رئيس بلدية سحاب السابق
وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعاد للعالم ما يعرفه عن الأردن وثوابته: فلسطين والقدس في صدارة الموقف، وأمن الأردن واستقراره خط لا يُفاوَض عليه، وحق شعوب المنطقة في السلام ليس منّة من أحد.
الدول لا تُصدَّق بما تقوله فقط، بل بمقدار التطابق بين صوتها في الخارج وحالها في الداخل. وهذا التطابق لا تصنعه وزارة الخارجية، بل يصنعه ملايين الناس في تفاصيل لا تدخل نشرات الأخبار: مواطن يقف في طابوره، وموظف لا يؤجّل معاملة إلى الغد لأنها ثقيلة، وتاجر لا يغشّ لأن أحدًا لن يكتشف، وشاب يرفض المخدرات لأنه يعرف أنها تسرق منه بلده قبل أن تسرق منه نفسه.
لكن المواطن لا يُطالَب بالالتزام في فراغ. فالحكومة هي الأولى بأن تلتقط رسائل الملك وتترجمها إلى برامج قابلة للقياس، والمواطن الذي يُطلب منه أن يكون شريكًا في حماية الوطن، من حقه أن يكون شريكًا في صناعة القرار الذي يمسّ حياته: إصغاء مبكر، وشفافية في المعلومة، ومساءلة بعد التنفيذ. ويقترن بذلك شرط لا يقل أهمية، هو العدالة في توزيع الخدمات، فالانتماء يضعف حين يرى المواطن أن الطريق والمدرسة والمستشفى والفرصة تصل إلى منطقة قبل أخرى بلا مبرر مقنع.
وقد التفت ابن خلدون إلى هذا المعنى قبل قرون، حين ربط قوة الدولة بتماسك أهلها وعمرانهم، ولم يربطها بجيوشها وحدها. فالدولة عنده تشيخ من الداخل قبل أن تضعف من الخارج، وتقوى بما يُبنى في الظل قبل ما يُعلن في العلن.
قد يُقال إن هذا حديث في الأخلاق لا في السياسة. والحقيقة أن السياسة، حين تُنزع عنها الشعارات، ليست إلا مجموع سلوكنا العام. الأمن ليس حدودًا نحرسها فحسب، بل قانون نحترمه حين نكون وحدنا. والاقتصاد ليس أرقامًا تعلنها الحكومة، بل ثقة تتراكم حين يجد المستثمر من يحترم وقته وماله، ويجد المواطن مؤسسة تخدمه دون منّة.
وأخطر ما في زمننا أن يكتفي كل طرف بدور المتفرج: شعب يصفّق للموقف ثم يتركه وحيدًا، وحكومة تستشهد بالخطاب ثم لا تحوّله إلى عمل. الانتماء الذي يبقى في اللسان يشبه عهدًا لم يُوفَّ به، أما الانتماء الذي يصير عادة يومية فهو ما يمنح الكلمات وزنها حين تُقال في المحافل.
انتهى الخطاب في نيويورك، لكن اختباره الحقيقي في الشارع والمدرسة والمؤسسة ومجلس الوزراء. وهناك يتقرر، بهدوء ودون كاميرات، إن كان ما قاله الأردن للعالم يجد من يسنده في بيته.
وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعاد للعالم ما يعرفه عن الأردن وثوابته: فلسطين والقدس في صدارة الموقف، وأمن الأردن واستقراره خط لا يُفاوَض عليه، وحق شعوب المنطقة في السلام ليس منّة من أحد.
الدول لا تُصدَّق بما تقوله فقط، بل بمقدار التطابق بين صوتها في الخارج وحالها في الداخل. وهذا التطابق لا تصنعه وزارة الخارجية، بل يصنعه ملايين الناس في تفاصيل لا تدخل نشرات الأخبار: مواطن يقف في طابوره، وموظف لا يؤجّل معاملة إلى الغد لأنها ثقيلة، وتاجر لا يغشّ لأن أحدًا لن يكتشف، وشاب يرفض المخدرات لأنه يعرف أنها تسرق منه بلده قبل أن تسرق منه نفسه.
لكن المواطن لا يُطالَب بالالتزام في فراغ. فالحكومة هي الأولى بأن تلتقط رسائل الملك وتترجمها إلى برامج قابلة للقياس، والمواطن الذي يُطلب منه أن يكون شريكًا في حماية الوطن، من حقه أن يكون شريكًا في صناعة القرار الذي يمسّ حياته: إصغاء مبكر، وشفافية في المعلومة، ومساءلة بعد التنفيذ. ويقترن بذلك شرط لا يقل أهمية، هو العدالة في توزيع الخدمات، فالانتماء يضعف حين يرى المواطن أن الطريق والمدرسة والمستشفى والفرصة تصل إلى منطقة قبل أخرى بلا مبرر مقنع.
وقد التفت ابن خلدون إلى هذا المعنى قبل قرون، حين ربط قوة الدولة بتماسك أهلها وعمرانهم، ولم يربطها بجيوشها وحدها. فالدولة عنده تشيخ من الداخل قبل أن تضعف من الخارج، وتقوى بما يُبنى في الظل قبل ما يُعلن في العلن.
قد يُقال إن هذا حديث في الأخلاق لا في السياسة. والحقيقة أن السياسة، حين تُنزع عنها الشعارات، ليست إلا مجموع سلوكنا العام. الأمن ليس حدودًا نحرسها فحسب، بل قانون نحترمه حين نكون وحدنا. والاقتصاد ليس أرقامًا تعلنها الحكومة، بل ثقة تتراكم حين يجد المستثمر من يحترم وقته وماله، ويجد المواطن مؤسسة تخدمه دون منّة.
وأخطر ما في زمننا أن يكتفي كل طرف بدور المتفرج: شعب يصفّق للموقف ثم يتركه وحيدًا، وحكومة تستشهد بالخطاب ثم لا تحوّله إلى عمل. الانتماء الذي يبقى في اللسان يشبه عهدًا لم يُوفَّ به، أما الانتماء الذي يصير عادة يومية فهو ما يمنح الكلمات وزنها حين تُقال في المحافل.
انتهى الخطاب في نيويورك، لكن اختباره الحقيقي في الشارع والمدرسة والمؤسسة ومجلس الوزراء. وهناك يتقرر، بهدوء ودون كاميرات، إن كان ما قاله الأردن للعالم يجد من يسنده في بيته.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات