الباشا الحباشنة يكتب: مراجعات وطنية (٦) .. الضمان الاجتماعي: من يدفع ثمن الإصلاح؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9951
الباشا الحباشنة يكتب: مراجعات وطنية (٦) ..  الضمان الاجتماعي: من يدفع ثمن الإصلاح؟
اللواء المتقاعد طارق الحباشنة

اللواء المتقاعد طارق الحباشنة

*المواطن مطالب بالعمل أطول.. فمن يتحمل مسؤولية أن يجد عملاً أصلاً؟*

«*إذا كان إنقاذ الضمان مسؤولية وطنية، فلماذا يبدأ الإصلاح من جيب المواطن*؟»



هذا ليس تعديلاً على قانون عادي؛ فهذا القانون يحدد إلى حد كبير كم سنة سيعمل الأردني، ومتى يستطيع التقاعد، وما الذي سيحصل عليه عندما تنتهي سنوات عمله، وما مقدار الأمان الذي سيتركه لأسرته. ولهذا فإن أي تعديل على قانون الضمان الاجتماعي لا يجوز أن يُعامل كأنه مسألة اكتوارية أو تشريعية محضة؛ لأن وراء كل رقم إنساناً، ووراء كل تغيير في سن التقاعد راتب أسرة ومستقبلها. نعم، استدامة الضمان ضرورة وطنية، لكن السؤال الذي لا يجوز تجاوزه هو: *هل نصلح أسباب الخلل فعلاً، أم ننقل كلفة الإصلاح إلى المواطن*؟ فالمشروع يتضمن رفع سن التقاعد تدريجياً، وتشديد شروط التقاعد المبكر، وتعديلات في احتساب المنافع، وإجراءات تتعلق بالتغطية والحوكمة والالتزام التأميني، فيما أعلنت الحكومة أن التطبيق سيبدأ تدريجياً اعتباراً من عام 2030. وهذه المرحلة التشريعية تتيح فرصة حقيقية لمناقشة فلسفة الإصلاح وآثاره قبل أن تصبح قواعده ملزمة.

والأرقام تفرض أن يكون النقاش جاداً. فبحسب صندوق النقد الدولي، بلغ +*إجمالي إنفاق المعاشات في الأردن نحو 8.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025*، ويشمل ذلك الضمان وأنظمة معاشات الخدمة المدنية المغلقة، فيما كان أكثر من *60% من المتقاعدين الجدد من التقاعد المبكر*. وتشير المراجعة الاكتوارية الحادية عشرة إلى احتمال تجاوز نفقات المنافع الاشتراكات في 2029، وبدء انخفاض الاحتياطيات في 2036، مع توقع استنفادها في 2048 إذا لم تُنفذ الإصلاحات اللازمة. كما يُتوقع أن تنخفض نسبة السكان في سن العمل إلى كبار السن من نحو 8 إلى 1 حالياً إلى 2.5 إلى 1 عام 2060. هذه أرقام تبرر الإصلاح، لكنها لا تبرر اختزال الحل في تأخير تقاعد المواطن؛ لأن المشكلة أكبر من سن التقاعد وأعمق من تعديل قانون.

وهنا يجب أن يرتفع سقف السؤال: *ماذا سنفعل لزيادة عدد المشتركين، لا سنوات اشتراك الموجودين فقط*؟ كيف سنخلق وظائف رسمية ومستقرة؟ وكيف سنواجه العمل غير المنظم والتهرب التأميني ونوسع قاعدة الحماية؟ لقد أثبت «استدامة++» أن توسيع المظلة ممكن، إذ استفاد منه نحو *46 ألف عامل وعاملة*، لكن الاستدامة تحتاج إلى اقتصاد ينتج وظائف جديدة، وسوق عمل يدخل المزيد من الشباب إلى النظام، وأجوراً ترفع قيمة الاشتراكات. فإذا كان المطلوب من المواطن أن يعمل سنوات أطول، فمن حقه أن يسأل: *ماذا ستفعل الدولة حتى يجد الشباب عملاً أصلاً*؟ فزيادة سنوات الاشتراك مهمة، لكن زيادة عدد المشتركين هي الوجه الآخر للاستدامة.

ثم يأتي السؤال الذي لا يجوز دفنه في التفاصيل: *من يتحمل كلفة الإصلاح*؟ العامل؟ صاحب العمل؟ المؤسسة؟ الدولة؟ أم الجميع، كلٌّ وفق مسؤوليته؟ المواطن هو الطرف الذي سيتأثر مباشرة بهذه القواعد، ولذلك لا يجوز أن يتحول إلى الحلقة الأسهل في المعالجة. ومن حق الرأي العام أن يرى الصورة كاملة: نتائج الدراسات الاكتوارية وافتراضاتها، وأداء الاستثمار، وكفاءة التحصيل، وحجم التهرب، وأثر كل تعديل على الإيرادات والمنافع. وقد بلغت موجودات صندوق استثمار أموال الضمان *نحو 19.7 مليار دينار في نهاية حزيران 2026*؛ وهذا لا يلغي التحدي الاكتواري، لكنه يجعل الشفافية حول إدارة الأموال وعوائدها وحوكمتها أكثر أهمية. المطلوب ليس التشكيك في المؤسسة ولا تبرئة أي طرف، بل وضع الحساب كاملاً أمام الناس؛ لأن الثقة تُبنى بالأرقام والمعلومات والمساءلة.

ومع عودة مجلس الأمة إلى دورته العادية في الثاني من تشرين الثاني، يدخل المشروع مرحلة أكثر حساسية. وقد استمعت اللجنة النيابية المختصة إلى آراء ومقترحات مختلفة بشأنه. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المواد التي ستُعدّل، بل في سؤال واحد: هل *نصلح أصل المشكلة أم نعيد توزيع كلفتها*؟ المطلوب قانون يوازن بين الاستدامة والعدالة، ويحمي من اقترب من التقاعد، ولا يفاجئ من بنى حياته على قواعد قائمة، ويضع مساراً واضحاً لزيادة المشتركين، ومواجهة التهرب، وتوسيع التغطية، وربط إصلاح الضمان بسياسات التشغيل. المطلوب ليس رفض الإصلاح خوفاً من كلفته، ولا تمريره لأن تحميل المواطن كلفته هو الأسهل؛ بل تشريع يواجه الأرقام ويوزع المسؤولية بعدالة.

وفي النهاية، فإن الضمان ليس صندوقاً مالياً فقط، ولا معادلة اكتوارية تُحل برفع سن التقاعد، بل *عقد اجتماعي طويل الأجل*: المواطن يدفع اليوم، والمؤسسة تدير وتحفظ، والدولة تضع السياسات وتوفر البيئة الاقتصادية، وصاحب العمل يلتزم، والأجيال المقبلة تنتظر النتيجة. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يسبق التصويت ليس فقط: متى سيتقاعد المواطن؟ بل: ماذا فعلنا حتى لا نضطر غداً إلى تحميله إصلاحاً جديداً؟ الإصلاح الحقيقي يجب أن يزيد عدد المشتركين لا سنوات الاشتراك فقط، ويوسع فرص العمل لا سنوات الانتظار فقط، ويحارب التهرب لا أن يعوضه من جيب المشترك، ويرفع كفاءة الإدارة والاستثمار والحوكمة بقدر ما يطالب المواطن بالتضحية. *فإذا كانت استدامة الضمان مسؤولية وطنية، فلا يجوز أن تتحول فاتورة الاستدامة إلى فاتورة يدفعها المواطن وحده. فالضمان أمانٌ للمواطن، وليس المواطن وحده من يدفع ثمن استدامته*.


*بقلم: اللواء المتقاعد*
*طارق عبدالمحسن الحباشنة*
*ماجستير إدارة استراتيجية*

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم