القرعان تكتب: بعد صدور قانون الإدارة المحلية، ما الخطوة التالية؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9649
 القرعان تكتب: بعد صدور قانون الإدارة المحلية، ما الخطوة التالية؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

صدور قانون الإدارة المحلية ليس مجرد محطة تشريعية عابرة، ولا ينبغي أن ينتهي التعامل معه عند لحظة نشره بالجريدة الرسمية. فالقوانين الإصلاحية لا تُقاس أهميتها بما تتضمنه من مواد ونصوص، وإنما بما تستطيع أن تحدثه من تغيير حقيقي في بنية الإدارة، وبطريقة اتخاذ القرار، وبمستوى الخدمات التي تصل إلى المواطن.
ومن هنا، فإن صدور القانون سيفتح باباً جديداً من الأسئلة أكثر أهمية من السؤال عن تفاصيل النص نفسه، ماذا بعد القانون؟ وكيف سينتقل الأردن من مرحلة التشريع إلى مرحلة التطبيق؟
الحقيقة أن التحدي يبدأ الآن فالقانون، مهما كان متقدماً، يحتاج إلى منظومة متكاملة من أنظمة وتعليمات وإجراءات التي ستحوله إلى ممارسة فعلية، أي هذا يعني أن المرحلة المقبلة (شهران بعد صدور القانون بالجريدة الرسمية) يجب أن تشهد عملاً تشريعياً وتنظيمياً متسارعاً لاستكمال البيئة القانونية اللازمة، وبما يضمن ألا تتحول النصوص الجديدة إلى حالة من الغموض أو تضارب الصلاحيات بين المؤسسات المركزية والمحلية، لكن الأهم من ذلك هو أن تكون عملية التطبيق قائمة على فلسفة واضحة للإدارة المحلية.
فالإدارة المحلية ليست مجرد تقسيم إداري جديد وليس فقط مجالس منتخبة أو هيئات تتولى تقديم بعض الخدمات، جوهرها الحقيقي هو تقريب القرار من المواطن، وتمكين المستوى المحلي من التعامل مع احتياجاته وأولوياته، مع وجود نظام وطني يضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين مختلف مناطق المملكة، وهذا يقودنا إلى القضية الأكثر حساسية، الصلاحيات، فلا يمكن أن نطالب الإدارة المحلية بتحمل المسؤولية من دون منحها صلاحيات حقيقية، في المقابل، فإن نقل الصلاحيات من المركز إلى المستوى المحلي يجب أن يكون منظماً وواضحاً حتى لا ننتقل من مركزية القرار إلى ازدواجية القرار.
المطلوب إذن ليس مجرد توزيع للمهام، وإنما تحديد دقيق لمن يقرر، ومن ينفذ، ومن يراقب، ومن يحاسب، وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي المال، فلا يمكن بناء إدارة محلية قوية بصلاحيات واسعة وموارد محدودة، وإذا كانت البلديات والمجالس المحلية ستُكلف بمسؤوليات أكبر، فلا بد أن يترافق ذلك مع نظام مالي قادر على تمويل تلك المسؤوليات بصورة عادلة ومستدامة. ولذلك فإن نجاح قانون الإدارة المحلية يتوقف إلى حد كبير على الإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره عميق في مضمونه، هل ستنقل فقط الصلاحيات، أم ستنتقل معها الموارد والقدرات؟ وإذا انتقلت الصلاحيات من دون الموارد، فإننا نكون قد نقلنا المشكلة بدل أن نحلها، وإذا انتقلت الموارد من دون بناء قدرات مؤسسية وبشرية، فقد نواجه مشكلة أخرى تتمثل في ضعف القدرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة.
كما أن نجاح القانون يحتاج إلى علاقة صحية وواضحة بين المجالس المنتخبة والجهاز التنفيذي. فلا يجوز أن تبقى الحدود بين الدور الرقابي والسياسي من جهة، والدور الإداري والتنفيذي من جهة أخرى، غير واضحة، الوضوح هنا ليس ترفاً إدارياً، وإنما شرط أساسي للمساءلة، فالمواطن يريد يعرف من المسؤول عن القرار؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ ومن يستطيع أن يحاسبه عندما لا تتحقق النتائج؟ هذه النقطة تقودنا بضرورة بناء منظومة حقيقية للمساءلة وقياس الأداء، فالنجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها المجالس، ولا بعدد المشاريع التي تعلن عنها، ولا بحجم الأموال التي تنفقها المؤسسات المحلية، وإنما بما يتحقق على الأرض.
من هنا تأتي أهمية المشاركة المجتمعية، فإذا كان الهدف من الإدارة المحلية هو تقريب القرار من الناس، فلا بد أن يكون الناس جزءاً من عملية تحديد الأولويات، المجالس المحلية لا ينبغي أن تعمل بمعزل عن المجتمع، كما أن المشاركة الشعبية لا ينبغي أن تكون مجرد لقاء بروتوكولي، وإنما آلية فعلية لسماع احتياجات المواطنين وترتيب الأولويات ومتابعة التنفيذ.
يمكن أن يشكل قانون الإدارة المحلية فرصة حقيقية لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والإدارة، لكنه لن يفعل ذلك تلقائياً، فالانتقال من المركزية إلى إدارة محلية أكثر فاعلية يحتاج إلى إرادة سياسية وإدارية، وإلى وضوح في الاختصاصات، وعدالة في توزيع الموارد، وكفاءة في الإدارة، ورقابة جادة، ومشاركة مجتمعية حقيقية، ولذلك، فإن الخطوة التالية يجب ألا تكون مجرد إصدار أنظمة وتعليمات لتطبيق القانون، بل إعداد خارطة طريق وطنية واضحة لتطبيقه. خارطة تقول بوضوح ماذا سيحدث؟ متى؟ من المسؤول؟ ما الموارد المطلوبة؟ كيف ستتم عملية الانتقال؟ ما مؤشرات النجاح؟ وكيف سيتم التعامل مع مواطن الخلل؟ الأهم أن تكون الخارطة معلنة للمواطن، لأن الإصلاح الإداري لا ينجح في الغرف المغلقة.
إن الأردن لا يحتاج فقط إلى قانون جديد للإدارة المحلية؛ بل يحتاج إلى تجربة جديدة في الإدارة المحلية، يكون فيها المواطن أقرب إلى القرار، والمسؤول أقرب إلى المساءلة، والمؤسسة المحلية أكثر قدرة على الإنجاز.
لذلك فإن صدور القانون ليس لحظة الوصول، بل لحظة الانطلاق، والاختبار الحقيقي يبدأ من اليوم، هل نستطيع أن نجعل الإدارة المحلية شريكاً حقيقياً في إدارة الدولة، أم سنكتفي بإدارة اللامركزية من المركز؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في المرحلة المقبلة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم