فيصل تايه يكتب: سمر نصار .. لا تتركوا النهاية تبتلع الحكاية

منذ 4 ساعات
المشاهدات : 27311
 فيصل تايه يكتب: سمر نصار  ..  لا تتركوا النهاية تبتلع الحكاية
فيصل تايه

فيصل تايه

أعلن الاتحاد الأردني لكرة القدم قبول استقالة أمينته العامة سمر نصار، وتكليف فرح البدارنة بمهام الأمين العام بالإنابة، لتُطوى بذلك صفحة إدارية وتبدأ أخرى داخل الاتحاد.

ويأتي القرار في مرحلة مهمة من مسيرة الكرة الأردنية، بعد سنوات شهدت إنجازات تاريخية للمنتخب الوطني، كان أبرزها بلوغ نهائي كأس آسيا للمرة الأولى، ثم التأهل إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخ الكرة الأردنية.

هذا هو الخبر في سطره الأول، لكن الخبر وحده لا يكفي لقراءة الحكاية. فبين لحظة إعلان الرحيل وست سنوات سبقتها، مسافة واسعة من العمل والإنجاز والتجربة، لا يصح أن تبتلعها النهاية أو تختصرها في مشهدها الأخير.

فمغادرة مسؤول لموقعه لا تختصر بالضرورة تجربته، كما أن انتهاء المهمة لا يمحو سنوات العمل التي سبقتها. وبين القرار والمسيرة مساحة من الإنصاف تستحق أن تُقرأ بهدوء، بعيداً عن اختزال تجربة كاملة في لحظة واحدة.

وسمر نصار ليست اسماً عابراً في المشهد الرياضي الأردني؛ فقد كانت جزءاً من مرحلة مهمة في تاريخ الكرة الأردنية، وحملت خلال سنوات عملها مسؤوليات إدارية في مؤسسة تتحرك في ملفات محلية وقارية وعربية، وراكمت خبرة واسعة في إدارة وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، إلى جانب حضورها في العمل الكروي العربي.

ولذلك فإن قراءة تجربتها لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة المغادرة، بل عند ما راكمته من خبرة ومسؤولية وما تركته من أثر في مسيرتها المهنية.

وست سنوات في موقع الأمين العام لم تكن سنوات عادية في مسيرة الكرة الأردنية. كانت سنوات شهدت تحولات وإنجازات ستبقى حاضرة في تاريخ اللعبة، وفي مقدمتها بلوغ نهائي كأس آسيا ثم تحقيق الحلم الأكبر بالتأهل إلى كأس العالم.

ولم تكن سمر نصار صاحبة هذه الإنجازات وحدها، فهذا إنجاز جماعي شارك فيه اللاعبون والأجهزة الفنية والإدارية ومجالس الإدارة والعاملون في الاتحاد، لكنها كانت جزءاً من الفريق الإداري والمؤسسي الذي حمل مسؤولية العمل في واحدة من أكثر مراحل الكرة الأردنية إشراقاً. ومن الإنصاف، لذلك، ألا تُقرأ تجربتها بمعزل عن هذه المرحلة، وألا تُختصر سنوات عملها في مشهد المغادرة.

وفي المقابل، فإن الإنجاز الكروي الأردني لم يكن يوماً نتاج شخص واحد، بل ثمرة منظومة متكاملة تتكامل فيها الأدوار. وكان سمو الأمير علي بن الحسين في قلب هذه المسيرة قيادةً ومتابعةً ودعماً، ورافق مشروع الكرة الأردنية في محطاته المختلفة وصولاً إلى إنجازات غير مسبوقة للمنتخب الوطني. وتقدير دور الأفراد لا ينتقص من جماعية الإنجاز، بل يؤكد قيمة العمل المؤسسي الذي يصنع الفارق حين تتكامل الجهود.

ومن هذه الصورة نصل إلى الواقعة الأخيرة المتعلقة بالخلل الذي رافق بث مباراة الأردن وسوريا. ما حدث كان مؤسفاً لجمهور المنتخب الوطني، وقد أوضح الاتحاد الترتيبات التي سبقت اللقاء وما رافق عملية النقل من مشكلات، فيما جرى التأكيد على مراجعة الواقعة والوقوف على أسباب الخلل ومسؤولياته.

وهذا أمر طبيعي في أي مؤسسة تريد أن تتعلم من ملاحظاتها وأن تطور أداءها، تماماً كما أن من الإنصاف ألا تتحول واقعة واحدة إلى عنوان يحجب سنوات من العمل.

وهنا تحديداً تكمن المسألة: مراجعة واقعة شيء، واختزال مسيرة كاملة فيها شيء آخر. فالتقييم المهني لا يتجاهل الخلل إن وجد، لكنه في الوقت ذاته يضعه في حجمه الصحيح، ولا يسمح للحظة واحدة بأن تختصر تجربة امتدت لسنوات.

أما قرار سمو الأمير علي بن الحسين، فهو قرار قيادة المؤسسة، ويُحترم كما هو، من دون حاجة إلى وضعه في مواجهة مع سيرة سمر نصار.

وقد جاء واضحاً في الموقف الرسمي تقدير ما قدمته خلال فترة عملها، حيث أكد سموه أن الاتحاد يدخل مرحلة جديدة من العمل خلال الفترة المقبلة. فالقرار يرسم ملامح المرحلة المقبلة، بينما يبقى إنصاف المرحلة السابقة قراءة مهنية لا تتعارض معه.

ومن اللافت أن رسالة سمر نصار بعد انتهاء مهمتها جاءت بروح التقدير والامتنان، إذ وجّهت الشكر إلى سمو الأمير علي بن الحسين على ثقته ودعمه خلال سنوات عملها، كما عبّرت عن اعتزازها بزملائها وبالمحطات التي عاشتها مع الاتحاد.

وهذه الرسالة تعكس نهاية مرحلة بروح مهنية هادئة، وتؤكد أن الانتقال إلى فصل جديد يمكن أن يتم من دون أن يُمحى ما سبق من قيمة أو أثر.

ومن هنا يأتي تكليف فرح البدارنة بمهام الأمين العام بالإنابة باعتباره انتقالاً للمسؤولية داخل مؤسسة تواصل عملها. والبدارنة تملك خبرة في العمل الإداري والرياضي، والمرحلة المقبلة تحتاج إلى البناء على ما تحقق، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير، والمحافظة على استمرارية العمل بعيداً عن المقارنات بين الأشخاص أو المراحل.

وفي هذا السياق أيضاً، تكتسب إشارة سمو الأمير إلى الإعلام بوصفه شريكاً مهماً للاتحاد أهمية خاصة؛ فالعلاقة بين المؤسسة الرياضية والإعلام يفترض أن تقوم على الشراكة والمسؤولية المهنية، بما يسمح بالاحتفاء بالإنجاز، وطرح الملاحظات، وقراءة ما يحتاج إلى تطوير، من دون تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة.

أما سمر نصار، فإن انتهاء مهمتها في الاتحاد لا يعني انتهاء مسيرتها المهنية. فالخبرة التي راكمتها خلال سنوات العمل، وما عرفته من تفاصيل الإدارة الرياضية والعمل الكروي، وما حملته من حضور في المحافل الرياضية، كلها رصيد مهني يمكن أن يفتح أمامها أبواباً جديدة.

وما ينتهي هنا هو موقع إداري، لا قيمة تجربة تراكمت عبر سنوات، ولا خبرة ستبقى حاضرة في المشهد الرياضي الأردني والعربي.

وفي النهاية، لا تحتاج الكرة الأردنية إلى تحويل التغيير الإداري إلى مواجهة بين مرحلة وأخرى، أو إلى البحث عن طرف رابح وآخر خاسر.

هناك قرار اتخذته قيادة الاتحاد للمرحلة المقبلة، وهناك تجربة مهنية تستحق أن تُقرأ كاملة، وهناك مؤسسة تواصل طريقها وتحتاج إلى تضافر الجميع.

سمو الأمير علي بن الحسين اتخذ قراره، وهو قرار يُحترم، كما تُحترم رؤيته للمرحلة المقبلة. وسمر نصار أدت مهمتها، وما قدمته خلال سنوات عملها يبقى جزءاً من سجل هذه المؤسسة.

وبين الأمرين لا توجد خصومة ولا تناقض؛ بل صورة طبيعية لمؤسسة تتغير فيها المسؤوليات، بينما يبقى الهدف واحداً: أن تتقدم الكرة الأردنية إلى الأمام.

فالمهمة قد تنتهي، والموقع قد يتغير، والمرحلة قد تبدأ من جديد؛ لكن ست سنوات من العمل لا تختفي بخبر، ولا تُقرأ من مشهدها الأخير.

سمر نصار.. لا تتركوا النهاية تبتلع الحكاية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم