كان الزواج في الذاكرة الشعبية بداية بيت، أما في زمننا فقد أصبح أحيانًا بداية قائمة طويلة من الفواتير، غرفة يجب أن تكون مكتملة، أثاث ينبغي أن يكون جديدًا، حفلة يجب أن تليق بصورة العائلة، ومهر يرتفع كلما ارتفعت توقعات المحيطين، وفي وسط هذه التفاصيل يقف شاب وفتاة يريدان شيئًا بسيطًا جدًا: أن يبدآ حياتهما معًا. مفارقة مؤلمة أن يصبح الإنسان عاجزًا عن الوصول إلى حلم قديم ليس لأنه لا يريده، بل لأن الطريق إليه أصبح أثقل مما يحتمل. نحن نتحدث كثيرًا عن عزوف الشباب عن الزواج، ونلوم جيلًا كاملًا بسهولة، لكننا نادرًا ما نتوقف عند السؤال الأصعب: ماذا فعلنا نحن بهذا الطريق؟ هل جعلناه أكثر سهولة أم أكثر تعقيدًا؟ هل ساعدنا أبناءنا على تأسيس بيوت أم أقنعناهم بأن البيت لا يليق إلا إذا بدأ بمستوى معين من الرفاهية؟ ليس الشباب وحدهم من تغير، الفتيات أيضًا تغيرت أحلامهن وتوقعاتهن، وهذا طبيعي، الفتاة التي درست وعملت وأصبحت أكثر استقلالًا لن تنظر إلى الزواج باعتباره تنازلًا عن ذاتها، هي تريد شريكًا، لا وصيًا؛ بيتًا يحفظ كرامتها، لا جدرانًا تحاصرها، وفي المقابل، يحتاج الشاب إلى أن يشعر بأن الزواج لن يحوله إلى آلة لإنتاج المال، وأن شريكته ستراه إنسانًا قبل أن تراه راتبًا. المشكلة إذن ليست في الرجال وحدهم، ولا في النساء وحدهن، وإنما في منظومة اجتماعية كاملة تحتاج إلى مراجعة هادئة. وقد يكون أخطر ما في المشهد أن بعض الشباب لا يؤجلون الزواج لأنهم لا يريدونه، بل لأنهم يخافون الفشل، يخافون أن يبدأوا بموارد محدودة، ثم يجدوا أنفسهم أمام متطلبات لا يستطيعون الوفاء بها، يخافون من تجربة زواج أصبحت المقارنة فيها مفتوحة على ملايين الصور والنماذج عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الحياة الحقيقية ليست صورة على شاشة، لا أحد ينشر عادةً فاتورة الكهرباء، أو نقاش الزوجين في نهاية الشهر، أو تعب الأب بعد يوم عمل طويل، أو قلق الأم على طفل مريض. ما نراه على المنصات هو اللقطة، بينما الزواج هو الفيلم كاملًا. لذلك ربما آن الأوان لأن نعيد للزواج معناه البسيط: شخصان يتفقان على أن يكملا الطريق معًا، لا أن يستعرضا أمام الناس أنهما وصلا إلى النهاية. إن إنقاذ فكرة الزواج لا يبدأ بإلقاء اللوم على الشباب، بل بإعادة النظر في ثقافة الزواج نفسها، وكلما خففنا عن البداية أثقالها المصطنعة، وأعدنا الإنسان إلى مركز الحكاية، ربما اكتشفنا أن كثيرًا من الذين ظننا أنهم «عازفون عن الزواج» كانوا في الحقيقة عازفين عن الكلفة التي وضعناها فوق الزواج.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات