لم أعرف الأستاذ الدكتور عبد الرحيم الحنيطي أول مرة من خلف مكتب رئاسة جامعة، ولا من صورة بروتوكولية معلقة على جدار؛ عرفته في الميدان، في صباح صيفي هاشمي، حين مضت بنا حافلات الجامعة الهاشمية نحو أم القطين، حيث للجبل أهله، وللوطن وجوهه البعيدة عن ضجيج الكاميرات. كان يومًا طبيًا تطوعيًا جميلًا، وبرفقة زملائنا من كلية الطب وفرق الجامعة أدركت يومها أن الجامعة لا تُقاس بمبانيها فقط، بل بقدرتها على الخروج إلى الناس. وكان الحنيطي حاضرًا بهذه الروح؛ رئيسًا يرى الجامعة جزءًا من مجتمعها، ويرى الأردن في قراه وبواديه ومدنه كما يراه في قلب العاصمة.
ومضت السنوات، وبقيت الصورة. أما الأستاذ الدكتور عبد الرحيم الحنيطي، الحاصل على وسام الحسين للتميز من الدرجة الأولى، فقد حمل مسيرة واسعة في التعليم العالي؛ أستاذًا وأكاديميًا، ورئيسًا للجامعة الأردنية، ثم للجامعة الهاشمية، ولاحقًا لجامعة مؤتة، إلى جانب توليه مسؤوليات بارزة في اعتماد مؤسسات التعليم العالي. وامتدت تجربته إلى الفضاء الأكاديمي العربي أمينًا عامًا مساعدًا لاتحاد الجامعات العربية، وصولًا إلى رئاسة مجلس أمناء جامعة الحسين بن طلال. مسيرة تنقلت بين الجامعة والاعتماد والعمل الأكاديمي العربي، وأصبحت جزءًا من ذاكرة التعليم العالي الأردني التي أسهمت في بنائها أجيال من الأكاديميين والقيادات؛ فالخبرة المؤسسية، في نهاية المطاف، لا يملكها شخص بقدر ما تصبح رصيدًا عامًا حين تُحسن الدولة والمؤسسات حفظها وتداولها.
وخلال إشرافي على تدريب طلبة كلية العلوم الطبية المساندة في مركز التأهيل الملكي بمدينة الحسين الطبية، شاءت الظروف أن أتعرف إلى المرحوم معالي الدكتور سمير مطاوع؛ رجل الدولة والإعلام والدبلوماسية، ومن ذلك الرعيل الذي كانت خلف كلماته ذاكرة وطن. حظيت معه بجلسات عدة، ونهلت من خبرته، وفي إحدى المرات قال لي: «السلام أمانة... سلّم لي على الدكتور عبد الرحيم الحنيطي». وحملت السلام إلى الحنيطي في لقاء لاحق بالجامعة الهاشمية، فابتسم وسألني: «ومن أين تعرف سمير مطاوع؟» ثم قال عبارة بقيت في الذاكرة: «أنتم سفراء الجامعة الهاشمية... بوركتم في دروب الوطن». يومها بدا لي المشهد أكبر من سلام منقول بين رجلين؛ كان شيئًا من تلك العلاقات الإنسانية الهادئة التي تصل بين رجال الجامعة والدولة، وتكشف أن بعض ما يحفظ المؤسسات لا يُكتب دائمًا في القرارات؛ بل يبقى في الثقة والاحترام والذاكرة.
وحين أستعيد عبد الرحيم الحنيطي اليوم، لا أتذكر رئيس جامعة فحسب؛ أتذكر أم القطين، وذلك السلام، وكلمات قليلة قيلت في وقتها وبقي معناها. وربما هنا تكمن إحدى قواعد العمل المؤسسي التي تعلّمها الأيام: أن الموقع تكليف عابر، أما المؤسسة فممتدة، وأن نجاح مرحلة لا يحتاج إلى انتقاص ما قبلها ولا إلى مصادرة ما بعدها. ومغبوطٌ كل من تشرف بحمل دفة القيادة في الجامعة الهاشمية؛ فالجامعة لا تختزلها مرحلة ولا اسم، وإنما تكبر حين يسلّم جيل الراية لجيل وقد ترك المؤسسة أصلب مما وجدها. فالهاشمية التي ولدت بإرادة الحسين، وواصلت مسيرتها في عهد الملك عبدالله الثاني، تبقى أمانة علم ومعرفة ووطن؛ يتعاقب على خدمتها الرجال، ويبقى ميزانهم ما أضافوه إليها لا المدة التي جلسوا فيها على مقاعد المسؤولية.
وقبل أن أختم، تحية للجامعة الهاشمية؛ لكل القائمين عليها اليوم، قيادةً وأساتذةً وإداريين وعاملين وطلبة، ولكل من خدمها بالأمس، ولكل من سيحمل رسالتها غدًا. وتظل جبال خو ومعسكرات الجيش تحفّ بها، كأنها تحرس هاشمية الهاشميين في قطعة عزيزة من جغرافيا الوطن؛ من حولها البنادق والبيارق والجباه السمر، ومن بعيد يأتي صدى ميادين الرماية، في مشهد أردني يجمع العلم بالراية، والجامعة بذاكرة الدولة. وبين هذه المشاهد تعبر أجيال، يحمل كل منها شيئًا من الجامعة ويترك فيها شيئًا منه. ومن هذه الذاكرة جاء العنوان: عبد الرحيم الحنيطي.. استراحة محارب وذكريات هاشمية؛ فالمواقع تُسلَّم، والرايات تنتقل من جيل إلى جيل، أما الأثر الطيب... فيبقى.
ومضت السنوات، وبقيت الصورة. أما الأستاذ الدكتور عبد الرحيم الحنيطي، الحاصل على وسام الحسين للتميز من الدرجة الأولى، فقد حمل مسيرة واسعة في التعليم العالي؛ أستاذًا وأكاديميًا، ورئيسًا للجامعة الأردنية، ثم للجامعة الهاشمية، ولاحقًا لجامعة مؤتة، إلى جانب توليه مسؤوليات بارزة في اعتماد مؤسسات التعليم العالي. وامتدت تجربته إلى الفضاء الأكاديمي العربي أمينًا عامًا مساعدًا لاتحاد الجامعات العربية، وصولًا إلى رئاسة مجلس أمناء جامعة الحسين بن طلال. مسيرة تنقلت بين الجامعة والاعتماد والعمل الأكاديمي العربي، وأصبحت جزءًا من ذاكرة التعليم العالي الأردني التي أسهمت في بنائها أجيال من الأكاديميين والقيادات؛ فالخبرة المؤسسية، في نهاية المطاف، لا يملكها شخص بقدر ما تصبح رصيدًا عامًا حين تُحسن الدولة والمؤسسات حفظها وتداولها.
وخلال إشرافي على تدريب طلبة كلية العلوم الطبية المساندة في مركز التأهيل الملكي بمدينة الحسين الطبية، شاءت الظروف أن أتعرف إلى المرحوم معالي الدكتور سمير مطاوع؛ رجل الدولة والإعلام والدبلوماسية، ومن ذلك الرعيل الذي كانت خلف كلماته ذاكرة وطن. حظيت معه بجلسات عدة، ونهلت من خبرته، وفي إحدى المرات قال لي: «السلام أمانة... سلّم لي على الدكتور عبد الرحيم الحنيطي». وحملت السلام إلى الحنيطي في لقاء لاحق بالجامعة الهاشمية، فابتسم وسألني: «ومن أين تعرف سمير مطاوع؟» ثم قال عبارة بقيت في الذاكرة: «أنتم سفراء الجامعة الهاشمية... بوركتم في دروب الوطن». يومها بدا لي المشهد أكبر من سلام منقول بين رجلين؛ كان شيئًا من تلك العلاقات الإنسانية الهادئة التي تصل بين رجال الجامعة والدولة، وتكشف أن بعض ما يحفظ المؤسسات لا يُكتب دائمًا في القرارات؛ بل يبقى في الثقة والاحترام والذاكرة.
وحين أستعيد عبد الرحيم الحنيطي اليوم، لا أتذكر رئيس جامعة فحسب؛ أتذكر أم القطين، وذلك السلام، وكلمات قليلة قيلت في وقتها وبقي معناها. وربما هنا تكمن إحدى قواعد العمل المؤسسي التي تعلّمها الأيام: أن الموقع تكليف عابر، أما المؤسسة فممتدة، وأن نجاح مرحلة لا يحتاج إلى انتقاص ما قبلها ولا إلى مصادرة ما بعدها. ومغبوطٌ كل من تشرف بحمل دفة القيادة في الجامعة الهاشمية؛ فالجامعة لا تختزلها مرحلة ولا اسم، وإنما تكبر حين يسلّم جيل الراية لجيل وقد ترك المؤسسة أصلب مما وجدها. فالهاشمية التي ولدت بإرادة الحسين، وواصلت مسيرتها في عهد الملك عبدالله الثاني، تبقى أمانة علم ومعرفة ووطن؛ يتعاقب على خدمتها الرجال، ويبقى ميزانهم ما أضافوه إليها لا المدة التي جلسوا فيها على مقاعد المسؤولية.
وقبل أن أختم، تحية للجامعة الهاشمية؛ لكل القائمين عليها اليوم، قيادةً وأساتذةً وإداريين وعاملين وطلبة، ولكل من خدمها بالأمس، ولكل من سيحمل رسالتها غدًا. وتظل جبال خو ومعسكرات الجيش تحفّ بها، كأنها تحرس هاشمية الهاشميين في قطعة عزيزة من جغرافيا الوطن؛ من حولها البنادق والبيارق والجباه السمر، ومن بعيد يأتي صدى ميادين الرماية، في مشهد أردني يجمع العلم بالراية، والجامعة بذاكرة الدولة. وبين هذه المشاهد تعبر أجيال، يحمل كل منها شيئًا من الجامعة ويترك فيها شيئًا منه. ومن هذه الذاكرة جاء العنوان: عبد الرحيم الحنيطي.. استراحة محارب وذكريات هاشمية؛ فالمواقع تُسلَّم، والرايات تنتقل من جيل إلى جيل، أما الأثر الطيب... فيبقى.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات