م سفيان الخالدي يكتب: بعد الإنجاز يبدأ الامتحان .. بالله عليكم لا تشيلوا الحجر!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13638
م سفيان الخالدي يكتب: بعد الإنجاز يبدأ الامتحان ..  بالله عليكم لا تشيلوا الحجر!
م. سفيان الخالدي

م. سفيان الخالدي

قبل أشهر، وبعد الإنجاز التاريخي للمنتخب الأردني ومشاركته الأولى في كأس العالم، كتبت ضمن سلسلة «دينار واحد» عن سؤال كان بالنسبة إلي أهم من الاحتفال نفسه:

ماذا بعد؟

فرحنا واحتفلنا ورفعنا العلم، واجتمع الأردنيون بطريقة جميلة حول منتخبهم، في الداخل والخارج، على اختلاف آرائهم وخلفياتهم. وكان مشهداً نفتقده ونحتاجه، وكان الإنجاز يستحق كل هذه الفرحة.

لكنني كتبت وقتها، بالمعنى نفسه:

الإنجاز لا يُقاس فقط بلحظة الوصول، بل بما نبنيه فوقه بعد أن تنتهي الزغاريد وتُطفأ الشاشات.

وقلت إن الأشهر التالية ستكون الامتحان الحقيقي، ليس للاعبين فقط، بل للإدارة والمنظومة.

فالوصول إلى مستوى عالمي مرة واحدة إنجاز، أما المحافظة عليه والبناء فوقه وتحويله إلى قدرة مستدامة، فهذا هو الاختبار الحقيقي.

وهنا الفرق بين أن نحتفل بالتاريخ، وأن نصنع تاريخاً جديداً بعده.

مباراة سوريا أعادت السؤال من جديد

قبل أيام لعب منتخبنا مباراة ودية أمام المنتخب السوري الشقيق. المباراة ونتيجتها ليستا موضوعي، لكن ما حدث في البث التلفزيوني أعادني مباشرة إلى السؤال الذي طرحته قبل أشهر.

الاتحاد الأردني لكرة القدم اعتذر للجماهير عن سوء البث، موضحاً أن تأخر الرد على عرضه للقنوات المحلية للحصول على حقوق البث دفعه لإتمام الترتيبات من خلال شركة متخصصة، وأن خللاً في خدمة الإنترنت المستخدمة لنقل الإشارة تسبب بعدم استقرار البث.

أنا هنا لا أدخل في اتهامات فساد، ولا فيمن أخذ أو أعطى أو استفاد. إذا كانت هناك مخالفات، فهذا شأن الجهات الرقابية والصحافة الاستقصائية، ومن حق الأردنيين معرفة الحقيقة.

سؤالي أبسط، وربما أخطر:

كيف وصلنا أصلاً إلى هنا؟

كيف لمنتخب خرج قبل أشهر من أكبر مسرح كروي في العالم وأصبح اسمه معروفاً دولياً، أن نصل في مباراة دولية له إلى بيان رسمي يعتذر عن جودة البث؟

القصة مش Internet Connection فقط.

القصة أيضاً Management Connection.

بالله عليكم.. لا تشيلوا الحجر!

عندما تكون السيارة طالعة طلعة قوية وتخشى أن ترجع للخلف، شو بتعمل؟

بتحط حجراً خلف العجل.

الحجر مش رح يطلع السيارة، لكنه على الأقل بمنعها ترجع لورا.

هذا بالضبط ما كنت أتمنى أن يحدث بعد كأس العالم.

وصلنا إلى مستوى معين؟

ممتاز.

أول قرار استراتيجي يجب أن يكون:

ممنوع نرجع عنه.

ثبّت المستوى أولاً، وبعدها ادفع السيارة إلى الأمام.

بعد استقالة جمال سلامي والجهاز الفني، عيّن الاتحاد المغربي بادو الزاكي مدرباً للمنتخب بعقد لعام واحد لقيادة المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها كأس آسيا 2027.

وأنا أنظر لهذا القرار من زاوية إيجابية؛ ففيه قدر من الاستمرارية في المدرسة والخبرة والسياق، بدلاً من قلب الطاولة والبدء من الصفر.

هذا ممكن يكون الحجر خلف السيارة.

لكن السؤال الأهم: أين الدفع إلى الأمام؟

أين الخطة الأردنية طويلة المدى؟

وأين برنامج تطوير المدربين الأردنيين؟

لماذا لا نبني مدرسة مدربين وطنيين، وليس مدرباً واحداً؟

نستعين بالخبرات الأجنبية، نعم، ولكن لكي تنقل المعرفة وتبني القدرة المحلية، لا لكي نظل معتمدين عليها إلى الأبد.

مدرب صاحب خبرة اليوم، وحوله مدربون أردنيون يتعلمون ويشاركون ويتطورون، حتى يصبح لدينا مستقبلاً جيل كامل قادر على قيادة المنتخب والأندية والفئات العمرية.

هكذا تُبنى القدرات، وهكذا تُبنى المؤسسات.

المشكلة ليست في خطأ البث وحده

قد يقول البعض: يا زلمة، شو مكبر الموضوع؟ خلل إنترنت ومشى الحال.

وهنا بالضبط الفكرة.

المنظومات الكبيرة لا تكشف مشاكلها دائماً في القرارات التاريخية الضخمة؛ أحياناً الخلل الصغير يكشف كيف تفكر المنظومة كلها.

من خطط؟ متى بدأ التخطيط؟ ما البدائل؟ ما تقييم المخاطر؟ ما خطة الطوارئ؟ ما الـBackup؟ من اختبر النظام؟ وماذا تعلمنا بعد الفشل؟

هذه ليست أسئلة هندسة اتصالات ولا كرة قدم فقط.

هذه اسمها إدارة.

والاتحاد أعلن أنه بدأ ترتيبات فنية وتنظيمية للمباريات المقبلة لمنع تكرار المشكلة، وهذه خطوة جيدة ومطلوبة.

لكن المطلوب أكبر من إصلاح البث القادم.

السؤال الحقيقي:

هل نتعلم كنظام؟

وكرة القدم مجرد مثال

نفس القصة نراها في السياحة والاستثمار والاقتصاد والتعليم والإدارة العامة.

يظهر إنجاز، فنحتفل ونصور ونكتب البيانات ونملأ الدنيا تصريحات.

وبعدين؟

أين Next Phase؟

أين Lessons Learned؟

أين مؤشرات القياس؟

وأين السؤال بعد سنة: أين كنا، وأين أصبحنا، ولماذا، وما الخطوة التالية؟

وهذه بالنسبة إلي واحدة من أهم أفكار هندسة الاقتصاد الوطني:

المشروع الناجح ليس الذي يصل إلى هدفه مرة، بل الذي يحوّل الإنجاز إلى قدرة تمنع النظام من العودة إلى الخلف، ثم تدفعه إلى مستوى أعلى.

أنا لست ضد الاتحاد ولا ضد مسؤول بعينه. وبالعكس، الوصول إلى كأس العالم إنجاز أردني تاريخي يُحسب لكل من ساهم فيه من لاعبين ومدربين واتحاد وجمهور وكل من عمل خلف الكواليس.

لكن احترام الإنجاز يعني ألا نحوله إلى صورة معلقة على الحائط.

بل نبني فوقه.

هدفنا مش نحكي لأولادنا:

“والله سنة 2026 لعبنا بكأس العالم.”

هدفنا أن يصبح السؤال:

أي مجموعة وقعنا معها في كأس العالم 2030؟

ثم 2034.

وأن يصبح التأهل مستقبلاً ليس معجزة، بل نتيجة طبيعية لمنظومة كروية أردنية محترفة.

وهذا يحتاج إلى أكاديميات وفئات عمرية واكتشاف مواهب ودوري أقوى ومدربين أردنيين وإدارة احترافية وعلوم رياضية وبيانات وتسويق واستثمار وحوكمة وذاكرة مؤسسية تتعلم من النجاح والفشل.

لأن المنتخب مش 11 لاعباً.

المنتخب رأس منظومة كاملة.

هندسة ما بعد الإنجاز

ربما هذا هو الفرق بين العقلية التي تحتفل بالإنجاز والعقلية التي تهندس ما بعد الإنجاز.

الأولى تسأل:

كيف وصلنا؟

والثانية تسأل فوراً:

كيف نضمن ألا نرجع، وكيف نطلع أعلى؟

قبل أشهر قلت إن المرحلة التالية لكأس العالم ستكشف الكثير عن طريقة التفكير والإدارة والتخطيط لما بعد الإنجاز.

واليوم لا أريد إصدار حكم نهائي، لكن حادثة البث تذكرنا بشيء مهم:

ديروا بالكم على الحجر اللي ورا السيارة.

تعبنا كثير حتى وصلنا لهذه الطلعة، وما بدنا كل مرة نرجع نطلعها من جديد.

والخطأ وارد؛ كل مؤسسات العالم تخطئ.

لكن الفرق بين مؤسسة تتقدم ومؤسسة تتخبط أن الأولى تخطئ، تتعلم، ثم تبني نظاماً يمنع تكرار الخطأ.

أما الثانية فتعتذر، وتغير الشخص، وتصدر بياناً، وبعد فترة تعود إلى المكان نفسه باسم مختلف.

النشامى أعطونا إنجازاً نفتخر فيه، والجمهور أعطاهم حباً وثقة استثنائيين.

والآن الدور على المنظومة:

حافظوا على الحجر خلف السيارة… وابدؤوا بالدفع إلى الأمام.

لأن السؤال لم يعد:

كيف وصل الأردن إلى كأس العالم؟

السؤال الذي يستحق أن نعمل عليه من اليوم هو:

كيف نجعل الوصول إلى كأس العالم عادة أردنية… لا ذكرى أردنية؟

م. سفيان الخالدي
مؤسس ومصمم هندسة أنظمة الاقتصاد ESE | هندسة الاقتصاد الوطني JEEA

المصادر: الاتحاد الأردني لكرة القدم — بيان 27 أيلول 2026؛ وكالة الأنباء الأردنية (بترا) — تعيين بادو الزاكي، 19 تموز 2026

 

 

 

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم