بتول عدنان الملكاوي تكتب: البلدية ليست شارعًا يُعبَّد… بل مدينة تُبنى

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10232
بتول عدنان الملكاوي تكتب: البلدية ليست شارعًا يُعبَّد… بل مدينة تُبنى
بتول عدنان الملكاوي

بتول عدنان الملكاوي

حين نتحدث عن البلدية، غالبًا ما تختصر الصورة في مشهد مألوف: شارع يحتاج إلى تعبيد، إنارة تحتاج إلى إصلاح، حاويات تحتاج إلى توزيع، أو شكوى مواطن تنتظر المعالجة. وهذه كلها خدمات أساسية لا يمكن التقليل من أهميتها. لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: هل يكفي أن تنجح البلدية في تقديم الخدمة حتى نقول إنها نجحت في بناء المدينة؟ أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى إعادة نظر. فالمدينة ليست مجموعة شوارع ومبانٍ وخدمات منفصلة، والبلدية ليست جهة تتحرك فقط عندما تظهر المشكلة.


البلدية الحديثة يجب أن تكون قادرة على أن ترى المشكلة قبل أن تصبح أزمة، والفرصة قبل أن تضيع، والاحتياج قبل أن يتحول إلى شكوى. من إدارة الشكوى إلى إدارة الاحتياج هناك فرق كبير بين أن ننتظر المواطن حتى يقول: «هذا الشارع بحاجة إلى صيانة»، وبين أن تمتلك البلدية نظامًا يجعلها تعرف مسبقًا أين تتكرر الأعطال، وأي المناطق أكثر احتياجًا، وأين تتكدس النفايات، وأين توجد الاختناقات المرورية، وما الخدمات التي يزداد الطلب عليها.


الفرق هنا ليس في حجم الموازنة فقط. الفرق في طريقة إدارة المدينة. فالبيانات التي تنتجها المدينة يوميًا من شكاوى المواطنين، وحركة الخدمات، والمشاريع، والأصول، والاستخدامات المختلفة للمرافق، يمكن أن تتحول من أرقام متفرقة إلى أدوات لاتخاذ القرار.


وهنا يبدأ العمل البلدي الحقيقي: أن لا تكون البلدية في موقع ردّ الفعل دائمًا، بل في موقع التخطيط والاستباق. المواطن ليس متلقيًا للخدمة فقط لا يمكن بناء مدينة حديثة بعقلية تقول إن المواطن يأتي في نهاية السلسلة ليستلم الخدمة. المواطن يجب أن يكون جزءًا من تحديد الأولويات. أي مشروع يجب أن يبدأ بسؤال بسيط: هل هذا ما تحتاجه المنطقة فعلًا؟ فليس بالضرورة أن تكون الأولوية في كل حي هي نفسها. منطقة تحتاج إلى تحسين الحركة المرورية، وأخرى تحتاج إلى مساحة عامة، وثالثة تحتاج إلى تنظيم سوق، ورابعة تمتلك فرصة اقتصادية يمكن تطويرها. ولهذا فإن إشراك المجتمع المحلي في تحديد الأولويات ليس مجرد إجراء شكلي، بل وسيلة للوصول إلى قرارات أكثر ارتباطًا بالواقع. وهذا الاتجاه ينسجم مع ما تطرحه وزارة الإدارة المحلية في مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 من ربط الخطط والموازنات بالاحتياجات والمشاركة المجتمعية، ومنح المجتمع المحلي دورًا في تحديد جزء من أولويات الإنفاق.


(mola.gov.jo) لا نحتاج فقط إلى مشاريع أكثر… بل إلى مشاريع أذكى أحيانًا يكون السؤال: كم مشروعًا أنجزت البلدية؟ وأرى أن السؤال الأكثر دقة هو: ماذا غيّر هذا المشروع؟ فالنجاح لا يقاس بعدد المشاريع وحده. قد تنفذ البلدية مشروعًا بتكلفة كبيرة، لكن أثره محدود. وقد يكون هناك مشروع أصغر بكثير، لكنه يحل مشكلة يومية لآلاف المواطنين. لذلك يجب أن يصبح تقييم المشروع مرتبطًا بثلاثة أسئلة: كم كلف؟ ماذا أنجز؟ وما الأثر الذي تركه؟ وهنا تصبح الشفافية أكثر من مجرد نشر أرقام؛ تصبح وسيلة لقياس قيمة الإنفاق العام. البلدية التي تعرف أرقامها تعرف مستقبلها لا يمكن التخطيط الجيد من دون معرفة دقيقة بما نملك. الأصول البلدية، الأراضي، المباني، المرافق، الأسواق، المواقف، الخدمات، المساحات المتاحة، وحتى البيانات المتراكمة لدى البلدية، كلها أجزاء من صورة أكبر. وهذه الفكرة تتقاطع مع التوجه المطروح حاليًا نحو توسيع الدور التنموي والاستثماري للبلديات وتمكينها من استغلال مواردها وأصولها بصورة أكثر فاعلية. (mola.gov.jo) لكن امتلاك الأصل ليس هو الإنجاز. الإنجاز الحقيقي هو أن نعرف كيف نحول الأصل إلى قيمة تخدم المدينة والمواطن. وهنا يصبح السؤال البلدي مختلفًا: ليس فقط «ماذا نملك؟» بل: «ماذا نستطيع أن نصنع مما نملك؟» المدينة التي لا تقيس أداءها… يصعب أن تطوره من حق المواطن أن يعرف ما الذي وعدت به البلدية، وما الذي نُفذ، وما الذي تأخر، ولماذا.


ومن حقه أيضًا أن يعرف كيف تحركت الموازنة، وما نتائج المشاريع، وما مستوى الخدمات. وهذا ليس مطلبًا إعلاميًا فقط؛ فمسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 تتضمن توجهًا نحو تقارير دورية للأداء المالي والإداري وسير المشاريع، ونشر تقارير أداء البلديات بصورة دورية. (mola.gov.jo) والفكرة هنا بسيطة: ما لا نقيسه، يصعب أن نطوره. لذلك أرى أن البلدية تحتاج إلى مؤشرات أداء يفهمها المواطن، لا تقارير معقدة لا يقرأها أحد. كم استغرق إنجاز المعاملة؟ كم شكوى عولجت؟ كم مشروعًا أنجز في موعده؟ كم وفر المشروع من الكلفة؟ وما أثره على المنطقة؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا طبيعيًا من العمل البلدي، يصبح المواطن شريكًا في الرقابة، وليس مجرد متلقٍ للنتائج. والشباب؟ لا أعتقد أن دور الشباب في العمل البلدي يجب أن يبدأ وينتهي عند المشاركة في نشاط أو مبادرة. الشباب جزء من المجتمع الذي يفترض أن تُبنى الخطط من أجله ومعه. وهم أيضًا يمتلكون أفكارًا ووسائل وأدوات جديدة يمكن أن تدخل إلى العمل البلدي، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا، والمشاريع الصغيرة، والاقتصاد المحلي، والبيئة، والعمل التطوعي.


والاتجاه نحو زيادة تمثيل النساء والشباب وتعزيز مشاركتهم حاضر كذلك في مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026. (mola.gov.jo) لكن التمثيل وحده لا يكفي. المطلوب أن تتحول المشاركة إلى تأثير حقيقي في صناعة القرار. إربد لا تحتاج فقط إلى بلدية تنجز… بل إلى بلدية ترى أبعد إربد مدينة كبيرة، ذات ثقل سكاني واقتصادي وتعليمي وثقافي، ولذلك فإن التعامل معها بعقلية «الخدمة اليومية» وحدها لا يجيب عن كل احتياجاتها. نحتاج إلى عقلية ترى المدينة كمنظومة واحدة: اقتصادها، شبابها، شوارعها، أسواقها، أصولها، بيئتها، مساحاتها العامة، جامعاتها، قطاعها الخاص، ومجتمعها المحلي. وعندما ننظر إلى المدينة بهذه الطريقة، تتغير طبيعة الأسئلة. بدل أن نسأل فقط: كم نحتاج من المال؟ نسأل: كيف نستخدم ما لدينا بكفاءة أكبر؟ وبدل أن نسأل: كم مشروعًا نفذنا؟ نسأل: كم مشكلة حللنا؟ وبدل أن نسأل: كم مواطنًا تلقى خدمة؟ نسأل: كم مواطنًا أصبح جزءًا من صناعة القرار؟ هذه، في رأيي، هي النقلة التي يحتاجها التفكير البلدي. فالمدينة لا تُبنى بالإسفلت وحده، ولا بالموازنات وحدها، ولا بكثرة المشاريع وحدها. المدينة تُبنى عندما يصبح المال أكثر كفاءة، والقرار أكثر قربًا من المواطن، والبيانات جزءًا من التخطيط، والمواطن شريكًا، والمشروع وسيلة لصناعة أثر حقيقي. وفي النهاية، قد تكون البلدية الناجحة هي التي لا تجعل المواطن يسأل فقط: «متى ستُصلحون المشكلة؟» بل تجعله يشعر أن مدينته تُدار بطريقة تجعله يسأل: «ما الفرصة القادمة التي يمكن أن نصنعها معًا؟» لأن البلدية، في النهاية، ليست شارعًا يُعبَّد فقط… بل مدينة تُبنى.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم