنت أحتاج أبي في كل شيء تقريبًا، أمسك يده لعبور الشارع، وأختبئ خلفه عندما أخاف، وأركض إليه عندما تحدث مشكلة لا أعرف كيف أتعامل معها، كنت أظن أن يده تعرف الطريق دائمًا، وأن وجوده وحده قادر على جعل الأشياء أقل خوفًا. كبرت، وامتلكت طريقي وقراراتي ومسؤولياتي، ونسيت أن الأدوار داخل الأسرة لا تبقى ثابتة إلى الأبد، فاليد التي أمسكت يد طفلها قد تحتاج يومًا إلى من يمسكها، والرجل الذي كان يقول لنا «لا تخافوا، أنا معكم» قد يأتي عليه وقت يحتاج فيه إلى أن يسمع الجملة نفسها. لكن أبي لم يكن يريد أن يتحول إلى شخص آخر، لم يكن يريد أن تسلبه المساعدة استقلاله، ولا أن ينظر إليه أبناؤه بعين الشفقة، كان يريد أن تبقى له كرامته كاملة، وأن يجد في أبنائه من يساعده دون أن يشعره بأن عمره أصبح عبئًا عليهم، وهنا اكتشفت أن رعاية الأب لا تعني أن تفعل له كل شيء، بل أن تعرف كيف تفعل ما يحتاجه من دون أن تجرحه بالمساعدة. أن تنتظر بدل أن تستعجل، أن تكرر الإجابة دون ضجر. أن تسمع القصة التي رواها لك مرات وكأنك تسمعها للمرة الأولى، أن تمشي إلى جانبه عندما تصبح خطواته أبطأ، دون أن تجعله يشعر بأن بطء خطوته أصبح مشكلة يجب الاعتذار عنها، وأن تترك له، ما استطاع، الأشياء التي يستطيع القيام بها، لأن المساعدة التي تحافظ على الكرامة تختلف كثيرًا عن المساعدة التي تنتزع القدرة. وهذه التفاصيل الصغيرة قد تكون أصعب امتحان للأبناء، فالآباء لا يحتاجون دائمًا إلى المال أو الدواء أو من يقضي لهم كل حاجاتهم. أحيانًا يحتاجون إلى وقت لا يستعجلهم، وإلى أذن لا تمل من التكرار، وإلى ابن لا يجعلهم يشعرون بأن السؤال الثاني أو الثالث صار إزعاجًا، وأقسى ما يمكن أن يشعر به الأب في كبره أن أسرته تحبه ما دام قويًا، ثم تتغير معاملتها عندما يصبح أكثر حاجة. المحبة الحقيقية تظهر عندما تتغير الصورة، عندما يصبح الأب أبطأ، ويحتاج إلى المرافقة، ويطلب المساعدة في أشياء كان يفعلها وحده. عندها لا يعود السؤال: ماذا يستطيع أبي أن يفعل؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا أستطيع أن أفعل لأبي قبل أن يصبح الوقت نفسه شيئًا لا أستطيع استعادته؟ ربما عاد أبي طفلًا في بعض تفاصيل يومه، لكن الحقيقة أنني أنا الذي كبرت، كبرت بما يكفي لأفهم أن الرجل الذي علّمني كيف أعبر الطريق، يستحق عندما تثقل خطواته أن أمشي إلى جواره، وأن اليد التي أمسكت يدي ذات يوم لا ينبغي أن أتركها عندما ترتجف. فالأب لا يعود طفلًا حقًا. الذي يتغير فقط أن الطفل الذي كان يحتاج إلى أبيه يكبر، ثم يأتي يوم يصبح فيه الأب هو من يحتاج إلى طفله.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات